الجهاد الشامي.. مآلات واجتهادات
الجمعة 30 مايو 2014

 

 شادي بن مهدي – موقع نور سورية 21/5/2014

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد:

فلقد ترددت كثيرًا في نشر هذا البحث، أما والأحداث تتسارع، حتى اتخذت طابع المواثيق، تعقبها الردود، تعقبها البيانات، ثم الاتهامات، ولما ينقمع سعار التكفير عند خوارج الدولة بعد، فإني رأيت أن أستعين بالله في عرض هذه الكلمات على إخواني، فتكون مدارستها على نطاق واسع، فلا تكون مقتصرة على دائرة ضيقة كما كنت أهوى، وليس هذا في سياق الانتصار لحزب أو جماعة، وإنما هو سرد لبعض المآلات المحتملة للجهاد الشامي، وبحث عن سياسة شرعية نتحرى فيها مطابقة مراد الله فيها، فنكون قد هيأنا لكل خيار زاده وعدته من الأسباب الشرعية والكونية.

ومع طمعنا بربنا أن يجعلها خير مآلات فإننا نستحضر منها ما نحذر، فنعد لذلك عدته. واعلم أخي القارئ أنني لا أتبع أية جماعة تنظيميًّا، وتربطني بأكثر الفصائل علاقة الأخوة والتناصح بشكل مباشر أو غير مباشر، ومع أن التواصل مع بعضهم أوثق، لما أجد في مسيرهم من الصواب والمؤهلات ما لا أجده عند غيرهم، لكني أحسن الظن بجميع المجاهدين وأحبهم وأخص الجبهتين.

وأشهد الله أني بريء من صنم الديمقراطية، كافر بطواغيت العرب والعجم كيف وقد خبرتهم عن كثب، وكنت حبيس سجونهم في أكثر من دولة قرابة عقد من عمري، وسوف أحيا على ذلك وأموت عليه إن شاء الله. وإنني أرى أن السلفية الجهادية إذا هذبت وجددت هي أقرب المناهج إلى الصواب، وراجع تغريداتي القديمة.

وبعد هذه المقدمة التي قدمتها كيلا يحمل كلامي على ما لا أريد: أشرع في المقصود بحوله تعالى وقوته، وأستهديه في كل منطوق من كلامي ومفهوم.

انطلاقة جهادنا الشامي كانت ثورة شعبية، تحولت إلى دفع لصيال الباطنيين، فلولا ذلك ما قامت سوق جهادنا، ولما راجت بضاعتنا، ولله في ذلك حكمة وتدبير.

بضاعتنا قبل الثورة كانت كاسدة، وتجاربنا جلها مزجاة تفاوتت بين بلد وآخر جودة ورداءة، وجمع بينها ما قرره حذّاق النظر كأبي مصعب السوري وغيره، كنا وما نزال ننشغل بالميدان عن التخطيط، وباللحظة الراهنة عن الخطة الشاملة، ونبني خطتنا على افتراض واحد، ونقاد بسهولة عن طريق إدارة ردود الفعل.

دلالة النصوص قطعية على إثبات تفرد الرب تعالى في الحكم، ووجوب التحاكم إلى الشريعة، والدعوة إلى ذلك، ثم امتثاله واقعا من أعظم المهمات وأجلها.

محل البحث والمدارسة الآن هو الوصول إلى ذلك بتمكن ورسوخ، وتفاصيل الخطوات الموصلة إلى المقصود في الواقع الحالي لبلاد الشام على وجه التحديد، وإذا أردت المثال فانظر إلى إجماع الجماعات على خطأ إعلان الخوارج دولتهم من حيث المبدأ، وأنه لا يوصل للمراد قبل أن ينعقد الإجماع على أنهم خوارج، وانظر إلى فشل جميع تجارب الجهاديين في كل البلاد في الوصول إلى تحكيم الشريعة برسوخ وتمكين واستمرار.

وأما الطالبان فهي نموذج يتفق الجميع على توفر عوامل أدت إلى تمكينهم إلى حين، ولولاها لكان شأنهم في ذلك شأن غيرهم؛ لأن سنن الله لا تحابي أحدًا. والحقيقة أن دفع الصائل على مدار التاريخ كان بوابة التمكين، وسيادة الشريعة (قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا) إلى قوله تعالى: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) بيد أن الوصول من البوابة إلى ذلك المقصود دونه مفاوز وعقبات ومراحل، يحرقها إخواننا الآن، وأرى في الأفق فشلًا ذريعًا إن لم نستدرك، والله المستعان.

ولأن دفع الصائل فرصة تاريخية للأمة، وبوابة مهمة لإبراز المنهج الرباني الصحيح تم دعم دولة الخوارج لإفساد هذا الرونق وإعادة الأمور إلى الوراء.

يتحمل إخواننا في قيادة تنظيم قاعدة الجهاد المسؤولية الشرعية والأدبية عن نشوء دولة الخوارج واستمرارها بجرائمها لسنوات في العراق، ثم سوريا، وهيهات التملص من هذه المسؤولية بتأويلات ومعاذير، ومع ذلك فليس بالذنب الذي لا يغتفر ويوجد من الحسنات ما يرجى أن يمحوه، ولكن ذلك منوط بالإصلاح.

وحتى تعلم أن رفع الشعارات وإعلان الغايات مع حرص الكثيرين عليه والتدقيق في أمره لا يكفي بمجرده للوصول إلى المقصود، فاسأل نفسك لماذا لم تنضم جبهة النصرة إلى الجبهة الإسلامية بعد إعلان الجبهة الإسلامية ميثاقها، وقد كان ذلك في حياة أبي خالد السوري رحمه الله، وقد كانت الظروف المعينة على إنجاح تلك الخطوة أفضل بكثير من الآن، ونحن نلتمس للجبهتين المعاذير، والمقصود هاهنا إثبات الهوة بين الشعارات والواقع. وأرى لب الموضوع وجوهر البحث هو قدرة أهل الشام في واقعهم الراهن على تحكيم الشريعة وإعلان دولة إسلامية؛ لأن التكليف منوط بالعلم والقدرة بالاتفاق. وسوف نتجاوز شرط العلم مع أن كثيرا من المسلمين على أرض الشام الآن ليست لديهم الخلفية الشرعية، ولا مستوى التدين الذي يؤهله لفهم هذا التكليف أصلًا.

ونتجوز بالقول إن ذلك يمكن بيانه بطرق متعددة، مع أن مجرد البيان لا يكفي دون تربية على هذا المبدأ كي يكون مستعدًا للتضحية والبذل في سبيل الله. بملء الفم أقولها إن الجماعات الجهادية لو اتحدت كافة فلن تستطيع إقامة الشريعة على أرض الشام، ما لم يحمل معها المجتمع هذا التكليف بصورة أو أخرى، والمجتمع ليس في وارد حمله؛ لأن من تبعاته فتح معارك جديدة داخليًّا وخارجيًّا لشعب منكوب مشرد، بل لعله لا يصبر معنا على سقف إسقاط النظام إلا بجهد مجتمعنا المسلم، خليط بين قوم نشؤوا في ظل حكم البعث لعقود فأعانوهم بأنواع مختلفة من المعونة، فمنهم المرتد ومنهم الظالم لنفسه ومنهم من كان مكرها، فبدأت الثورة السورية بأقوام منهم من سبق ذكره، فعاد منهم إلى الله قوم فحسنت توبتهم، وبعضهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وقوم ظاهروا المرتدين، ومنهم قوم أحبوا دين الله، لكن تلقوه عن شيوخ الصوفية بمراتبهم المتفاوتة، فظهر منهم أبطال مجاهدون سطّروا الملاحم، وكان منهم الرديء وما بين ذلك، ومنهم قوم على الفطرة يمتثلون ما يتيسر لهم تعلّمه من دين الله فيقبلونه ويقبلون به على الله، وكان فيهم خير كثير كامِنٌ قد استخرجه الله من قلوبهم، ومنهم قوم هم نخب إيمانية من مناهج متعددة، قُتل وأسر منهم الكثير في استنزاف المعارك مع النظام، وكان ذلك مرادًا لذاته من أعداء الداخل والخارج.

وكثير من الأصناف السابقة في الداخل والخارج هم أغلبية صامتة الآن، لم يقولوا كلمتهم بعد، وهم منشغلون في مكابدة شظف العيش وتبعات الحروب، ولقد رأينا في فتنة الهدن من بعضهم ما يغلب على الظن أن يسعّر ثورة ضد المجاهدين، فحاول المجاهدون احتواءهم ولا يزالون، وإن شئت سميت لك الأماكن، فكيف بهؤلاء إذا أغرتهم بنا الدول بعد إسقاط النظام، وحتى قبل ذلك، بإعادة الإعمار وتأمين الاحتياجات وعلاج المرضى، وشرطوا ذلك بالتبرؤ من المجاهدين.

ماذا سيصنع المنظرون والمتحمسون آنذاك غير وعظ الناس وإرشادهم، وكنا نقول ولا نزال: إن تجارتنا الرابحة دعوة المجتمع وإقناعه بحمل التكاليف، معنا، وخيارهم الآن جزاهم الله خيرا يعين المجاهدين لوجيستيًّا ومعنويًّا وإعلاميًّا، وبعضهم عسكريًّا؛ حيث يراهم يدافعون عن الدين والعرض والأرض، لكن هل سيطيقون الاستمرار على ذلك بعد إسقاط النظام وبداية حقبة جديدة ؟!!

ولا ننسى أن المعركة ضد المجاهدين تدار بشكل منظم من دول بإعلامها ومخابراتها وخلاياها النائمة التي تنتظر الأوامر لإشعال الفتنة بين المجاهدين، مع العلم أن زمام مسار الأحداث أحيانًا ليس في أيدينا وحدنا، بل تمسك به معنا وبغير إرادتنا دول ومخابرات ووسائل إعلام، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

وإذا نظرت في السيرة وجدت أن زمن الاستضعاف استمر سنوات طويلة، ولو شاء الله لجعله دقائق أو أياما، ولكنها سنن الله، والمقصود أن ذلك يحتاج إلى وقت. وقبل ذلك فإن أي صدام غير الدفع يكون المجتمع طرفًا فيه بشكل مباشر أو غير مباشر، فهو مهلكة دينية ودنيوية خاسرة لا تحقق المقصود في إعلاء كلمة الله.

وجود نوع من القوة والسلاح لدى الجماعات دون توحد واستراتيجية وتلاحم مع المجتمع في بيئة محيطها شديد العداء لا يحقق شرط التكليف، والجماعات الجهادية مستنزفة أصلًا في معركة النظام، وهاهم الخوارج قد دخلوا على خط الاستنزاف، والغرب يجهز البدائل ويراقب بخبث. وليس المراد إيقاف الجهاد والدفاع عن المستضعفين لأجل دعوتهم، فالجهاد فريضة الوقت، ولكن المراد الانتباه إلى المكر ووضع الاحتمالات وخطط مواجهتها.

على مستوى المناطق المحررة نريد حالة من الهدوء والتغلغل والتجانس مع المجتمع واجتماع الفصائل على ما يحقق الضرورات الشرعية والدنيوية. الكيد البيني العبثي بين فصائل الجبهة الإسلامية يجب أن يتوقف، ولو بانسحاب فصيل منها، شرط أن يكون بالحسنى إلى تحالف آخر يحمل الأهداف نفسها. وكذلك التحفز بين الجبهة الإسلامية وجبهة النصرة، بحيث يكون سقف الخلاف الانتقاد دون التخوين، والبيان دون التحريض، والتنبيه دون المزايدة. فليصرح كل بما يدين لله به، لكن ضمن إدارة حكيمة لخلافات الساحة، بعيدًا عن تحريض الجنود والقواعد وازدراء الآخرين.

نحن كسلفية جهادية مصابون -إلا من يرحم الله- بعنجهية المنهج، والذي تسبب بأخطاء فادحة من أحرار الشام مع فصائل الجبهة الإسلامية.

