تزايد القلق في إسرائيل من ارتفاع نسبة الأصوليين اليهود
الأربعاء 4 مايو 2011
أنظر ايضــاً...

برهوم جرايسي - الغد 27/04/2011

 

أنهى اليهود قبل أيام أسبوع عيد الفصح العبري، الذي يمثل من ناحيتهم وحسب ما جاء في التوراة خروج اليهود من مصر فرعون، وفي هذا الأسبوع يُحظر على اليهود تناول جميع الأطعمة المختمرة، وبالأساس الخبز، وبطبيعة الحال فإن هذا أمر ديني يسري على المتدينين بمستويات تدينهم المتعددة، ومعهم قطاع من المحافظين.

وهذه المناسبة التي تمتد على مدى سبعة أيام، وتسبقها بعض أيام التحضير، هي إحدى المناسبات السنوية التي يظهر فيها الصراع بين العلمانيين والمتدينين، وتصدي المجموعة الأولى لقوانين الإكراه الديني، وفرض الشرائع الدينية من فوق، فمثلا في هذا العام صدر بيان عن حاخامات كبار في إسرائيل، يطالب فلسطينيي 48 بعدم بيع اليهود الخبز في أيام الفصح، وهو بيان غير مسبوق بصراحته، ويعكس احتدام الصراع بين الجمهورين العلماني والديني، إلا أن البيان لم يؤثر ولم يلق تجاوبا.

وفي الأيام الأخيرة ظهرت في وسائل الإعلام تقارير تتحدث عن تبلور طواقم عمل كبيرة من العلمانيين، وبشكل خاص في منطقة تل أبيب الكبرى، ولكن أيضا في مناطق أخرى، لمواجهة تسلل حركات الأصوليين اليهود إلى المجتمع العلماني، بهدف إقناع الناس "بالعودة إلى الدين"، وكما يبدو فإن حراك الأصوليين بات قويا، ما أدى إلى استفزاز العلمانيين وتحركهم بشكل أقوى.

وهذه القضايا تظهر في الوقت الذي تتزايد فيه المعطيات الرسمية و"البحثية"، التي تشير بقلق إلى ارتفاع نسبة المتدينين في إسرائيل بوتيرة عالية جدا وبشكل خاص، الأصوليين، الذين يطلق عليهم اسم "الحريديم" بين اليهود، فقد قال "بحث" في جامعة حيفا، وسنأتي عليه هنا، أن نسبة المتدينين في إسرائيل ستتجاوز في العام 2030 نسبة

50 % من مجمل السكان، بمعنى ما بين

62 % إلى 65 % من مجمل اليهود في ذلك العام، وهذا يعني انقلابا تاما في كافة توجهات المجتمع اليهودي، من الناحية المدنية، وهذا ما سينعكس على كافة نواحي الحياة، بما فيها السياسية.

والمجتمع الأصولي اليهودي، هو ليس كباقي الأصوليين في مختلف الأديان، بل هم مجتمع منغلق على نفسه بقدر كبير جدا، له زي شبه موحد، وتعيش المجموعات فيه ضمن كومونات اقتصادية واجتماعية، خاضعة لأوامر وتعليمات الحاخام الذي يقود المجموعة.

وكما هو الحال في إسرائيل اليوم، فأيضا على مستوى العالم، من الصعب تحديد نسبتهم من مجمل اليهود في العالم، فاليهود يعدون اليوم قرابة 13,7 مليون نسمة في العالم، حوالي 42 % منهم يعيشون في إسرائيل، وتبلغ نسبة تكاثر اليهود في العالم ككل أقل من نصف بالمائة وفي مراحل معينة تهبط إلى الصفر وتتراجع، ونسبة التكاثر شبه الوحيدة هي إسرائيل، بينما عدد اليهود في العالم يتراجع بفعل الاندماج بالأديان الأخرى.

وكلما تراجع عدد اليهود خارج إسرائيل ارتفعت نسبة الأصوليين بينهم، أما في إسرائيل، فإن الأصوليين يشكلون اليوم حسب تقديرات مختلفة ما بين 12,5 % إلى 13,5 % من مجمل السكان، بمعنى ما يقارب 16 % من مجمل اليهود.

والغالبية الساحقة من اليهود الأصوليين في العالم بما فيه إسرائيل، ترفض الاعتراف بإسرائيل، وتكفّر الحركة الصهيونية، على اعتبار أن "مملكة إسرائيل" تقام مع مجيء المسيح لأول مرة إلى العالم، إلا أن الغالبية الساحقة من الأصوليين في إسرائيل، أي حوالي 90 % يعترفون بوجود إسرائيل ككيان مدني عابر، وهم يرفضون الصهيونية، ولكن في السنوات الـ 15 الأخيرة نشهد متغيرات سياسية بين الأصوليين، نحو اليمين، مقابل امتناعهم عن التدخل في الشؤون السياسية وحتى في قضايا الصراع، في سنوات سابقة.

