إسماعيل ياشا – موقع العصر – 12/4/2011
تفاجأ كثير من المتابعين للشأن التركي بالارتباك الذي أصاب الموقف التركي حيال الثورات العربية، وخاصة الثورة الليبية، دون أن يجدوا أي مسوغ منطقي يفسر هذا الارتباك غير المصالح الاقتصادية والاستثمارات الضخة في ليبيا، بالإضافة إلى الانزعاج من الموقف الفرنسي.
ولكن الذي يراقب التطورات من داخل تركيا يلاحظ أن هناك عوامل أخرى أثرت ـ ولو بنسب متفاوتة ـ في حدوث هذا الارتباك.
ومن هذه العوامل، اضطراب الرأي العام التركي نفسه أمام ما يحدث في ليبيا أولا، ثم في سوريا حاليا، وانقسامه بين مؤيد للشعوب الثائرة ومشكك في من يقف وراء تلك الثورات.
ومما لا شك فيه أن أي زعيم سياسي يحترم شعبه ويستمع إليه، لا يمكن أن يرمي رأي الشارع وراء ظهره وهو مقبل على الانتخابات وبحاجة إلى الأصوات.
هنا تأتي أهمية السؤال عن: "من الذي يصنع الرأي العام التركي ويوجهه؟".. سأعرض على القراء الكرام نموذجين من الأقلام التي تؤثر في إرباك الشارع التركي والتشويش عليه حول ما يحدث في العالم العربي، دون الإشارة إلى الأسماء، ليعرف القارئ العربي العقلية السائدة لدى بعض الكتاب الأتراك، ويفهم سر الانقسام الحالي في الشارع التركي المشحون.
الأنموذج الأول، كاتب شاب في أقرب الصحف التركية لحكومة أردوغان، بل هي تعتبر الناطقة باسم الحزب الحاكم. وكان هذا الكاتب قد سخر قلمه لدعم الحوثيين في أيام التمرد الأخير، وزعم في مقالين متتاليين أن البشمركة الأكراد يقاتلون ضد الحوثيين بجانب الجيش اليمني ولحساب المملكة العربية السعودية في مقابل 1 ملايين ريال، وأن الجيش اليمني خصص لهم قواعد عسكرية.
كما ادعى أن الطائرات الحربية الأمريكية تقصف مواقع الحوثيين، في محاولة لتقديم الصورة على أنها حرب بين "المقاومة الإسلامية" و"الأمريكيين الغزاة".
بطبيعة الحال، لم تكن هناك أي قوة كردية من شمال العراق يقاتلون ضد الحوثيين مقابل عدة آلاف من الدولارات، وكل ما في الأمر، أنه من شدة ثقته بالمصادر الحوثية، نقل الكاتب التركي اتهامات الحوثيين لقوات القبائل اليمنية بالمشاركة في الحرب ضدهم ووصفوها بـ"البشمركة"، وبسبب جهله، ظن أن المقصود هنا بالبشمركة هي القوات الكردية، وأسس اتهاماته على هذا الخطأ الفاحش، وقام بتهييج الرأي العام التركي لمدة يومين، متسائلا: "ماذا يفعل المرتزقة الأكراد في اليمن؟".
وبعد أن افتضح أمره، لم يقدم هذا الكاتب لا للأكراد الذين اتهمهم بالارتزاق ولا للرأي العام التركي الذي حاول تضليله، بل ظل يمارس أسلوب التضليل نفسه في كل مناسبة رأى أنه بحاجة فيها للدفاع عن إيران وأزلامها.
وها هو اليوم يزعم في مقاله المنشور اليوم، أن ما يحدث الآن في العالم العربي من الثورات الشعبية ما هو إلا صراع بين محور إيران-سوريا-حزب الله وبين محور السعودية-الأردن، ويدعي أن السعودية والأردن تقفان وراء الأحداث في سوريا، وأنهما تقومان بتنظيم الاحتجاجات وتسليح المحتجين السوريين!
ونقل معلومات أخرى لا داعي لذكرها هنا وعزاها إلى مصادر لم يسمها، إلا أن المتابع للإعلام العربي يدرك أنها منقولة حرفيا من مصادر حزب الله وكأنها عين الحقيقة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، في محاولة يائسة للدفاع عن نظام الطاغية السوري.
وأما الأنموذج الثاني، كاتب سوري الأصل يعيش في تركيا منذ زمن ويكتب في صحيفة علمانية، إلا أنه اكتسب شهرته عندما كان يكتب في الصحيفة الإسلامية التي قلنا آنفا إنها تعد الناطقة باسم الحزب الحاكم في تركيا. وعمل في القنصلية الليبية لمدة تسع سنوات، وقام بترجمة الكتاب الأخضر إلى اللغة التركية، وتوسط ليتعرف كثير من الكتاب الأتراك على العقيد معمر القذافي.
وهذا الكاتب السوري منذ اندلاع الاحتجاجات في سوريا يدافع بقوة عن نظام البعث، ويكتب ما معناه أن هناك مؤامرة كبيرة تحاك ضد سوريا، وأن بشار الأسد يريد الإصلاح، وأن العرب يسعون لاحتلال سوريا كما احتل العراق، وأن سوريا لها خصوصيات، وما إلى ذلك من الحجج الواهية التي تهدف كلها بالدرجة الأولى إلى تبييض صفحة النظام الدكتاتوري وتبرير القمع الوحشي، وأخيرا بدأ يتهم قناة الجزيرة بشن حملة ضد تركيا بسبب موقفها من أحداث ليبيا وسوريا.
هذان الكاتبان هما رأس الحربة في الإعلام التركي في حملة التحريض ضد الثوار الليبيين وضد الشعب السوري الذي انتفض من أجل حريته وكرامته. وهناك كتاب آخرون، سواء في الصحف أو في المواقع الالكترونية، متأثرون بآرائهما يسهمون في الدفاع عن القذافي والأسد.
لا شك أن للحكومة التركية مستشارين وخبراء أعقل من هؤلاء، وأن في الإعلام التركي كتابا مستقلين يتابعون ما يحدث في العالم العربي وينقلونه إلى الجمهور التركي، ولكن المشكلة أن هاذين الكاتبين وأمثالهما — بالإضافة إلى أنهما غوغائيون — مقربون من الحكومة التركية، ويشاركون في الرحلات الخارجية مع القادة الأتراك، مما يضفي على كتاباتهم مصداقية في أوساط الشارع التركي، وخاصة المؤيدين للحكومة.