الشرق الأوسط - معد فياض 30/6/2010
فقرات من حوار مطول أجرته «الشرق الأوسط» مع موفق الربيعي، المستشار السابق للأمن الوطني العراقي، والقيادي في الائتلاف الوطني الذي يتزعمه عمار الحكيم رئيس المجلس الأعلى الإسلامي:
* في أي عهد رئيس وزراء نشبت الحرب الأهلية؟
- بدأت الحرب الأهلية في أواخر حكومة الجعفري ووائل حكومة المالكي، يعني في أوائل 2006 إلى خريف 2007.
* في اعتقادك ما هي أكبر الإخفاقات التي ارتكبت في الحكومة العراقية؟
- أكبر إخفاقاتنا هي أننا لم نستطع تحقيق المصالحة الوطنية، وكان بعض السياسيين يشبهها بالعلكة التي نلهو بها قليلا ونلهي بها الآخرين ثم نبصقها. هذه هي الحقيقة، ولم تكن لدينا الشجاعة الكافية للعبور إلى الضفة الأخرى ونأتي بخصمنا، إذا صح التعبير، أو شريكنا أو منافسنا ليشاركنا في الحكم.
* من هو المنافس أو الشريك الذي لم تستطيعوا أن تأتوا به؟
- كانت هناك شريحة لديها هوية معينة تحكم العراق منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1920، وحتى 2003، وهذه الشريحة تتمتع بمواصفات سياسية ومذهبية واقتصادية ومدنية (من المدينة)، حتى إنها شكلت طبقة سياسية - اقتصادية، فجأة فقدت هذه الشريحة السلطة والثروة، وبدأ هذا الشريك في الوطن برفع السلاح، لكن لماذا رفع السلاح؟ لأننا أبعدناه 100 في المائة عن السلطة وعن الثروة وسلبناه حياته ووجوده، فمثلا كان الضابط الكبير في الجيش العراقي الذي يحمل رتبة لواء ركن وقائد فرقة بمثابة ملك في العراق من حيث امتيازاته المادية والمعنوية، وقمنا برميه إلى الشارع وجردناه من كل امتيازاته وحقوقه، هذا شيء كبير جدا، إذن كان يجب تحقيق المصالحة الوطنية لاستيعاب الآخر. أما الموضوع الخطير الآخر هو أننا فشلنا في بناء دولة مؤسسات، وبدلا من ذلك بنينا سلطة، والسلطة تسلط، بمعنى فرض القانون والعصا لمن عصى، والسلطة بمثابة شرطي، لذلك أصبح لدينا رجال سلطة ولم نخلق رجال دولة، بمعنى آخر أننا جلسنا خلف مقود العجلة واعتبرنا الباقيين مجرد ركاب نسمح بالصعود لمن نريد وننزل من نريد.
* ألا يتشابه هذا مع سلطة صدام حسين؟ حيث إنه أيضا لم يبنِ دولة مؤسسات؟
- نعم يتشابه. نحن لا نريد أن نبدل سلطة البعث بسلطة 5 أحزاب أو بسلطة طائفة معينة، والمفروض أن تكون لدينا سلطة ديمقراطية حقيقية تبني دولة مؤسسات، ودولة المؤسسات تنتج رجال دولة ورجل الدولة مثل الأب الذي يعامل أبناءه سواسية مهما كانت اتجاهاتهم ومعتقداتهم. لكننا انتهينا بسلطة وليس بدولة، والحقيقة أن أكبر سلطة بناها صدام حسين خلال 35 سنة رأيناها كيف انهارت في 4 أبريل (نيسان) 2003 بنفخة واحدة من الأميركان وأصبحت هباء منثورا. يجب علينا أن نتعلم من دروس الماضي ونبني دولة مؤسسات، ودولة المؤسسات لديها عمى الألوان، لا ترى سنيا وشيعيا وعربيا وكرديا وتركمانيا، بل يجب أن تنظر بصورة محددة، هذا عراقي أو غير عراقي، وأن تميز بين الكفء وغير الكفء من العراقيين. لكن هذا لم يتحقق، ومثال على ذلك أن أحد القيادات الكبار من العرب السنة العراقيين، قال لي، أنتم لا تعتبروننا شركاء، فقلت له كيف ذلك، هناك نائب رئيس الجمهورية ونائب رئيس الوزراء ونائب رئيس البرلمان ووزير الدفاع، وغيرهم من السنة، فقال لي: لا. فكل هؤلاء أنتم من أتى بهم، وأسألك، هل تستطيعون أن تتخذوا قرارا في المركز يهم الوضع الكردي وكردستان دون موافقة مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان، في أربيل؟ وإذا اتخذتم مثل هذا القرار بالخطأ فبمجرد أن يتصل بكم (بارزاني) هاتفيا تقومون بإلغاء القرار، لكنكم تتخذون قرارات تهمنا وتهم مناطقنا وتؤثر علينا دون أن تستشيرونا، ولا نستطيع أن نعترض لأننا لا نملك حق الفيتو حتى على المناطق التي أتينا منها.
* أنت قلت في تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط» إن الموت يأتينا من إيران وسورية، هل لا تزالون على هذا الرأي؟
- بالتأكيد.. الدول المجاورة عملت على إبقاء العراق غير مستقر، وحاربت الأميركان على الأرض العراقية، ولم ترد أن تستقر القوات الأميركية في العراق اعتقادا منهم بأن ذلك يهدد أمنهم القومي، لذلك كل دولة تعاملت مع الأجهزة والأحزاب والمنظمات العراقية الموالية لها. ومن الواضح جدا أن المعارضة العراقية كان وجودها في إيران، بل إن تدريبها وتمويلها إيراني، وكانت تنفذ من إيران إلى العراق خلال العهد الصدامي، وكذلك الحال مع المعارضة التي كانت مستقرة في سورية،، وكان حافظ الأسد، الرئيس السوري الراحل، من أكثر الناس عدائية لنظام صدام وعمل بقوة للإطاحة به، لكن للأسف بعد ذلك لا أعرف ماذا حدث واختلفت القضية، إذ إن أقل الناس استفادة من تغيير نظام صدام هم السوريون وأكثر من استفاد من الإطاحة بالنظام السابق هم الإيرانيون لأنهم لعبوها بشكل ذكي.
* ما هو دور الضابط الإيراني سليماني في الملف العراقي، حيث إن اسمه يتكرر باستمرار؟
- لا أريد أن أذكر أشخاصا، لكن من الواضح أنه يمسك بالملف العراقي، وأعتقد أن رتبته حسب ما أذكر هي لواء في الحرس الثوري في مقر (فيلق) القدس المعني بحركات التحرر في العالم، وسليماني هو المسؤول عن الملف العراقي، وأعتقد أن له القول الفصل في ذلك.
* هل يستطيع أن يصدر أوامر إلى هذا وذاك في العراق؟
- أتصور أنه يدافع عن مصالح إيران القومية ومصالح إيران الوطنية، وبالتالي يرى كل المنطقة من خلال هذا المنظار، وأنا لا ألومه على هذا حقيقة، فلو كنت في محله لفعلت نفس الشيء لأنه كإيراني لا أستطيع أن ألومه.
* هل تلوم من ينفذ أوامر قاسم سليماني من الساسة العراقيين؟
- أعتقد أنه من خلال علاقاته التاريخية مع كثير من القيادات العراقية يؤثر بقناعاته عليهم، ومن خلال الإمكانات المتوفرة له بالتأكيد يؤثر على قناعات بعض العراقيين، حيث إن بعض القيادات العراقية لا ترى في الانسجام مع توجهات إيران في العراق أي ضير، وأتصور أنه لا ضير مثلا في أن إيران تريد التسريع بخروج الوجود الأجنبي من العراق، وكذلك الوطنيون العراقيون يريدون نفس الشيء.
* لكن إيران تريد أن تخرج العراق من عمقه العربي، وتريد العراق ذليلا وتابعا لها؟
- بالتأكيد هذا نختلف عليه، فالعراق ما بعد صدام يختلف عن العراق في زمن صدام بتوجهه تجاه إيران، وهذه قضيه مهمة يجب فهمها. لا نريد للعراق أن يكون حامي البوابة الشرقية للأمة العربية، بل نريد لهذه البوابة أن تكون بوابة تلاقح حضاري وتلاقح مذهبي وليس بوابة دم. والطريق الأفضل للتعامل مع إيران واحتواء أي تهديد للأمن القومي العراقي من إيران هو ربط كامل لمصالح إيران الاقتصادية مع العراق، بحيث سيفكر قاسم سليماني أو أي شخص آخر مائة مرة قبل أن يتدخل في شأننا الأمني، لأن ذلك سيؤثر على مصالحهم الاقتصادية في العراق.
* في بغداد شاهدت سيارات إيرانية الصنع وهي سيئة حسب رأي السائق العراقي، وأيضا مواد البطاقة التموينية التي حددت بأربع أو خمس مواد تأتي من إيران حصرا، وحسب كلام العائلة العراقية هي مواد سيئة أيضا، حيث يقولون حتى صابون الغسيل نرميه، ألم يكن استيراد السيارات أو المواد الغذائية من دول متطورة أفضل للعراق والعراقيين؟
- هذا يعتمد على صاحب القرار في الوزارة الفلانية، لأنه مع الأسف هناك الكثير من وزاراتنا قراراتها طائفية، ولأن هذا الوزير يحب إيران فإنه يستورد سيارات إيرانية، على سبيل المثال، أو البضاعة الفلانية من إيران، والذي يحب الدولة الأخرى يأتي ببضاعة منها.
* هل تعتقدون أن هذه الصفقات ترافقها عمولات وفساد مالي؟
- بالتأكيد. الفساد المالي مخترق أجهزة الدولة العراقية عرضا وعمقا، عموديا وأفقيا، ومستشر بشكل «مقرف»، ولا أقصد فقط السرقات ولكن أعني أيضا موضوع التعيينات التي تتم بدوافع طائفية. بمعنى هل يمكن أن تكون وزارة كاملة من طائفة واحدة؟ هذه وزارة شيعية وتلك سنية والأخرى كردية، هل يعقل ذلك؟ والأكثر أن تكون وزارات من الحزب الفلاني فترى أن الوزارة جميعها تنتمي لهذا الحزب.
* لقد تحدثتم عن السلطة والحزب، ألا تعتقد الآن أن حزب الدعوة هو الحزب الحاكم؟ أو أن الحكومة هي حكومة حزب واحد؟
- بالنظر إلى الحكومة ومجلس النواب السابق الذي يضم 9 أعضاء من حزب الدعوة، وإذ ننقل هؤلاء النواب، 9 من 275 نائبا في البرلمان، إلى الحكومة نجد أن أثر حزب الدعوة في الحكومة أكبر بكثير من حجمه في مجلس النواب. ولعل أكثر حزب سياسي مؤثر في الحكومة العراقية هو حزب الدعوة، لأن رئيس الوزراء هو الأمين العام لحزب الدعوة، وكثير من الوزراء ووكلاء الوزارات من نفس الحزب، والآن يقود حزب الدعوة قائمة من 89 نائبا وهذا تقريبا ثلث مجلس النواب، وذلك يعني أن يكون ثلث الحكومة القادمة من حزب الدعوة، وأنا ضد هذا التوجه لأنه يهمش ويمحو الكفاءة العراقية بشكل كامل، وكذلك يمسح الفرص ولن تبنى دولة بل...
* أليست هي الآن حكومة حزب؟
- الآن ظاهر الحكومة هو حكومة وحدة وطنية.
* وجوهرها؟
- طبيعة النظام الذي بنيناه هو أن رئيس الوزراء هو الرئيس التنفيذي للحكومة، ويملك صلاحيات كبيرة جدا، وبإمكانه التأثير على قرارات مجلس الوزراء بالإضافة إلى كونه القائد العام للقوات المسلحة.