تركيا صوت جديد في الشرق
الثلاثاء 15 يونيو 2010

د. كمال حبيب - المصريون 12/6/2010

 شهداء قافلة الحرية من أجل رفع الحصار عن غزة كانوا جميعا من الأتراك ، والسفينة مرمرة التركية التي هاجمها الكاماندوز الصهيوني كانت تعبر عن توجه تركي جديد نحو الشرق ، وما جري من وحشية صهيونية تجاه المدنيين هو الذي أعلن علي الدنيا جميعا أن صوتا جديدا يلوح في الشرق يمكنه أن يقول نحن هنا .
نحن بإزاء حقبة جديدة في علاقات القوي بالمنطقة دعنا نقول إنها الحقبة التركية ، تحدث البعض عن الحقبة الإيرانية مع غياب مصر والسعودية عن أهم قضية في حياة المنطقة وسير أحداثها والتحولات الكبار فيها وهي القضية الفلسطينية ، بيد إن مجئ تركيا إلي المنطقة يجعلنا نطمئن إلي أن الأمور تسير بالاتجاه الصحيح .
فتركيا دولة لها خبرة طويلة في التعامل مع المنطقة ، والتقاليد العثمانية الطويلة كامنة في الروح التركية ، والعدالة والتنمية وأردوغان وجول و من معه يرثون تقاليد العثمانيين في ثوب جديد يعكس عقلا كبيرا حكم العالم في بدايات تاريخه الحديث مع السلطان محمد الفاتح ( 1451-1481م ) وسليم الأول ( 1512-1520م ) وسليمان القانوني ( 1520-1566م ) ، فكما يعبر اليوم العدالة والتنمية عن مرونة تجعله يتسع لكل القوي والتيارات السياسية في الداخل التركي فإنه يتسع ليعبر عن اهتمامه بما يجري حوله في المنطقة وخاصة في دول الجوار خاصة علي مستوي القضية الفلسطينية التي تهم مسلمي العالم وتمر بمرحلة من أصعب وأعقد مراحلها ، وهو في هذا يستعيد الروح العثمانية التي حكمت أمما وعوالم وأعراق ومذاهب مختلفة لكنها هضمتها واستوعبتها .
تركيا تري أن الرهان علي الاتحاد الأوروبي الذي يريد أن يكون مسيحيا لا مكان فيه لعالم الأتراك الذين كانوا عنوانا علي الإسلام ولا يزالون في الوعي الأوروبي والغربي – أمرا فيه مضيعة للوقت وهنا كان توجهها لمجالها الحيوي التاريخي الذي عاشته وغيرت البوصلة من التوجه غربا إلي المجئ إلي الشرق المجال الحيوي الحقيقي للنفوذ التركي .
 
تاريخ الإسلام لم يصنعه جنس واحد ، وتاريخ الفتوحات وتشكيل الجيواستراتيجيا لعالم الإسلام كما نراه الآن شارك فيه العرب وشارك فيه الترك في فترة السلاجقة ومن بعدها فترة العثمانيين ، فخط الفتوحات العربية توقف عند حدود تركيا الجنوبية الحالية وحينما جاء السلاجقة فإنهم انتقلوا بخط الفتوحات إلي منتصف تركيا الحالية والتي كانت مسيحية نصرانية ، ثم جاء العثمانيون ليكملوا المسيرة وتظل دول العالم العربي قبل سايكس بيكو جزءا قانونيا من الدولة العثمانية التي انتهت بهزيمتها في الحرب العالمية الأولي .
ومن هنا فإن من حق الأتراك أن يكون لهم صوت في التحولات الجارية في المنطقة خاصة وأن قضية فلسطين ينظر إليها الأتراك علي أنها قضيتهم ، وهم ينظرون إلي العالم العربي علي أنه جوار اقتصادي مفتوح وجوار إسلامي مفتوح ومن ثم فإن التاريخ لا يموت والمجال الحيوي لتركيا يكون مع العالم الذي كان جزءا من تركيا حتي عام 1918 .
معظم النهوض الذي يحتفي به التاريخ في العالم ا لعربي هو في الحقيقة نهوض عثماني ، فمحمد علي مثلا مؤسس الدولة الحديثة في مصر هو النسخة المصرية للتقاليد التركية العثمانية ، ومعظم الضباط الذين تخرجوا في المدارس والكليات العسكرية وشكلوا وجه العالم العربي بالانقلابات والأنشطة السياسية خاصة في المشرق العربي تخرجوا من كليات تركية .
وتاريخ الأتراك حافل بالدفاع عن المنطقة وحماية أمنها القومي ضد البرتغال والصليبين وضد هوس الشيعة الصفويين وهم التعبير المؤسسي الحديث عن دولة سنية بتقاليد تعددية منفتحة .
يريد الأتراك أن يقولوا لأمريكا أنهم ليسوا تابعين لها وأن لهم أجندتهم التي قد تتصادم معهم ، فهم ليسوا بيدقا لأمريكا ، ويريدون أن يقولوا للصهاينة أنهم لا يمنحونهم تحالفا مجانيا مفتوحا فعداوتهم قوية كما أن صداقتهم قوية ، وهم في النهاية مع الشرعية الدولية التي انتهكها الصهاينة بالهجوم علي مدنيين في عرض المياه الدولية ، وسبق أن قال أردوغان أن إسرائيل ليست دولة فوق القانون ، فاستثناء دولة من الالتزام بالمعايير الدولية هو عدوان علي النظام الدولي كله .
هنا المأزق الذي تواجهه ( إسرائيل ) اليوم ، فعزلتها تتعاظم واليوم توجد دولة هي تركيا تتصدي لأفعالها وهي تعرف ما تملك من أدوات ومقدرات وصوتها مسموع في العالم ، وهو مأزق تواجهه أمريكا هي الأخري فهي تشعر أن تركيا تجاوزها وتبني لنفسها صوتا قويا مسموعا في المنطقة ، فهي قد صوتت بلا ضد العقوبات علي إيران ، وهي تصر علي محاسبة إسرائيل وعمل تحقيق دولي وليس داخلي في المجزرة التي اقترفها مجرموها وهي تفتح الأبواب لمناطق تجارة حرة ينتقل فيها البضائع والأفراد بسهولة ويسر بدأتها بسوريا ولبنان والأردن وتريد للعربة أن تمضي حتي المغرب .
إننا بإزاء ميلاد تغير في معادلات القوة في الشرق ربما تكون فاتحة لنهوض جديد تقوده تركيا . 
 
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: