بقلم نيكولا بيرش - مجلة المجلة 25/9/2010
منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا، خفت القيود على التعبير الديني قليلا، مما فتح الطريق أمام نهضة المدارس الدينية التركية. ونتج عن هذا إعادة اكتشاف الإسلام التقليدي على يد كل من الأتراك المدنيين والأكراد القرويين. فهل يعتبر هذا الإحياء للصوفية في تركيا رد فعل في مواجهة صور أخرى من الإسلام ؟
ينكب خمسة طلاب يرتدون طواقي على رؤوسهم، تتراوح أعمارهم بين 18 و40 عاما، على كتاب باللغة العربية. كان أمامهم، وهم يجلسون كمن يمارس اليوغا، نسخة من كتاب ذي غلاف جلدي مفتوح فوق منضدة قراءة خشبية منخفضة، وكان هناك مدرس كبير السن يخطب باللغة الكردية بصوت رخيم.
يعد مثل هذا التجمع محظورا وفقا للقانون التركي. ولكن منذ أن وصل حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية إلى السلطة عام 2002، أصبحت القيود المفروضة على التعبير الديني أقل صرامة. وقد فتح هذا الأمر الباب أمام نهضة محلية صغرى في أحد أقدم المؤسسات في العالم الإسلامي، وهي المدرسة الدينية.
وعلى مدار نصف قرن بعد عام 1880، كانت قرية نورشين أهم مركز للتعليم الديني في المناطق التركية التي أصبحت الآن جزءا من تركيا والعراق في الوقت الحالي. كان الطلاب يطلقون عليها أزهر الشرق، نسبة إلى جامعة الأزهر الشهيرة في القاهرة، وكانوا يقطعون مئات الأميال للتعلم فيها.
ولكن سدد تأسيس الجمهورية عام 1923 لقرية نورشين ضربة مزدوجة. أولا، أغلقت المدارس الدينية باسم مركزية التعليم. ثانيا، في عام 1925، بسبب غضبهم من تمرد كردي كبير قام به زعيم أحد الفرق الدينية، ضيق الحكام الأتراك الجدد الخناق على منازل الصوفية أيضا.
لم يكن أحد مشايخ نورشين الذي كان عضوا في فرقة النقشبندي التي ينتمي لها زعيم المتمردين أيضا، له أية علاقة بهذا التمرد. ولكن لم يمنع ذلك نفيه داخليا مع أسرته. وفي أواخر السبعينات، بعد أعوام قضتها المدرسة الدينية وهي تكافح في عملها بصورة شبه سرية، أغلقت المدرسة أبوابها.
وبعد مرور ثلاثة عقود، يوجد في القرية الآن ثلاث مدارس دينية يمكنها استيعاب 60 طالبا في وقت واحد. ويقترب الانتهاء من إنشاء مدرسة رابعة، في الوقت الذي بدأت فيه نورشين تعيد إثارة الاهتمام حيث أصبحت المدارس الدينية في جميع أنحاء المنطقة أكثر نشاطا.
ولا تقتصر إعادة اكتشاف الإسلام التقليدي للفرق الإسلامية على الأكراد القرويين. فعلى بعد آلاف الأميال غربا، في اسطنبول، ينتشر نوع مختلف تماما من الصوفية بين الأتراك العلمانيين في الحضر.
وتقدم كل قناة تلفزيونية تقريبا برنامجا عن التصوف في الإسلام. وفي مكتبات أحياء اسطنبول الأكثر ثراء، لا تفوق مبيعات الكتب الصوفية والترجمات الجديدة لابن عربي سوى الكتب التي تتناول نظريات المؤامرة.
وقد بلغ الاهتمام ذروته في الصيف الماضي، عندما نشرت الروائية المعروفة اليف شفق كتابا عن اكتشاف امرأة أميركية يهودية لجلال الدين الرومي مؤسس الطريقة المولوية للدراويش الذين يرقصون في حركات دائرية.
لقد حققت روايتها «قواعد الحب الأربعون»، التي وصلت إلى الغرب في العام الحالي، مبيعات تفوق أية رواية أخرى في تاريخ تركيا. وبعد أن تجاوزت المبيعات 500.000 نسخة، أصدرت دور النشر نسخة ذات غلاف رمادي للمشترين من الرجال الذين يخجلون من حمل النسخة الأصلية ذات الغلاف وردي اللون.