ومع قيام الكيان الإسرائيلي، اختارت مجموعة من الأصوليين، المشاركة في الحلبة السياسية، ولكن بمحدوديات معينة، وشاركوا في الحكومات، ونجحوا في فرض قوانين كثيرة تندرج في إطار الإكراه الديني، مستفيدة من سعي الحركة الصهيونية العلمانية أساسا إلى فرض طابع ديني على إسرائيل، ولكن هذه القوانين هي موضع خلاف كبير في إسرائيل، كونها تتحكم في التفاصيل الحياتية الدقيقة للمواطن، من حركته وشكل طعامه، وقوانين الزواج والقائمة تطول.

ولهذا فإن القلق الأكبر لدى العلمانيين، من ارتفاع نسبة الأصوليين والمتدينين، ينبع من الخوف من تشديد قوانين الإكراه الديني، بشكل يزيد مصاعب الحياة وحرية الفرد، لدى مجتمع العلمانيين.

المتدينون اليوم و"دولة تل أبيب"

مع توقف موجات الهجرة اليهودية الكبرى من جميع أنحاء العالم، التي كانت أساسا تحمل جمهورا علمانيا، إلى درجة الجهل شبه التام بالديانة اليهودية، فقد بات اعتماد التكاثر السكاني على التكاثر الطبيعي تقريبا، وهنا تنبّه اليهود في إسرائيل في السنوات الأخيرة، إلى التباين في نسب التكاثر بين المجموعات اليهودية المختلفة.

وحسب المعطيات الرسمية، فإن نسبة تكاثر اليهود ككل في إسرائيل هي في حدود 1,7 %، مقابل نسبة تكاثر بحوالي 2,8 % لدى فلسطينيي الـ 48، ولكن حينما نأتي لمعرفة تفاصيل نسبة التكاثر بين المجموعات اليهودية، سنجد أن نسبة تكاثر الأصوليين تصل إلى 3,2 %، بينما نسبة تكاثر بين اليهود الباقين حوالي 1,5 %، ولو عملنا على تفصيل هذه المعطيات أكثر، لوجدنا أن نسبة التكاثر بين جمهور العلمانيين في حدود 1,3 %، وقد تتراجع هذه النسبة بين جمهور المهاجرين اليهود في العقدين الأخيرين.

وتفيد معطيات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، أن معدل الولادات للأم الواحدة من جمهور الأصوليين يتجاوز 8 ولادات، وبين 6 إلى 7 ولادات لدى جمهور المتدينين الليبراليين دينيا، والمتشددين سياسيا مثل عصابات المستوطنين، بينما معدل الولادات لدى الأم اليهودية العلمانية حوالي 1,5 ولادة، اما لدى فلسطينيي 48، فإن معدل الولادات للأم الواحدة 3,5 ولادة، وهذا بسبب ارتفاع نسبة الولادات في بين عشائر النقب، والمعدل من دون النقب يصل إلى 3 ولادات أو أكثر بشكل طفيف، ولكنه يبقى أعلى من معدل الولادات العام بين اليهود 2,7 ولادة للأم الواحدة.

وصدر في نهاية العام الماضي 2010 كتاب عن جامعة حيفا، إحدى اكبر جامعات إسرائيل، يتضمن بحثا شبه سنوي للمختص الديمغرافي العنصري أرنون سوفير، الذي يتحدث عن وضعية إسرائيل الديمغرافية حتى العام 2030، والى جانب ما يتضمن البحث، الذي تتبناه الجامعة رسميا، من مضامين عنصرية شرسة ضد فلسطينيي 48، واقتراح "حلول" للجم تزايد العرب، فإن البحث يسلط الضوء بشكل حذر، على ارتفاع نسبة الأصوليين والمتدينين معا في إسرائيل حتى العام 2030، ليتجاوز نسبة 50 % من مجمل السكان، وما بين 62 % إلى 65 % من اليهود.

ويعبّر "البحث" عن القلق من محاصرة اليهود العلمانيين في منطقة تل أبيب الكبرى، التي أطلق عليها البحث اسم "دولة تل أبيب"، بمعنى مواصلة نزوح العلمانيين إلى منطقة تل أبيب الكبرى التي تشهد تفجرا سكانيا، وبشكل خاص من جيل الشباب، الذين يتركون الجليل والنقب لصالح ارتفاع نسبة العرب، كما يتركون القدس ومناطق أخرى، لصالح المتدينين اليهود، حتى يصل معد البحث إلى استنتاج أنه في لحظة ما سيحمل الشبان حقائبهم ويهاجرون من إسرائيل.

ويعرض التقرير بوضوح القلق من الارتفاع الحاد في نسبة المتدينين، رغم انه لا يعرض معطيات إحصائية رسمية، بل يستند إلى استطلاع للرأي، ظهر في العام الماضي، وادعى أن نسبة "الحريديم" في إسرائيل هي 8 % فقط، وهذا استنتاج يتضارب مع أرض الواقع، فمثلا تؤكد تقارير شبه رسمية، وحتى رسمية، أن مواليد العائلات المتدينة تفوق نسبة الثلث من بين مجمل المواليد، وهذا يعني 40 % من المواليد اليهود.

وجاء في آخر تقرير رسمي حول معدل الولادات، أنه في العام 2010 كان نحو ثلث الولادات في إسرائيل لعائلات حريديم، وحوالي 20 % لعائلات دينية متشددة سياسيا، اضف إلى هذا، أن نسبة المواليد العرب من مجمل الولادات هي حوالي 24 % بالنسبة للعرب في داخل إسرائيل، وترتفع هذه النسبة إلى 27 % في حال ضم المقدسيين العرب بموجب قانون الضم الاحتلالي، وأمام هذه المعطيات، فإن نسبة المواليد لعائلات يهودية علمانية هي 23 %.

يضاف إلى هذا تقرير أعدته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في الأيام الماضية، نستنتج منه أن نسبة الأصوليين الحالية، والأقرب إلى الواقع تتراوح ما بين

12,5 % إلى 13,5 %، وهذا كتقدير وسطي بين المبالغين إلى الأعلى والى الأسفل.

عبء اقتصادي واجتماعي و"أمني"

ومشكلة ارتفاع نسبة الأصوليين في إسرائيل لا تتوقف عند طبيعة المجتمع، بل هي مشكلة مؤسساتية من الدرجة الأولى، تقلق النظام الحاكم، وجهات التخطيط الاستراتيجي في إسرائيل، لكون الأصوليين، ونظرا لطبيعة حياتهم التقشفية وشبه الانعزالية بغالبيتها الساحقة، هم مجتمع غير منتج ونسبة الانخراط لديه في سوق العمل تقل عن 40 % من بين من هم في جيل العمل، اضف إلى أنهم يعملون في قطاعات محددة، والمصدر الأكبر لمعيشتهم هي المخصصات الاجتماعية الحكومية.

ولهذا نقرأ في إسرائيل أسبوعيا عن خطط وحوارات وما إلى ذلك، تبحث عن السبل لانخراط الحريديم في سوق العمل، ولكن واضعي هذه الأفكار يعرفون تماما أنه في الوضع القائم، فلا أمل لإحداث تحول جذري، لأن متغيرا كهذا يضرب المجتمعات الأصولية في الصميم، وينقض الكثير من الشرائع التي تسير بموجبها.

كذلك فإن الحريديم يرفضون الانخراط في جيش الاحتلال، لأسباب ومعتقدات دينية، وأيضا هنا تجري محاولات لدمجهم ولو بصورة جزئية وهامشية في الجيش، وأيضا هذا لم يحقق نتائج، ولكن من الضروري الانتباه إلى أن هذا لا علاقة له بالموقف السياسي، لأن مجتمع الأصوليين يتجه أكثر نحو اليمين واليمين المتشدد، ولكن هذا موضوع آخر قد نأتي عليه هنا قريبا، نظرا لأهمية هذا التطور.

وترى المؤسسة العسكرية والأمنية أن ارتفاع نسبة الحريديم، خاصة بين المواليد وحتى جيل الشباب سيشكل أزمة كبيرة بالنسبة لإسرائيل في السنوات اللاحقة، على صعيد قانون التجنيد الإجباري، فهذا عبء "أمني" سيبقى ملقى على كاهل العلمانيين والمتدينين الليبراليين، كما هو الحال بالنسبة للعمل والإنتاج وخزينة الضرائب.

هناك شبه توافق في إسرائيل، على أن إسرائيل تتجه نحو أزمة اجتماعية داخلية في العقدين المقبلين، وهذا ينعكس أيضا على شكل القرارات الإسرائيلية الاستراتيجية على مختلف المستويات، بدءا من الصراع الإقليمي، وسياسية التمييز العنصري ضد فلسطينيي 48، وحتى مشاريع لفرض توزيعة سكانية في المناطق المختلفة، لتخفيف الاحتكاكات المفترضة بين الجمهورين العلماني والديني مستقبلا بقدر أكبر.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: