( الدبلوماسية الايرانية 13/4/2010) نقلا عن مختارات إيرانية
( نموذج لتلاعب إيران بالحقائق وازدراء جيرانها من الدول العربية. الراصد)
بعد انتهاء الانتخابات العامة في العراق والتي من الواضح أن "ائتلاف العراقية بزعامة أياد علاّوي الشيعي العلماني ورئيس الوزراء الأسبق قد فاز بها، يروّج كثير من المراقبين وخصوصاً الخبراء العرب المعادين لإيران إلى أن هذه الانتخابات قد انتهت لغير صالح ايران وأن تصويت الأمة العراقية يعني في الحقيقة هزيمة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في العراق، وفشل المواقف السياسية لطهران وفي النهاية هزيمة حلفاء ايران في العراق
ومن الادلة التي يوردنها على صحة ما يذهبون إليه من تحليلات أن حلفاء إيران كانوا قد تجمعوا في "الإئتلاف الوطني العراقي" وأن هذا الائتلاف وسط ذهول تام قد جاء في الترتيب الثالث من بين الفائزين في الانتخابات العراقية، وأن منافسيه أي ائتلاف العراقية وائتلاف دولة القانون قد جاءا على التوالي في الترتيب الأول والثاني.
وكانوا يتوقعون أن هذه الهزيمة ستؤدي إلى عزل إيران في العراق، وفي النهاية سيتم تشكيل حكومة في العراق على خلاف الهوى الايراني، لن تعترف رسميا بمواقف ايران ولن تسمح لها ثانية بالتأثير في الساحة السياسية العراقية أو لعب أي دور خلّاق في هذه الساحة.
هذا في حين أن نفس هؤلاء المحللون والذي يدّعون انحسار الدور الايراني في العراق يجأرون بالشكوى من توافد المسؤولين العراقيين على طهران وشد الرحال إليها.
ربما تكون هذه الانتخابات لم تحقق ما كانت تصبوا إليه ايران، لكنها حتى الآن لم تصل بطهران إلى درجة الهزيمة والاندحار؛ بل يمكن الادعاء أنه مع الزيارات المتتالية للمسؤولين العراقيين لطهران بعد الانتخابات والتطورات التي شهدها العراق لاحقاً قد أصبح موقف طهران أكثر قوة:
1-أول دليل على هذا الأمر أن إيران تتبنى الدفاع عن شيعة العراق بصفة عامة، و واضح جداً أن إيران تدافع عن حقوق الشيعة الذين لا ظهير لهم في العراق سواها أمام أشكال الدعم العجيب والغريب من جانب الدول العربية للطوائف العربية السنية المتقاربة مع تيار البعث، ونتيجة الانتخابات أياً كانت، الفائز بها الشيعة (على اختلاف مشاريهم).
2-الفائز في هذه الانتخابات الشيعي الذي يدرك تماماً أنه لتحقيق أهدافه لا مناص من كسب التأييد الإيراني؛ لأنه بسبب شيعيته ربما تحتمله الطائفة السنية لبعض الوقت لكنها في النهاية نظراً توجهاتها الطائفية والقومية العربية ستقوم بتنحيته جانباً وطرح وجه آخر، وأياً كان الأمر سيفكر السُنة المتعصبين وخاصة البعثيين في سلطتهم على العراق وقد أثبتوا هذا الأمر من الناحية العملية.
3-لو دققنا النظر في أسماء الاشخاص الذين تم التصويت لصالحهم في قائمة "العراقية" سنرى أن معظم الوجوه التي فازت فيها أغلبهم من الشيعة.
4-لو نظرنا إلى القائمة الفائزة في هذه الانتخابات سنُدرك جيدا أن الشيعة سيشكلون الاغلبية في البرلمان ومن دون احتساب قائمة العراقية فإن الائتلافات التابعة للشيعة ( أي: دول القانون والائتلاف الوطني) سيحصلون على 160 مقعداً، وهذا الرقم ربما لأسباب كثيرة يحتاج سردها مقالة منفصلة ليس أكثر من مقاعد المجلس السابق، لكن في النهاية أصبح الشيعة هم الفائزون في هذه الانتخابات، وكلا الائتلافان ( دولة القانون والائتلاف الوطني) سيحظيان بدعم إيران، وهذا في حد ذاته مؤشر كافٍ على انتصار إيران في هذه الانتخابات، ويعني ثقة الأمة العراقية في الاحزاب والتيارات الشيعية، والآن لو أضفنا المقاعد التي حصل عليها "ائتلاف العراقية" من المؤكد أن عدد المقعد التي فاز بها الشيعة سيصبح أكثر من هذا العدد.
5-سبب آخر، لو نظرنا إلى أيام إعلان نتائج الإنتخابات، وقيّمنا الاحداث التي وقعت في ذلك اليوم والأيام اللاحقة سنعرف الدول التي تتمتع بالوزن الأكبر في العراق؛ إيران أم الدول العربية؟ كما أن زيارة جلال طالباني وعادل عبد المهدي على رأس وفد رفيع المستوى لطهران ولقائهم زعيم الثورة وإهمالهم للقمة العربية المنعقدة في ليبيا، هذا من جانب ومن جانب آخر عدم قيام أي من الجماعات السياسية العراقية حتى الجماعات السياسية التابعة لتيار العراقية بزيارة دولة عربية في تلك الفترة يكشف أي الأطراف يحظى بأهمية بالنسبة لبغداد وأيهم أكثر تأثيراً على العراق، وربما لم يدور الحديث خلال زيارة طالباني وعادل عبد المهدي لطهران عن مستقبل الحكومة العراقية، لكن الزيارة في حد ذاتها في هذا التوقيت تكشف عن مدى أهمية إيران بالنسبة للعراقيين.
6-كل التيارات السياسية العراقية أرسلت وفودها إلى إيران لترى ما هي وجهة نظر إيران حول الحكومة القادمة في العراق، حتى طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية السني المذهب المدعوم عربيا يؤكد خلال زيارته للعواصم العربية على أن حكومة سيتم تشكيلها في العراق يجب أن تحظى بدعم إيران؛ لأن إيران منذ يوم سقوط صدام حسين قد أيدت النظام العراقي الجديد، واستمرار هذا الدعم ليس ضرورياً بالنسبة لنا فقط، بل إنه حيوي للنظام العراقي ويُدرك أهمية هذا الأمر أياد علاّوي نفسه، ومن المقرر أن يُرسل - وبسرعة -خلال الأيام القادمة وفداً إلى طهران ليجري محادثات بخصوص الحكومة القادمة في العراق مع المسؤولين في طهران.
إذن نستنتج أن إيران ليس فقط لم تتلق هزيمة على الساحة السياسية العراقية، بل إن العراقيين أنفسهم يعون جيداً أنه يجب أن يكسبوا دعم إيران ، وبعبارة أخرى حتى لو أن إيران لم تولي العراق أهمية ( ومن المؤكد ان هذا الأمر لم ولن يحدث) فالعراقيون أنفسهم يريدون أن تلعب إيران دوراً خلّاقاً في العراق؛ لأن إيران كانت الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط قد وقفت إلى جانب النظام الناشيء في العراق منذ لحظة الميلاد الأولى، واعترفت به رسميا وأرسلت سفيرها إلى بغداد لإثبات حسن الجوار وحسن نيتها.