كان يفترض اغتنام إقبال جيش الإسلام على الجبهة الإسلامية، وتوافقه على سقوفها، بلين الجانب، وخفض الجناح، والابتعاد عن رهاب اتهامه في منهجه وتحركاته. ولست في مقام تتبع أخطاء كل فصيل ونوعية خطئه، فجيش الإسلام كسائر الفصائل، له ما له وعليه ما عليه، ومن أخطائه ما قد عرفه العامة والخاصة.

ولا يزال مرض عنجهية المنهج وهوس الاتهام والتحفظ يتسبب للنصرة بمشاكل قابلة للتطور الكارثي إذا لم تتم معالجتها جذريًّا، وهناك شكاوى على الجميع.

ونأتي على موضوع الرُّخص الشرعية فنقول: إنها زمن الاستضعاف تكون على حد سواء للأفراد والجماعات والمجتمع، بحسب حال كل نوع، مع ضابط وجوب بقاء من يظهر الدين ويستعلن به، كي لا تندثر الرسالة ويدرس الدين، فالدعوات تقوم على ساق العزائم لا في أعماق الرخص.

والرخص الشرعية جزء من منظومة السير إلى الله، والتي روعي فيها بحمد الله ورحمته تفاوت القدرة والتحمل، وعدم تحميل ما لا يطاق. فإن الله ما شرع الرخص إلا لحكم بالغة ومصالح عظيمة، ولكن الدعوات لا تقوم إلا بالعزائم، ولا تنافي بين التكليفين، ولكل منهما أهله. وتجاهل أي جزء من هذه المنظومة أو إلغاؤه خلل فكري ومعوق عملي عن الوصول إلى مراد الله.

إذا أُنزلت السننُ الشرعية والكونية على حال أهل الشام اليوم فلن تجد أن تكليفهم يفضي إلى تمكين تام، وقدرة على إقامة كافة أحكام الدين، ومن زعم غير ذلك فقد كابَرَ الشرع والواقع معًا.

وهذه تغريدات الأخ أبي البراء الشامي:

١- إن من يرى عظم المسؤولية، وحساسية المرحلة، وأهمية الساحة، وحجم المؤامرة، وبالمقابل قلة الكوادر العاملة واستنزافها بالمعارك، وكثرة التنظير.

٢- والمنظرين، وقلة المجاهدين الصادقين الذين يحملون حقيقة مشروع الدولة المسلمة، ويتحملون في سبيل ذلك الأعباء والتكاليف يتيقن أن ساحة الشام.

٣- ستكون أرضًا للإعداد والرباط والجهاد والعلم واكتساب الخبرات، وإن بيننا وبين التمكين الحقيقي عقودًا من الزمن، إلا أن يشاء الله. أدركوا الساحة.  انتهت تغريداته

 إذا كان بيننا وبين التمكين عقود طويلة فماذا نصنع نحن خلالها؟ وماذا يصنع الناس؟ هل يمكننا وقف مسارات الأحداث ريثما ندعو الناس ويتحقق التمكين؟!

ولا ننفي بعد حصول نصر جزئي إمكانية تلمس جماعة ما لدرب العزيمة وسلوكها مشروع شهادة باعتزال للشرور وثبات على المبدأ وربما قتال عليه حتى الموت، ولكن الإشكال الخطير الذي يعترضنا هاهنا هو صعوبة انفكاك ذلك عن مجتمع منهك منكوب إلا بصورة ذهنية مجردة.

ومع أننا نحسن الظن بربنا أن يجعل لنا مخرجًا وينصرنا ويمكننا، لكن ماذا لو أخذت الأمور غير ذلك المسار، وفرض على الشعب السوري عملية سياسية، وقد حصل ذلك في بلاد عديدة من بلدان الثورة، فمناقشة ذلك ووضع الحلول الشرعية للتعامل معه أمر مطلوب.

ونسأل الأفاضل لا غيرهم من أمثال الدكتور القنيبي ماذا لو وصل الأمر إلى طريق مسدود؟ هل ستطلب من الجهاديين استهداف أية عملية سياسية بقوة السلاح؟ أم ستكتفي بإعلان البراءة ونُصح الشعب السوري المسلم، ووعظ الفصائل والجماعات كما فعلت ذلك بزخم في مصر، عندما حكم الإخوان وانخفضت وتيرته بعد الانقلاب؟

ونسأل حزب التحرير الإسلامي وواجهته الجديدة المستنسخة أكرم حجازي، الذي آذى كثيرًا من المسلمين بمؤازرة خوارج الدولة وتبرير أفعالهم، هل في جعبتكم آنذاك غير ما ذكر أعلاه؟!!

ونسأل الدكتور العريدي إذا فرض على الشعب السوري بعد هذه السنوات من الصبر والتضحية عملية سياسية ديمقراطية، أبرأ معك إلى الله منها، فهل ستفجر نفسك في أقرب مركز انتخابي بين ظهراني المسلمين الذين أرهقتهم المجازر فهربوا منها جهلا وسذاجة وقسرا إلى مسرحيات الانتخابات؟!! ومناسبة سؤالي أنه قال: "تحكيم الشريعة أو الشهادة". وإلا فإني أجل أمثاله من الفضلاء عن الإجابة بنعم، فإن تلك الإجابة هي بحال أتباع خوارج الدولة أليق، وحاله إن شاء الله حمل المنهج على علم وبصيرة.

فإن وجد من كان جوابه نعم فلنهيئ آنذاك خطة للهروب، ولنبحث عن مغارات في الجبال وملاجئ في الهضاب نعتصم بها من الخوض في دماء محرمة، قد أطال النصيريون والروافض سفكها على أرض الشام، فصحبة الوحوش في القفار خير لنا من أن نقتل بأيدينا من نجا من عوائل المسلمين من مجازر النصيرية، أو فلنوطن أنفسنا على جبال كجبال الجزائر، وحرب عبثية طويلة لا معنى لها، يرافقنا فيها الخوارج بصحبة خبيثة، يجروننا فيها إلى خارجيتهم، ولتقر أعين جنرالات سوريا وحاخامات اليهود بعزلنا عن مجتمعنا، كما قرت عيون جنرالات الجزائر وقد طال انتظارنا لإنجازاتهم على رؤوس الجبال منذ سنين.

وانظر إلى حال الجماعات التي استهدفت مجتمعات المسلمين بسبب الديمقراطية المشؤومة التي فرضت عليهم أو زينت لهم، وأكثرهم مستضعفون، ستجد الهوة بينها وبين الناس عميقة، والأحقاد عظيمة، فلا هم حكموا الشريعة ولا هم حافظوا على رسالتهم ودعوتهم ومكانتهم بين الناس، وقد كان يسعهم إبراء الذمة وإعلان البراءة والدعوة إلى التوحيد، ومواجهة المكر بالمكر، والخطة بالخطة، بما يحقق الضرورات ويقرّب من المقصود الخطوات، دون صدام مسلح يستزلون إليه لم تتوفر عدته، ولم يتهيأ رجاله، وعبئ المجتمع ضده، فإلى أين هؤلاء يذهبون؟!!

أيا كان المآل فنحن بحول الله بعقيدتنا مستمسكون كقدوتنا عليه الصلاة والسلام؛ إذ يطوف بالكعبة وحولها مئات الأصنام يعلن التوحيد، ويتبرأ من الشرك، فلما أن أعد -فداه أبي وأمي- للأمر عدته بهجرة ومجتمع وجهاد وقدرة عاد إلى مكة فاتحًا، لله خاضعًا، ولأمره ممتثلًا.

وقد علمني_الجهاد أن أشك في كل من يحرض على مصادمة المجتمع المسلم الجاهل بدلًا من دعوته، ولا يدلسن أحد عليكم فيجعل ذلك من التنازل والانبطاح، ولئن ضل أقوام وهلكوا بتتبع الرخص فإن ذلك لا ينسخ بقاء مشروعية الرخص بشروطها وضوابطها من غير إفراغها من مضمونها، وما كان ربك نسيًّا.

أفكلما خرج بلعام، أو ترخّص زنديق حرمنا على المجتمعات والجماعات رخصًا شرعية أبيحت لهم على طريق حمل العزائم والوصول إلى الغايات، فما أعجب ذلك!!

