روفيز حافظ أوغلو – اسلام اون لاين 15/2/2010
يتوزع سكان أذربيجان البالغ عددهم تسعة ملايين على المذهبين السني والشيعي، وهي واحدة من بين أربع دول إسلامية يمثل الشيعة فيها أغلبية سكانية حيث يمثل الشيعة ما يقرب من 70% من السكان. والأغلبية الساحقة من شيعة أذربيجان جعفرية. وينتشر "الشيعة" في المناطق الجنوبية من أذربيجان وفي قرى مدينتي باكو وغانجة، في حين يغلب "المذهب السني" على المناطق الشمالية. هذا التوزع الجغرافي أدى إلى انقسام القوميات في أذربيجان بين المذهبين، فينتشر "المذهب الشيعي" بين التاليش القاطنين في جنوب البلاد في حين تعتنق القوميات القاطنة في الشمال من لازغيين وأفاريين وتاتيين "المذهب السني".
لم تشهد أذربيجان صدامات بين السنة والشيعة ولكن في نفس الوقت لم يكن التعايش سلسا بين أتباع المذهبين، حيث كان سنة أذربيجان يعانون منذ عهد الدولة الصفوية من المعاملة كمواطنيين من الدرجة الثانية، ولكن هذا الوضع تغير بعد الاستقلال.
وإثر حصول أذربيجان على الاستقلال عام 1991 تدفق الدعاة الإسلاميون من مختلف دول العالم الإسلامي وخاصة من تركيا وإيران، ما أدى إلى زيادة الوعي الديني لدى الشعب الأذربيجاني، ونتج عن ذلك زيادة وعي الناس بهويتهم الدينية وبالاختلافات بين المذهبين السني والشيعي.
وبعيد الاستقلال قام عدد من الإسلاميين الشيعة بإنشاء أحزاب سياسية أشهرها كان الحزب الإسلامي الأذربيجاني الذي أنشأ عام 1991، ولكن لم يسمح لهذا الحزب بالاستمرار طويلا فقد تعرض الحزب لمضايقات عام 1995 بعد صدور قانون بحظر الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، إذ اعتقل رئيس الحزب "عليكرام علييف" وحظر الحزب بدعوى استخدامه من قبل إيران للتدخل في الشئون الأذربيجانية، وفي عام 2002 أغلق الحزب نهائيا، ولا يزال الحزب يعمل بشكل غير رسمي ولكن الحظر أدى إلى إضعافه بشكل كبير، وبعد إغلاق الحزب الإسلامي أسس أحد قياديه "طاهر عباس" حزبا جديدا باسم الحزب الإسلامي الديمقراطي، إلا أنه لم يتمكن حتى الآن من تسجيل الحزب رسميا بسبب رفض السلطات ما دفعه للعمل بشكل غير رسمي، ونتيجة لهذا التضييق على النشاط السياسي للإسلاميين حول الإسلاميون الشيعة اتجاه نشاطهم إلى المجتمع المدني حيث قاموا بإنشاء عدد من المنظمات غير الحكومية النشطة.
مراجع تقليد خارجيين
ونتيجة لعدم وجود مرجع تقليد أذربيجاني يلجأ شيعة أذربيجان إلى تقليد مراجع من إيران أو العراق أو لبنان، فهناك عدد من الجماعات التي تقلد مراجع إيرانيين وتتلقى دعما ماليا وأيديولوجيا من إيران، ويتمركز هؤلاء بشكل أساسي في العاصمة باكو، ومن هذه الجماعات المجموعات التي تلتف حول حاجي إلغار إبراهيم أوغلو وأوجاق نجاة وحاجي نميك وحاجي شاهين، وينقسم المقتدون بالمجتهدين الإيرانيين بين الذين يقتدون بالمجتهدين الإيرانيين من أصل أذربيجاني والذين يقتدون بالمجتهدين الفرس.
ومن أبرز مراجع التقليد الإيرانيين الذين يقتدي بهم شيعة أذربيجان الخميني وفاضل لانكاراني والسيد محمد حسين الطباطبائي وخامنئي، وعلى الرغم من أنه من الخطأ في المذهب الشيعي الاقتداء بالمجتهدين المتوفين فإن الاختلاف اللغوي بين إيران وأذربيجان يحول دون الحصول على مؤلفات العلماء الإيرانيين المعاصرين لذا استمر الأذربيجانيون في الاقتداء بالمجتهدين المذكورين حتى بعد وفاتهم.
وتنظر السلطات الأذربيجانية بعين الريبة إلى التأثير الإيراني على شيعة أذربيجان ويعود ذلك لعدة أسباب منها تقديم إيران مساعدات اقتصادية لأرمينيا التي تحتل 20% من الأراضي الأذربيجانية، كما أن بعض المقتدين بالمجتهدين الإيرانيين الفرس يؤيدون وجهة النظر التي تدعي أن أذربيجان جزء تاريخي من أراضي إيران، وهؤلاء لا يقتصرون على تأييد هذه الأفكار بل يذهبون إلى نشرها بين شيعة أذربيجان، هذا بالإضافة إلى تخوف الحكومة الأذربيجانية من انتقال فكر الثورة الإسلامية إليها، كل هذه التخوفات بالإضافة لممارسات عدد من خريجي المدارس الدينية التي أقامتها إيران في أذربيجان من قبيل مهاجمة السنة بشدة في الخطب والدروس الدينية وتشبيههم باليهود أدت إلى قيام السلطات الأذربيجانية عام 2001 بغلق جميع المدارس الدينية الإيرانية في البلاد.
وإلى جانب المجتهدين الإيرانيين يقتدي عدد من شيعة أذربيجان بأفكار "العلامة اللبناني محمد حسين فضل الله". ويختلف هؤلاء عن سائر الجماعات الشيعية بموقفهم المعتدل من أهل السنة. وتنتشر هذه الجماعات في باكو كذلك.
ملامح المشهد الشيعي في أذربيجان
وتتمحور الحالة الدينية الشيعية في أذربيجان حول عدد من الشخصيات الدينية البارزة التي يلتف حولها الأتباع فتتكون حولها شبه جماعات تتمركز حول مسجد أو مركز إسلامي، وتلعب هذه الجماعات دورا كبيرا في المجتمع المدني الأذربيجاني إذ تدير عددا من المنظمات غير الحكومية التي تنشط في المجال الحقوقي ويتمتع بعضها بعلاقات مع منظمات غير حكومية تعمل على المستوى الدولي، وأهم هذه التجمعات توجد في العاصمة باكو التي تبلغ نسبة الشيعة فيها ما يقرب من 80%.
ومن أبرز هذه الشخصيات "إلغار إبراهيم أوغلو" الذي تلقى تعليمه في إيران ويقلد آية الله خامنئي وكان إماما لمسجد الجمعة في باكو ويجمع حوله عددًا كبيرًا من الأتباع. وكان مسجد الجمعة أثناء إمامة إلغار له يستقبل حوالي ثلاثة آلاف مصلٍّ في صلاة الجمعة. إلا أن هذا تغير بعد أن تم اعتقال إلغار أول ديسمبر 2003 بتهمة تنظيم احتجاجات أثناء الانتخابات، ورغم إطلاق سراحه في أبريل 2004 فإنه لم يعد لإمامة مسجد الجمعة، ويرى المراقبون أن استهدافه من قبل السلطات جاء بسبب مواقفه السياسية وتصريحاته المعارضة للحكومة ودعمه لعيسى جامبر مرشح المعارضة في انتخابات 2003 الرئاسية.
يدير "إلغار" نشاطه حاليا من خلال مكتب صغير في باكو يلقي فيه دروسه الدينية الأسبوعية، ورغم امتناعه عن العمل السياسي المباشر فإنه يدير منظمتين غير حكوميتين أولاهما (دوام) (DEVAMM) مركز حماية الاعتقادات الدينية وحقوق الإنسان، والثانية (مجتمع الاتحاد الإسلامي) الذي ينشط في مجال الحوار بين الأديان ويقوم بدور كبير في الدفاع عن حقوق المحجبات اللاتي يعانين الكثير من القيود منها منع ارتداء الحجاب في المؤسسات التعليمية وعدم السماح بارتداء الحجاب في صور تحقيق الشخصية. ويدير إلغار كذلك مركز أبحاث دار الحكمة كما يصدر جريدة (Deyerler) الأسبوعية التي تعني "القيم" ويدير موقعا على شبكة الإنترنت، ويتمتع إلغار بعلاقات جيدة مع الجماعات السنية، ويواجه إلغار انتقادات من عدد من أبناء الطائفة بسبب قصر نشاطه تقريبا في الآونة الأخيرة على قضية الحجاب.
"مسجد داداش" أيضا من المساجد الشيعية المهمة في باكو ويجتذب إمامه حاجي شاهين عددا لا بأس به من المريدين، كثير منهم من الأثرياء ومن الشباب المتعلمين الذي يعملون في شركات البترول والمنظمات الدولية القريبة من المسجد، وتدير هذه المجموعة جمعية (نقاء الأخلاق) التي تعمل في مجال حماية الحقوق الدينية وتصدر جريدة (سلام). وعلى عكس مجموعة إبراهيم أوغلو فإن مجموعة مسجد داداش لا تتمتع بعلاقات جيدة مع السنة وتحديدا مع السلفيين.
ومن مراكز التجمع الشيعية في باكو كذلك "مسجد أهل البيت" وإمامه أوجاق نجاة وهو إيراني ولا يزال محتفظا بمنصب الإمام على رغم صدور قانون بمنع الأجانب من الإمامة في مساجد أذربيجان.
وهناك كذلك "مسجد جواد" وإمامه حاجي نميك الذي يجمع حوله مئات من الشباب، ويتبع هذا المسجد مدرسة وتدير هذه المجموعة منظمة "بيرليك" وتصدر صحيفة أسبوعية.
وخارج باكو وخاصة في المناطق الجنوبية التي يشكل الشيعة أغلبية فيها يختلف المشهد الشيعي، فغالبية سكان هذه المناطق من عرقية التاليش الذين يتحدثون باللغة الفارسية ما يجعلهم أكثر تأثرا بإيران، وكثيرا ما تثور خلافات بين إيران وأذربيجان بسبب التاليش، حيث تدأب أذربيجان على اتهام إيران بتأليب التاليش عليها وتشجيعهم على الانفصال، ولا تتمتع قيادات باكو الشيعية كإلغار وشاهين بأي نفوذ هناك، ويتبع الكثير من التاليش المرجع الإيراني فاضل لانكراني، ويتبع عدد آخر بعض الفقهاء المعاصرين في المناطق الشمالية، وعلاقة المتشددين من التاليش بالسنة ليست جيدة، فهم يعتبرون السنة أعداءهم ويتوعدونهم بالانتقام منهم عند ظهور المهدي.