علي حسين باكير – الجزيرة نت 22/6/2011
تسعى هذه الورقة إلى مقاربة ما يجري من تحولات جيوبوليتيكية على رقعة الشطرنج الإقليمية إثر الثورات العربية، وانعكاسات ذلك على سياسة كل من اللاعبين الإقليميين الأكثر أهمية في المنطقة العربية أي تركيا وإيران، وعلى مصالحهما ونفوذهما كما على طبيعة وشكل ومستقبل العلاقة بين البلدين في ضوء هذه التحولات، وذلك من خلال النقاط التالية:
* الثورات العربية من المنظور التركي والإيراني:
تحمل كل من إيران وتركيا رؤية خاصة للمنطقة تتلاءم مع توجهات السياسة الخارجية لكلا البلدين وبما يخدم الإستراتيجية الكبرى لكل منهما. ومن الطبيعي ضمن هذا السياق ووفق هذه المعطيات أن تنعكس رؤية كل منهما على طبيعة فهمهما لما يجري في العالم العربي، وما يتمنيان ويسعيان إلى أن ينتج عنه.
بالنسبة للرؤية التركية فتوجُّه دول المنطقة نحو الديمقراطية هو أمر حتمي وإن طال، كما أنّ الشعوب ستسعى لتحقيق ذلك عاجلا أم آجلا، وهو ما يعني أنّ على تركيا مساندة المطالب الشعبية الطامحة إلى المزيد من الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان انطلاقا من القيم التي تؤمن بها. أمّا عن كيفية الوصول إلى ذلك، فإن السياسة التركية ترى أنّ الإصلاح الجذري داخل كل نظام لا يزال ممكنا إذا ما كان هناك إرادة حقيقة لذلك، وهي تفضّل أن تستجيب الأنظمة لمطالب الشعب، وإلا فانتقال السلطة بشكل سلمي في حال فشل الإصلاح هو الخيار الأصلح خوفا من حدوث تدخل دولي تتخوف أنقرة منه أصلا ولا يدع لها مجالا للمناورة؛ فتركيا لا تستطيع أن تكون دولة خارجة عن القانون الدولي أو غير متحملة لما يلقيه عليها من التزامات ومسؤوليات.
أمّا على الجانب الإيراني، وباستثناء الحالة السورية، تُعتبر الثورات العربية وفقا لمنظور النظام المتمثل بأعلى سلطة فيه -أي المرشد الأعلى والولي الفقيه علي خامنئي، ومن بعده رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان- امتدادا للثورة الإيرانية عام 1979، وتعبّر هذه الثورات العربية عن صحوة إسلامية تقودها الشعوب المسلمة، وتتمحور حول نفس قيم الثورة الإيرانية المتمثلة بالإطاحة بـ"الطغاة" و"عملاء الغرب"، ومعاداة أميركا وإسرائيل، ومساندة المستضعفين والمظلومين ضد الاستكبار العالمي بما يساهم في قيام شرق أوسط إسلامي. أمّا عن طريقة تحقيق ذلك، فيُفهم من التصريحات الإيرانية أن المحبَّذ أن تتم من خلال الشعوب وخاصة الحركات الإسلامية التي عانت وناضلت، ولا مانع من حصول انقلابات إذا أدت هذا الغرض علما أنّ المادة 3 من الدستور الإيراني والمادة 154 تعطي الحق لإيران بـ"الحماية الكاملة لمستضعفي العالم"، و"بدعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في أية نقطة من العالم".
*الثورات العربية وانعكاساتها على مصالح البلدين:
حتى فترة ما قبل الأزمة السورية، كانت معظم التحليلات تقول: إنّ الثورات ستؤدي إلى تقوية موقع إيران في المعادلة الإقليمية على اعتبار أنّ موجة الثورات تتجه حصرا لضرب الأنظمة الحليفة للولايات المتّحدة، وأنّ السبب الرئيسي في ذلك هو التقاعس في نصرة القضية الفلسطينية ومواجهة إسرائيل.
ومع تطور الأحداث بدا أنّ هذا التقييم غير صحيح من ناحية التخصيص، وأنّ المسألة لا تتعلق بمعطى خارجي مرتبط بالقضية الفلسطينية أو باستعداء لأميركا أو بالعداوة لإسرائيل؛ فالدوافع داخلية والمطالب الأساسية مرتبطة بالحريات والحقوق الأساسية السياسية والاقتصادية والاجتماعية (دون تجاهل ما هو خارجي فيما بعد).
وسرعان ما أدرك الجميع دقّة هذا التشخيص عندما وصلت الأمور إلى دمشق. ورغم أنّ الجزم باستفادة أحد الطرفين دون الآخر أمر غير ممكن حاليا بانتظار جلاء الأحداث، إلا أنّ ذلك لا يلغي إمكانية تقديم تصوّر لانعكاسات الثورات العربية على مصالح البلدين، ومكاسب وخسائر كل منهما على المدى القصير والمتوسط والبعيد من خلال المعطيات المتوافرة، ويمكن اختصارها فيما يلي:
أ- الخسائر والمكاسب (على المدى القصير)
أولا: سياسيا: تؤدي حالة عدم الاستقرار التي تخلقها الثورات العربية إلى تقويض السياسة الخارجية التركية، والإستراتيجية التركية الداخلية والخارجية القائمة برمتّها على تحقيق الأمن والاستقرار للمحيط الإقليمي وصفر نزاعات. لقد كان من السهل على تركيا أن تطبّق رؤيتها في السياسة الخارجية عندما كانت العناصر التي تعمل عليها ثابتة (الأنظمة المحيطة والإستاتيكو الإقليمي)، أمّا مع تغيّر البيئة الإقليمية وانتشار حالة عدم الاستقرار التي فرضتها الثورات العربية، فمن المنتظر أن يخلق ذلك تحدّيا لمنظومة السياسة الخارجية التركية من حيث الاصطدام بين المثالية والواقعية مع ما يفرضه ذلك بالضرورة من تكيف مع التغير الجديد بإحداث تغييرات مماثلة.
في المقابل، فإن إيران أكثر قدرة على إدارة الوضع الإقليمي في ظل الفوضى المؤقتة الناجمة عن الثورات العربية لما تمتلكه من خبرة ومن أدوات وأذرع إقليمية تخولها الصمود في مثل هذه الظروف التي طالما اعتادت العمل فيها، بل ومحاكاتها في كثير من الأحيان لاستدراج بعض القوى للتفاوض والحصول على تنازلات. وفي مناخ كهذا، قد تستفيد طهران من الفراغ الحاصل في بعض الدول العربية ومن حالة التخبط من أجل الدخول إليها، كما أن من الممكن لها أن تستغل اختلال التوازن الجيوبوليتيكي في مناطق أخرى واستثماره لمصلحتها.
ثانيا: اقتصاديا
تؤدي الثورات العربية على المدى القصير إلى تقويض المشروع الاقتصادي التركي الذي هو أساس الإستراتيجية التركية التي تتمحور حولها كافة السياسات الأخرى، ومن المعروف أنّ حالة عدم الاستقرار هي العدو الأول للاقتصاد والاستثمارات. كانت تركيا قد بَنَت مشروعها الإقليمي على الانفتاح الاقتصادي على دول المنطقة والذي أدى إلى ارتفاع حجم التبادل التجاري بين تركيا والعرب من 7 مليار دولار عام 2002 إلى قرابة الـ40 مليار دولار عام 2008 مع خطط تركية لرفعه لحدود 100 مليار دولار خلال سنوات قليلة من خلال استغلال المجالس الإستراتيجية التي أنشأتها أنقرة مع (سوريا والعراق والأردن ولبنان ومجلس التعاون الخليجي)، ورفع التأشيرات مع (لبنان، سوريا، الأردن، العراق، ليبيا، اليمن.. إلخ)، ومن خلال الأسواق الحرة المشتركة وأهمها السوق الحرة المشتركة التي تضم تركيا وسوريا والأردن ولبنان. كل هذه المنجزات عرضة للخطر في ظل حالة عدم الاستقرار التي قد تتطور إلى فوضى.
في المقابل إيرانيا، تؤدي حالة عدم الاستقرار التي تمر بها المنطقة إلى ارتفاع أسعار النفط، ما يعني عمليا أنّ الثورات العربية لا تغذّي فقط خزانة طهران المالية بالدولارات وتحقق لها نموا اقتصاديا، وإنما تساعدها -وهذا هو الأهم بالنسبة لها- على تقويض العقوبات الدولية المشددة المفروضة عليها والتي كان لها وقع شديد مؤخرا، وإفراغ هذه العقوبات من مضمونها؛ ما يحرر إيران من الضغط الاقتصادي، وينسف في نفس الوقت العمل الجماعي الذي قادته أميركا لسنوات مع القوى الدولية لاسيما روسيا والصين والدول الإقليمية لحصارها والضغط عليها.
ثالثا: أمنيا
قد تؤدي حالة عدم الاستقرار التي تخلقها الثورات العربية إلى انتقال حالة التوتر التي قد تنشأ إلى داخل تركيا أو إلى تغذية أعمال العنف خاصة إذا كان البلد على تماس مباشر مع تركيا؛ كحالة سوريا والعراق مع تخوّف من عودة حزب العمّال الكردستاني إلى استنزاف الجيش التركي في حال انفلات الوضع على الحدود، والتداعيات الضخمة على مجمل الوضع التركي في حال حصول تدخل عسكري أجنبي كما حصل في العراق سابقا.
في المقابل، تدافع إيران عن نفسها تقليديا عبر خط دفاع تقيمه خارج حدودها. وفي مثل هذا الوضع لا تواجه طهران مشكلة في حالة عدم الاستقرار الإقليمي، بل من المنتظر أن يؤدي ذلك إلى انشغال القوى الكبرى عن ملفها النووي، وأن يقوي موقفها وهو المطالبة بأن يتم توسيع برنامج التفاوض مع أميركا ليضم مختلف الملفات الإقليمية بما يؤدي للاعتراف بنفوذها ومصالحها الإستراتيجية والحيوية في المنطقة.
كما أنّ صمود الأنظمة في البلدان التي تشهد انتفاضات أمام التدخلات العسكرية الأجنبية كالنظام الليبي يفيد إيران من ناحية جعل خيار التدخل العسكري غير جذّاب مستقبلا لأنه غير مثمر وبشكلٍ ما غير فعّال، وسيؤخذ بالضرورة في الحسبان قبل أن يتم التفكير في اعتماده ضد طهران.
ب- المكاسب والخسائر (على المديين المتوسط والبعيد)
من المنتظر أن تفضي الثورات العربية (إذا لم نذهب إلى سيناريو الفوضى الشاملة) إلى أنظمة تعبّر عن الواقع الشعبي فتكون أكثر صحّة في تمثيل الشعوب، وأكثر ديمقراطية في الحكم، وتحقّق البيئة الأكثر استقرارا على الصعيد الإقليمي. ولا يمكن التقليل من شأن القوة الناعمة التركية التي أثّرت في الشعوب العربية خلال السنوات القليلة الماضية من خلال الانفتاح الاقتصادي والاحتكاك الثقافي والنموذج السياسي وكلها تحمل رسالة مفادها أنه يمكن للشعوب العربية وغالبيتها المسلمة أن تقيم دولا عصرية متطورة ديمقراطية مستقلة تمتلك قرارها، وتتعامل بندية مع الحلفاء والخصوم، وتستطيع أن تقول: لا لإسرائيل أيضا.
ولا شك أنّه أثناء سعي الشعوب العربية لتحقيق هذا التصور فإن التجربة الإقليمية التركية ستبقى حاضرة لما قدّمته من نجاح في تحقيق مفاهيم الديمقراطية وتداول السلطة والإسلام في نموذجها السياسي، الاعتدال الإسلامي في نموذجها الديني، الاستقلالية في القرار في سياستها الخارجية، والتفوق في النموذج الاقتصادي والصناعي، وهي كلها سمات مطلوبة في الأنظمة الجديدة التي تحاول أن تشكّل نموذجا قائما بحد ذاته.
في المقابل، فمن المنتظر أن تعاني إيران على المديين المتوسط والبعيد من خسائر فادحة قد تكون الأكثر كلفة على الإطلاق منذ الثورة الإيرانية عام 1979، خاصة إذا ما أدّت الثورات إلى سقوط النظام السوري وهو ما سيتبعه تراجع دراماتيكي للنفوذ الإيراني في المنطقة العربية بدءًا من فلسطين (وهو الأمر الذي أخذ يتحقق)، ومرورا بلبنان والعراق والخليج وانتهاءً بإيران نفسها؛ حيث يترقب العديد من الشرائح المعارضة للنظام الإيراني مصير النظام السوري كمؤشر على وضع النظام في طهران. وحتى لو نجا النظام الإيراني، فمن المرجح أن يصبح معزولا، وألا يلقى نموذجه الثيوقراطي أية جاذبية تُذكَر خاصة بعدما حصل عام 2009، دون أن يعني ذلك أن ليس لهذا النموذج أنصار داخل البيئة العربية.
*انعكاسات الثورات على العلاقة بين البلدين
لطالما نجح الطرفان (تركيا وإيران) في كبت خلافاتهما وعدم تصعيدها أو تحويلها إلى مسألة علنية، وقد كان التوازن في قدرات البلدين أحد أهم العوامل -إلى جانب اختلاف دوائر المصالح الجيوبوليتيكية- التي حالت وتحول دون انفجار الخلاف بينهما.
مع التحولات الحالية التي تتعرّض لها المنطقة، من المحتمل أن تؤدي الثورات العربية إلى خلل في هذا التوازن لصالح دولة دون الأخرى إضافة إلى تضارب عميق في المصالح وفي الرؤى وفي المشروع (كأن تنتصر رؤية على أخرى، أو يسود نموذج على حساب آخر، أو أن تستغل إيران الأحداث وتمتلك سلاحا نوويا). وفي هذه الحالة، سيصبح الطرف الثاني أكثر حساسية وضعفا بما يهدد بتطور سلبي للعلاقة بين البلدين. ويتمثل إطار الاحتكاك حاليا في دائرتين إقليميتين إضافة إلى ملفين أساسيين:
أولا: دائرة الخليج العربي
وهي تُعتبر بعد العراق الحيّز الجيوبوليتكي الأكثر أهمية بالنسبة لإيران، وقد تم إدخال تركيا إلى هذا الحيز رسميا من قِبَل مجلس التعاون الخليجي في العام 2008 عبر اتفاقية إستراتيجية سياسية واقتصادية وأمنية هي الأولى من نوعها بين مجلس التعاون مجتمعا وأي دولة في العالم. وعلى الرغم من أنّ الأتراك لا مشكلة لديهم أو حساسية في الموضوع الطائفي السني-الشيعي مما يخوّلهم القدرة على التواصل مع الجميع، إلا أنّ إيران تعلم جيدا أنّ إحدى دوافع الاتفاقية في الخلفية الخليجية تحقيق توازن معها؛ الأمر الذي يزعج طهران جدا.
وحاولت تركيا خلال الأزمة البحرينية، أن تلعب دورا وسطيا لاحتواء الأزمة، وتمثّلت رسالتها الرسمية في ثلاثة عناصر أساسية، هي: ضرورة حفظ أمن واستقرار الخليج، احترام سيادة ووحدة البحرين، وأيضا المضي قدما في الإصلاح. وقد بدا التباين واضحا بين الجانبين الإيراني والتركي في الموقف من إرسال قوات درع الجزيرة للبحرين؛ الأمر الذي اعتبرته الأولى غزوا عسكريا فيما اكتفت الثانية من التحذير من تصاعد التوتر في المنطقة.
وبالتوازي مع مطالبة السلطات البحرينية بضبط النفس خوفا من الوصول إلى كربلاء جديدة كما قال أردوغان، شدّدت تركيا على رفضها لأي تدخل خارجي يمس البحرين ودول مجلس التعاون في إشارة واضحة إلى التدخل الإيراني. وأجبرت السلطات التركية بعد يومين من تصريحات أردوغان طائرة إيرانية مدنية متجهة إلى سوريا على الهبوط لتفتيشها، وتمّ الإعلان فيما بعد عن مصادرة أسلحة وذخائر وعتاد كانت على متنها فيما بدا أنّه رسالة تركية إلى طهران.
كما عمدت أنقرة إلى محاولة احتواء اندلاع أزمة سنيّة-شيعية في المنطقة من خلال تجاوز الإيرانيين للتواصل مباشرة مع المرجع الشيعي في العراق السيد علي السيستاني، وهو أمر لم يرُق كثيرا للمسؤولين في إيران.
ثانيا: دائرة الشام
وهي تضم لبنان وفلسطين. استطاعت تركيا خلال السنوات القليلة الماضية وعبر علاقاتها بسوريا الدخول إلى لبنان. وحاولت أنقرة تقليص النفوذ الإيراني في بيروت من خلال نسجها لعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، لكن بدا واضحا أنّ هذا الدخول الجديد إلى الساحة اللبنانية غير مرحّب به من طهران لاسيما بعد زيارة أردوغان المعروفة التي تلت زيارة أحمدي نجاد الجدلية. كما ظهر تراجع في قبول أي دور سياسي تركي في لبنان لاسيما بعدما رفض حزب الله بشكل قاطع الوساطة التي تقدم بها الأتراك مع القطريين بعد الإطاحة بحكومة سعدالدين الحريري.
وبعكس الحالة اللبنانية، هناك صعود للتأثير التركي على الوضع الفلسطيني منذ العدوان الإسرائيلي على غزة، وموقف أردوغان الشهير في دافوس، والاعتداء على أسطول الحرية فيما بعد. كما بدا لافتا وبشكل واضح اقتراب الفرقاء الفلسطينيين الرئيسيين من الرؤية التركية بخصوص المصالحة، وطريقة التعامل مع إسرائيل، وانتزاع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ساعد في بلورته الجهد المصري الحديث، وتطور الأحداث في سوريا، ونأي حماس بنفسها عن التوجه الذي يسلكه حلفاء إيران في المنطقة في هذه المرحلة؛ حيث من المنتظر أن يلقي الملف الفلسطيني قريبا بظلاله على العلاقات بين تركيا وإيران في المرحلة المقبلة نظرا للتناقض الجذري في الرؤى بينهما.
ثالثا: التحدي السوري
تمثل الحالة السورية تحديّا بالغ الأهمية والخطورة لكل من تركيا وإيران ليس لأنها تعتبر حلقة رابطة لكل الدوائر الجيوبوليتيكية للطرفين، وليس لأنها عنصر تقاطع بين المشروعين التركي والإيراني فقط، بل لأن الطريقة التي ستنتهي بها الأمور في سوريا ستؤثر بشكل دراماتيكي على مسار أحد الطرفين في المنطقة بالضد من الآخر.
من جانبها ترى تركيا أنّ مطالب الشعب في مزيد من الحريات والديمقراطية، ورفع كافة القيود المتعلقة بالحقوق السياسية والإنسانية هي مطالب مشروعة، وأنّ الصداقة مع النظام السوري لا يمكن أن تكون على حساب الشعب السوري، خاصّة في حال رفض تطبيق إصلاحات سريعة وجذرية. وترى تركيا أيصا أنّ التغيير يجب أن يتم داخليا وبسرعة تفاديا لتدخل خارجي لا يمكن لأنقرة أن تقف في وجهه في حال تجاهل النظام السوري التحذيرات الموجهة إليه، وفوت الفرصة تلو الأخرى لمساعدته على تجاوز الأزمة من خلال تحقيق المطالب الشعبية.
في المقابل، ترى إيران أنّ هناك مؤامرة تحيكها القوى الغربية للنظام السوري، وأنّ ما يحدث هو فتنة على طريقة الفتنة الإيرانية 2009، وأنّ المتظاهرين يعملون لحساب الخارج، ويتلقون الأوامر منه للإطاحة بالنظام الممانع والمقاوم للخطط الإسرائيلية والأميركية في المنطقة، وهو ما يوجب على الشعب الحفاظ عليه وعدم الاشتراك بالمؤامرة للإطاحة به، وتثق طهران بأن النظام قادر على تجاوز المشكلة وإنهاء الفتنة.
وفق هذا التقييم المتناقض، فإن الأزمة السورية تعد محطة مفصلية لكل من تركيا وإيران:
فإذا نجا النظام السوري فستكون تركيا في مأزق كبير لجهة العلاقة الثنائية أولا، ولجهة تراجع عدد من المبادرات الإستراتيجية السياسية والاقتصادية الإقليمية التي تعتمد حصرا على وجود نظام صديق في دمشق ثانيا.
أما إذا سقط النظام السوري فسيسقط معه أهم وأكثر التحالفات الإستراتيجية ثباتا في الشرق الأوسط خلال العقود الثلاثة الماضية، وهو ما يعني حصول زلزال جيوبوليتيكي ينهي النفوذ الإيراني في بعض المناطق، ويقلّصه إلى أدنى حد ممكن في مناطق أخرى، سيمتد من فلسطين إلى العراق وقد يطول إيران نفسها.
وبين الحالة الأولى والحالة الثانية، قد تشهد العلاقات التركية-الإيرانية توترا شديدا على خلفية هذا التباين وربما تصادما في المرحلة المقبلة خاصّة أنّ هناك اتفاقية دفاع مشترك بين إيران وسوريا، ومن غير المتوقع أن تترك طهران حليفها الإستراتيجي يسقط بسهولة وإن تطلَّب ذلك اشتباكا مع أنقرة، علما بأنّ فتورا خفيا في العلاقات بين البلدين بدأ يظهر على خلفية مهاجمة بعض وسائل الإعلام الإيرانية التابعة للمرشد الأعلى وللرئيس الإيراني (لاسيما وكالة فارس للأنباء وبرس. تي)، والأخرى العربية المحسوبة عليها والحليفة لها (لاسيما تلفزيون المنار التابع لحزب الله في لبنان) للموقف التركي من سوريا، واتهام أنقرة بـ"النفاق، وتنفيذ سياسات أميركا والكيان الصهيوني لزعزعة الأوضاع في سوريا"، و"التخطيط لفتنة ونقل أسلحة وأموال ودعم عصابات مسلحة وإرهابيين ضد نظام الأسد تحضيرا لغزو عسكري تمليه أطماعها".
كما نقل موقع المنار تهديدات عسكرية إيرانية لتركيا؛ حيث قال: إنّ مبعوثا خاصا للرئيس أحمدي نجاد حملها لرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان ومفادها "أنّ استعمال أية قواعد عسكرية تركية للهجوم على سوريا سيعرّضها لقصف صاروخي إيراني".
وقد علّق كبير مستشاري الرئاسة التركية إرشاد هورموزلو على كل ذلك قائلا: إنّ تركيا لا تسعى إلى مواجهة مع أحد، وليس لها أجندات خفية؛ فهي لا تسعى إلى التخندق أو الدخول في محاور، ولا تسعى إلى منافسة أي دور في المنطقة، ولكنها لن تكون راضية بطبيعة الحال إذا حاول أحدهم تحريك بعض الأحجار على رقعة الشطرنج الإقليمية بما يخل بالمعادلة.
رابعا: الفرصة المصرية
وفي ظل المرحلة الانتقالية، تنخرط كل من تركيا وإيران في سباق محموم مع الزمن للتأثير في التحولات الحاصلة حاليا على رقعة الشطرنج الإقليمية، ويستخدم كل منهما أدواته وإمكانياته بما يتناسب مع رؤيته لما يراه مناسبا لمرحلة ما بعد الثورات، وتبدو الحالة المصرية مثالا على ذلك.
فتركيا تأمل أن يسود نموذجها القائم على: الديمقراطية، العقلانية السياسية، الاعتدال الإسلامي، التعددية الحزبية، حكم القانون، السياسة الخارجية الوطنية والمستقلة غير المتعارضة مع علاقات مع مختلف القوى الدولية سواء الغربية أو القوى الأخرى في الدول التي تغير أنظمتها. ويرتكز الخطاب التركي في هذا المجال على ثلاث آليات: الخطاب المعتدل، المساعدة بشرح تجربتها وكل ما يتطلبه تنفيذها، الاعتماد على رصيدها من القوة الناعمة.
أمّا إيران، فتأمل أنّ يسود نموذج إسلامي يكون متأثرا بها أو على الأقل يتيح لها التأثير فيه أو الدخول عليه للتكامل معه، كما تأمل في أن تبني الدول الجديدة سياستها الخارجية على العداء مع أميركا، وأنّ يتم التصعيد العسكري ضد إسرائيل وفق الرؤية الإيرانية كمعيار لمدى الصداقة التي يمكن أن تجمع طهران مع الأنظمة حديثة الولادة. ويرتكز الخطاب الإيراني في هذا المجال على ثلاث آليات: النزعة الأيديولوجية، والتجربة الذاتية، وإنجازات الأذرع الإقليمية في مواجهة أميركا وإسرائيل، والتوجه الإسلامي لبعض الشرائح الاجتماعية كالإخوان.
وبقدر ما تشكّل الأزمة السورية تحديا لمتانة العلاقة بين تركيا وإيران بقدر ما تمثّل مصر فرصة لكل منهما في تحقيق رؤيته الإقليمية:
فقد بدا واضحا منذ اللحظة الأولى لسقوط مبارك انخراط كل منهما في سباق للتأثير على النظام الوليد سواء من خلال زيارة الرئيس التركي عبدالله غول والتقائه مسؤولين حكوميين إضافة إلى قيادات للإخوان وللشباب المصري عارضا للتجربة التركية وكل ما يمكن لأنقرة أن تساعد مصر الجديدة من خلاله على استعادة عافيتها، أو من خلال تفاعل العموم المصري مع القيادات "الشعبوية" التركية.
في المقابل، ظهرت مساعٍ إيرانية حثيثة لاستعادة العلاقات مع مصر لما لتلك الخطوة من أهمية قصوى في هذا التوقيت خصوصا في المعادلة الإقليمية. كما استضافت إيران وفدا مصريا يضم رجال دين وأكاديميين ورجال أعمال وصحفيين، وألقت على مسامعه التجربة الإيرانية في مقاومة الغطرسة والاستكبار ونصرة المستضعفين، وكيف أنّ الثورة الإيرانية كانت مصدر إلهام للشعب المصري.
في هذا السباق التركي-الإيراني في مصر، يبدو التركي أكثر تقدما على الأقل من الناحية الشكلية، وقد بدا هذا التأثير الايجابي واضحا أثناء الانتفاضة المصرية من خلال الطريقة التي استقبل بها المنتفضون في ميدان التحرير من مختلف التوجهات والانتماءات كلمة رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان التي تضمنت نصيحة للقيادة المصرية، مقارنة بالرد العنيف الذي قاموا به على كلمة المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامئني على سبيل المثال في خطبته الشهيرة أو على كلمة أمين عام حزب الله اللبناني حسن نصرالله التي وجهها إلى الثوّار. كما بدا أنّ هناك شكلا من أشكال التأثر بالتوجه التركي من خلال الخطاب العقلاني والمعتدل -إلى الآن- للتيارات الإسلامية بشكل عام (الإصلاح والنهضة، حزب الحرية والعدالة، حزب الوسط الجديد، السعي لدولة مدنية وليست دينية...إلخ).
لكن ذلك لا يعني أنّ إيران عاجزة عن التأثير في المعطيات المصرية. فكما لتركيا فإن لإيران ونموذجها أنصارا ومؤيدين، بل إنّ دخولها الساحة المصرية أصبح أكثر سهولة بعد سقوط مبارك سواء أيديولوجيا عبر "العداء لإسرائيل وأميركا"، أو ماليا. وإذا كانت تركيا تراهن على تجربة حزبية ديمقراطية ناضجة للمصريين، فإن إيران تراهن على بعض الشرائح إسلامية التوجه، كما تراهن على بعض الأسماء المرشحة للرئاسة المصرية لاستعادة زخم العلاقات معها والدخول من خلال ذلك إلى معادلة جديدة في المنطقة.