إذن، هل هناك صلة بين النهضة التي تحدث في نورشين ورواية شفق التي حققت أعلى المبيعات؟ لأول وهلة، من الصعب رؤية مثل تلك الصلة. بالنسبة للقارئ العادي لرواية «قواعد الحب الأربعون»، الذي نشأ على دعاية تركية رسمية تُظهر الطرق الدينية كقوة «رد فعل»، تعد مناطق مثل نورشين في تناقض مع الحداثة الجمهورية.
بل ويعتبر البعض أن الاهتمام المتزايد بابن الرومي بين الأتراك في المدن رد فعل مباشر ضد الإسلام المتشدد الذي تعتنقه طريقة النقشبندي وغيرها. قال سيد ايركال، الباحث في الطرق الصوفية: «كان الإسلام يظهر في تركيا على أنه شرير وبدائي لفترة طويلة، والتحول إلى التدين ليس أمرا سهلا على الإطلاق لمثل هؤلاء الناس». وأضاف: «ما الذي تفضله؟ الذقون والطواقي والعقيدة المتشددة، أم شعار الرومي: تعال، كائنا من كنت؟».
ولكن على الرغم من جميع التناقضات، يرى المحللون الظاهرتين وجهين لعملية واحدة. ويعتبر أستاذ علم اللاهوت في جامعة مرمرة في اسطنبول محمود إيرول كيليك أن ذلك يرجع إلى حد ما إلى التأثير الجانبي للتحرر الاقتصادي، حيث تعتبر الجماعات الإسلامية ذاتها منتجا آخر في محاولة لزيادة حصتها في السوق. ولكن الأكثر أهمية من ذلك هو أنه يراه رد فعل ضد التفسير العقلاني للإسلام الذي تدفع إليه الدولة التركية.
وصرح كيليك قائلا: «المواقف الوضعية أكثر قوة في الكليات الدينية ومديرية الشؤون الدينية (المسؤولة عما يزيد على 80,000 مسجد في تركيا وعن تدريب الأئمة) عنها في الأقسام العلمية في البلاد. إن مساجدنا باردة مثل المكاتب الحكومية وغير قادرة على تلبية احتياجات الناس الروحانية».
ولكن يرى كثير من الناس أيضا أن زيادة الاهتمام بالصوفية يشير إلى تضاؤل نفوذ الإسلام الراديكالي الذي يغذيه الفكر السلفي المتشدد والقادم في الأساس من مصر.
ويرى الراديكاليون العلاقة بين الشيخ ومريديه في الطرق الصوفية تشبه العبادة الوثنية، على حد قول إسماعيل كارا أستاذ الفكر الإسلامي التركي في جامعة مرمرة. ومثل الأجيال الأولى من دعاة الحداثة الإسلاميين، يرى الراديكاليون أن الفرق الدينية الصوفية أحد الأسباب الرئيسية لتخلف العالم الإسلامي عن الغرب. وقال كارا: «كان الإسلام السياسي نقدا للتاريخ الإسلامي. وقد قام الإسلاميون بمحاولات مدروسة لاقتلاع أنفسهم من التقاليد والماضي. ورأوا أن الطرق الصوفية تعرقل جهودهم في العودة إلى الأصول والبدء من جديد».
ويقدم عالم الاجتماع الإسلامي البارز الذي درس في نورشين، مفيد يوكسل، تشخيصا مشابها، حيث وصف النهضة التي تحدث في مدرسته الأولى بأنها إشارة إلى عودة عامة إلى «الإسلام التقليدي». ويقول إنه مع نهاية الحرب الباردة «استوعب العالم الإسلامي بأسره أن الدين.. لا يمثل آيديولوجية».
وفي قرية نورشين ذاتها، يتبنى أفراد العائلة التي أنجبت مشايخ الفرقة الصوفية المحلية على مدى 150 عاما نظرة أكثر تصلبا للأمور. يقول بهاء موتلو، ابن شقيق كبير العائلة الحالي، إن القرية في الماضي كانت تفخر بتعليم مدرسي الدين المستقبليين، حيث كانوا يكتسبون معرفة واسعة «بالعلوم الاثني عشر»، وهو المصطلح الذي يشير إلى وصف جميع العلوم من الفلسفة الطبيعية إلى المنطق إلى الشريعة. أما اليوم، فيتلقى عدد قليل من الطلاب تعليما يتجاوز تعلم اللغة العربية والأساس الجيد في قراءة القرآن.
ويوضح موتلو: «تسببت الفترة الجمهورية في أزمة كبيرة في وظيفة المدرسة الدينية. كان على المرء في ظل خطر التعرض لغارة من الشرطة العسكرية في أية لحظة أن تخفض من المناهج، إلى أدنى قدر ممكن. (الحاجة أم الاختراع)، كما قال إنجلز».
«اجلب الوحدة في قلبك وابن معبدا لله، افعل ذلك وستشعر برغبة لا تقاوم في الرقص»، هذا ما كان يقوله أحد المريدين وهو يرفع ذراعيه مثل الدراويش، أمام ما يقرب من عشرة مريدين جالسين حول منضدة في حديقة في جزيرة الأمراء، المقر الشهير لأثرياء اسطنبول.
في حين كانت الشمس تغرب باتجاه بحر مرمرة، يأتي صاحب الحديقة حاملا زجاجة دولوكا موسكادو، وهو نبيذ أبيض محلي باهظ الثمن. ويتوقف الصوفي الذي كان يتحدث على مدار أربع ساعات، ويحمل كوبا من النبيذ الأبيض. ويقول: «إن الحياة المزرية لا تناسب الصوفي. فالصوفي ذواق يجيد فن الحياة».
وقد اتهم كثير من المثقفين المسلمين اليف شفق بتصوير مترف مشابه للمذهب الصوفي في كتابها الأكثر مبيعا. قال دوكان كونديوغلو في الصحيفة اليومية الإسلامية المعتدلة «يني شفق» إن رواية «قواعد الحب الأربعون» لم تكتف «بتفريغ معنى قيمنا المشتركة، ولكنها أدخلت فيها أسوأ معتقدات الحداثة وأكثرها زيفا». وأشار إلى أن الرواية كتبت في البداية باللغة الإنجليزية وترجمت إلى التركية بعد ذلك فقط. وأضاف: «إن مثل هذا الأدب الصوفي فن هابط في العصر الحديث».
ويعتقد سيد ايركال أن كونديوغلو على حق. ويقول إن اهتمام الأتراك العلمانيين بالصوفية بدأ بالفعل بعد أن أعلنت منظمة اليونسكو أن رقص المولوية تراث ثقافي غير مادي عالمي عام 2005. واحتفالا بالمئوية الثامنة على ميلاد الرومي، أعلنت اليونسكو عام 2007، عام مولانا والتسامح. ويضيف إيركال: «يبدو الأمر وكأن تركيًا يحتسي أول قهوة تركية له في أميركا».
وتصر رئيسة أحد فرعي الفرقة الرفاعية سمالنور سارغوت، والشيخة الوحيدة في تركيا، على أنه لا يوجد تصوف إسلامي دون قبول أسس الإسلام، القرآن والسنة والشريعة الإسلامية. ولكنها سريعا ما تحولت إلى الدفاع عن اليف شفق.
وقالت سمالنور إنه بعد نشر كتاب «قواعد الحب الأربعون» تلقت مئات الاتصالات التليفونية من أشخاص يقولون إنهم يريدون معرفة المزيد عن رفيق الرومي شمس التبريزي، أحد الشخصيات الرئيسية في الرواية. وأضافت: «إن مجرد حقيقة ذكر اسم شمس في هذا العالم أمر مشرف».
لم يكن الشيخ نور الدين، وهو رجل كبير السن مهذب الخلق يجلس خارج مبنى المدرسة الدينية الأصلية في نورشين، مرتديا عمامة بيضاء بسيطة على رأسه ويضع كحلا تحت عينيه، لديه شكوى. أشار إلى شجرة كرز مزهرة خلفه بعد يوم شتوي معتدل على غير العادة. ويقول: «كان الشتاء الماضي جميلا للغاية لدرجة أننا نسينا أيام الشتاء المريرة في الماضي».