د. أنور عشقي - مكة أون لاين 5/5/2014
يروي رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والقانونية الدكتور أنور عشقي، تفاصيل زيارتيه إلى إيران اللتين تفصل بينهما 35 عاما: الأولى 1979 وذلك في الأيام الأخيرة لحكم الشاه محمد رضا بهلوي قبل سقوط نظامه نتيجة الثورة الإسلامية التي قادها الإمام الخميني، والثانية قبل قبل شهر حينما أوحت له الأوضاع في طهران بأن النظام يعيش اليوم أياما تشبه الأيام الأخيرة للاتحاد السوفييتي. ويرى أن النظامين هدفهما واحد هو إعادة الحكم الفارسي.
وإذ سجل عشقي المتغيرات التي شهدتها طهران بناسها وأزيائها وسياراتها بشكل دراماتيكي، كشف عن محاوراته مع مسؤولين في الخارجية الإيرانية والتي أظهرت أن كلام طهران عن تحسين علاقاتها مع السعودية هو مجرد كلام لا يرتقي إلى الفعل أبدا.
كانت رحلتي الثانية إلى طهران في 14 جمادى الآخرة الماضي، بدعوة من مركز الدراسات الاستراتيجية التابع لوزارة الخارجية الإيرانية، بناء على رغبة من سفير طهران الدائم لدى منظمة التعاون الإسلامي.
كانت الزيارة الأولى في 1979 ضمن طلاب كلية الأركان السعودية، وذلك قبيل رحيل الشاه، حينها كانت المظاهر الإسلامية معدومة في إيران، لكنني وجدت فيها التقدم في العلم والقوة في السلاح، فسألت الله أن تعود إيران إلى حظيرة الإسلام.
وقت الاستجابة
لم أكن أعلم وقتها أن الدعوة كانت في الأوقات المستجابة، لكن عودة إيران جاءت بغير ما كنت أتمنى ويتمنى معظم المسلمين في العالمين العربي والإسلامي.
فالقائمون على التغيير الذي حصل بقادة الإمام الخميني الذي قاد التغيير تحت عنوان «الثورة الإسلامية»، لم تتغير أهدافهم عن أهداف الشاه الذي كان يرغب بعودة الحكم الفارسي، فخلع القائمون على ثورة 1979 عنهم ثياب العلمانية، ولبسوا ثياب الدين ليصلوا إلى أهدافهم الفارسية.
موجة متغيرات
ووسط هذه الموجة من المتغيرات، تغير بعض معالم وجه طهران، فالترف الذي كان سائدا في الماضي انقلب إلى تقشف، والسيارات الفارهة التي كانت تسير في شوارع العاصمة الإيرانية، أصبحت قديمة ومتهالكة، وغدا الحجاب الأسود يغطي أجساد النساء، وربطة العنق اختفت من أعناق الرجال.
لكن جمال الطبيعة ظل كما كان، وجبل البرز قائم على شمال طهران وقد اعتم بعمامة من الثلج، والأمن مستتب، والوجوه لا تزال تحمل مسحة من الابتسام.
مطبخ القرارات
صباح الثلاثاء أخذنا المرافق إلى وزارة الخارجية، قسم الدراسات، لزيارة السفير الدكتور هادي سليمانبور المدير التنفيذي لمركز الأبحاث والتعليم الدولي، وهو المركز الذي تطبخ فيه القرارات السياسية.
كان السفير هادي متطلعا إلى تحسين علاقات بلاده مع المملكة العربية السعودية، ولقد عبر عن رغبة إيران في ذلك، فقلت له: قبل عام كنت في اجتماع مع الرئيس الباكستاني السابق آصف زرداري الذي طلب لقائي عندما شاركت يومها في أحد المؤتمرات، وقلت له: إذا أردت لباكستان أن تحلق في سماء العلاقات الدولية، فما عليك إلا أن تذهب إلى شريكك الاستراتيجي الصين، وتعملا معا على حل القضية السورية، وإيقاف الحرب الدامية هناك والتي أودت بحياة عشرات الآلاف من السوريين، فأيد ذلك، لكنه لم يكن في مستوى المسؤولية والمغامرة السياسية.
واليوم أقول لكم: إذا أرادت إيران أن تحسن علاقتها مع السعودية، فما عليها إلا أن توقف شلال الدم في سوريا، فوافق على أن تتعاون معها السعودية.
وعندما سألني عن الآلية قلت: تشكيل حكومة وحدة وطنية تعيد بناء الدستور على أسس العدالة والديمقراطية، وتساعد على إجراء انتخابات نزيهة، وتخرج الرئيس السوري بشار الأسد من الساحة السورية.
الأيام الأخيرة
لقد عقدت خلال هذه الزيارة، 6 لقاءات مع مراكز دراسات إيرانية مختلفة، كان آخرها لقاء مع الدكتور حسين أمير عبداللهيان وكيل وزارة الخارجية للشؤون العربية.
وبعد أن تكلمنا عن القواسم المشتركة التي تجمعنا وعلى رأسها الإسلام، قلت له: أرى إيران وكأنها تعيش الأيام الأخيرة التي عاشها الاتحاد السوفيتي.
لقد قررت الولايات المتحدة الأمريكية أن توجد ما يسمى بالشرق الأوسط الكبير، فأدخلت إيران وإسرائيل وتركيا.
إسرائيل فرضت على نفسها العزلة لأنها تتلكأ نحو السلام، وإيران أرادت أن تعيد المجد الفارسي أيام داريوس الأول عندما سيطر على البابليين في العراق، والكنعانيين في سوريا، والفينيقيين في لبنان، ووصل إلى البحر الأبيض المتوسط.
كما استيقظت الامبراطورية العثمانية في أحلام الحكام في تركيا، وقرروا مد الأناضول إلى البحر العربي، وحدث بين الدولتين الصدام الاستراتيجي في سوريا، واشتعلت الحرب الأهلية.
إن إيران لن تستطيع أن تكون دولة عظمى لأنها محدودة الثقافة واللغة، محدودة السكان، محدودة الجغرافيا، كما أنها تعاني من تعدد القوميات: فالآذاريون يريدون الاستقلال، والأكراد يتطلعون إليه، والعرب يشعرون بالحنين إلى عروقهم، والبلوش يجنحون نحو الاستقلال، فليس أمام إيران وتركيا إلا أن تعملا مع المنظومة الإسلامية لإجراء الحوار مع العولمة.
أيد عبداللهيان ما قلت وأخذ يلمح إلى أمور ادعتها إيران وصدقتها، فقال: إن التدخل في البحرين يسبب لهم إزعاجا، وكذلك دعم المعارضة في سوريا، لكننا نرغب في تطوير العلاقات مع السعودية.
لغة الاستراتيجية
قلت له: هناك فرق بين الاستراتيجي والدبلوماسي، فالاستراتيجي يعرض الحقائق لتبنى عليها الخطط والقرارات، والدبلوماسي يلمح إلى الحقائق ولا يعرضها بوضوح ويسعى إلى التقارب دون الوصول إلى حل للمشكلات، فدعني أتكلم باللغة الاستراتيجية.
وقلت له: إن سياسة السعودية تقوم على عدة ثوابت فهي لا تسمح لصديق أو عدو أن يتدخل في شؤونها الدينية ولا تسمح لصديق أو عدو أن يتدخل في شؤونها الأمنية، ولا تسمح لصديق أو عدو التدخل في شؤونها السيادية، وما عدا ذلك يعتمد على المصالح والمعاملة بالمثل.
والسعودية لم أعلم أنها أضرت بالمصالح الإيرانية، ولم تتدخل في شؤونها، ولا ترضى لإيران أن تتدخل في شؤون دول مجلس التعاون الخليجي ولا الدول العربية، ومع هذا فقد حرصت المملكة على سلامة إيران وسوريا وأمنهما.
تفجير الخبر
في 1996 حدث انفجار الخبر «شرق السعودية» وأدى إلى مقتل 19 أمريكيا، وأثبت التحقيق أن إيران وسوريا وراء ذلك، وأن بعض الذين نفذوا العملية فروا إلى إيران.
طلبت الولايات المتحدة الأمريكية وقتها المشاركة في التحقيق الأمني، كما طلبت الاطلاع على نتائجه، إلا أن السعودية لم توافق على هذا الطلب لأنها تدرك أنه لو تبين للولايات المتحدة الدور الإيراني - السوري، فستتعرض هاتان الدولتان للانتقام، وبسبب ذلك ساءت العلاقة بين أمريكا والسعودية لأن المملكة لا ترضى أن تتعرض إيران وسوريا للخطر.
أما البحرين فإن المملكة تدخلت بطلب من القيادة السياسية وفي إطار قوات درع الجزيرة، وبناء على النظام التأسيسي لمجلس التعاون، وكانت الولايات المتحدة أول من اعترض على هذا التدخل.
أما القوات السعودية فإنها لم تتعرض للشعب البحريني، بل قامت بحماية المنشآت الحيوية، لكن المملكة خشيت أن تتدخل إيران فتعمد الولايات المتحدة إلى تحرير البحرين بالقوة، ومن ثم تجد المبرر لتدمير إيران كما حدث في العراق.
العدو الأول
معالي السفير: لقد كان السفير الأمريكي بوزارة الخارجية فريد هوف في هذا المكتب منذ شهر يناقش قضايا العلاقات مع إيران، وبعدما عاد تكلم في الكونجرس الأمريكي وقال لأعضائه: تقول إيران إن عدوها ليس إسرائيل ولا أمريكا، بل السعودية، عندها بعثت برسالة الكترونية إلى السفير هوف وقلت له: إننا في مركز الدراسات نرغب في توثيق المعلومات، فهل ما ذكرته صحيح؟ أجابني قائلا: نعم وكان ذلك في معرض الحديث عن الأزمة السورية.
بعثت بهذه الرسالة ورسالتي إلى السفير حميد دهقاني «سفير إيران ومندوبها الدائم لدى منظمة التعاون الإسلامي في جدة» وقلت له: إنكم تقولون بأنكم ترغبون في علاقة جيدة مع السعودية وها هم يقولون في الخارجية الإيرانية إننا العدو الأول لهم.
عندها أسقط في يد السفير عبداللهيان، فقال لي: دعنا نفتح صفحة جديدة. فقلت له: العلاقات تتحسن في البداية على الأرض، فعلى إيران عدم التدخل في الشؤون العربية، وإيقاف الصراع المذهبي، وإيقاف الحرب في سوريا.
وانتهى الحوار بإلحاح على عودة اللقاء، وعدت مع زملائي في اليوم الثاني للسعودية. إن إيران دولة مسلمة وجارة لا يمكن الاستغناء عنها، لكننا نريد جارا حميما ومسلما صادقا، يجمع ولا يفرق، يحمي ولا يهدد، يشد أزر الصديق، يرد كيد العدو، لقد تعلمنا من قادتنا كثيرا، ولا بد من أن نبين ذلك.