فليضل البرهامي، وليسقط حزب النور، ولتتعفن جماعة أولي الأمر على أعتاب أسيادهم، فما شأن المجتمع السوري المنكوب وجماعاته في ذلك، نعم إن لهم من ذلك العبرة والعظة فحسب، وأما منع الرخص أو التشديد على مباح فليس هذا لعشك يا حمامة فادرجي.

فحنانينكم على أهل الشام، وافحصوا شعاراتكم وإنجازاتكم من عشرات السنين، فما الإخوان المسلمون بأولى بالمراجعة والتصحيح منكم، وإن ما جرى في مصر وتونس ثم ليبيا لعبرة، ليس للإخوان فحسب، بل لكم أيضا ولنا ولجميع الجهاديين، فلا تجعلوه عضين للإخوان فحسب، لهم المرة ولنا الحلوة.

وأقولها بملء الفم: إن أي مشروع يفضي إلى المصادمة مع المجتمع السوري المسلم المنهك وفصائل الجهاد محرم غير مشروع، لا قبل سقوط النظام ولا بعده. وإذ ذاك سيضيع الجهاد وثمراته ضياعًا أشد من ضياعه بالديمقراطية البغيضة، ولن يتحقق المقصود، ولنتعظ بغيرنا ولنحسن معًا تلّقي الكتاب والسنة. وإليك هذه (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).

أقولها صريحة: إذا كان التعاون مع الأركان وغيرها، والتفاهم مع الدول بأقصى حدود الرخص المباحة، ولو كانت بالتحقيق والتأمل مرجوحة... إذا كان ما سبق يحصل به فعلًا وحقيقة إسقاط النظام النصيري، ومنع استمرار محنة أهل الشام لعقود، فلا أشك أن أقل أحواله الجواز، ومن كان لديه رد شرعي على هذا الكلام بحرفه فليأتنا به، وأُمهله كما أمهل ابنُ تيمية مناظريه في الواسطية.

فإن كان الاعتراض على إمكانية ذلك وجدواه فذاك بحث واقعي قابل للنظر والاجتهاد، ولا يتعلق به تضليل ولا تفسيق، فضلًا عما هو أشد من ذلك.

واعلم أن المقصود تنبيه إخواني إلى وجوب إشباع مثل هذه المسائل بحثًا قبل تقريرها، فضلًا عن إطلاق الأحكام عليها ليتلقفها شبابٌ متحمس، فيضل بها.

وبين يدي حشود من النصوص الشرعية بفتاوى الربانيين من السلف والخلف، ومواقف قادة الجهاد ومخضرميه، وأشباه ونظائر من ساحات الجهاد قديمًا وحديثًا، وكذلك كتب كليات الشريعة ومقاصدها وأصول الفقه والاستدلال واستنباطات الأذكياء والحذاق. وإنما أعرضت عن الخوض في تفاصيل ذلك لأني أرى أن أزمتنا أزمة وعي ومدارك وأهلية، تشوبها أحيانا أزمات قلبية والله الهادي.

وإن الموقعين على الميثاق الأخير قد استشرفوا ما سبق من معانٍ واجتهدوا رأيهم وخاضوا مغامرتهم، وأجد ما فعلوه أقرب إلى التضحية منه إلى التنازل. فإنهم اجتهدوا رأيهم واختاروا ما يصلح لحال المسلمين في بلاد الشام مع تيقنهم بما ينتظرهم من سباب وشتائم، فضلا عن التكفير واستحلال الدم، وأقله العتب والانتقاد من قريب حبيب. وإنما يلامون على عدم مشورة إخوانهم في جبهة النصرة وغيرها، فإن الساحة والمركب واحد.

 فليصدر من شاء ما شاء من المواثيق والبيانات والردود، فإنه إذا كان الشرع مرجعنا، فالجميع إخواننا، وقد ولّى زمن هيبة الأشخاص والعواطف والحماسات، بعد ما كشفت طامات التجارب وكوارث الغلو ما عندنا من سوءات.

وأقول لمن يخالفني الرأي من أهل الفضل والأدب: دونك أهل الشام أمامك، هلم معنا ندعوهم ونقنعهم بحمل التكاليف معنا، ولن يقدر علينا إذ ذاك العدو. واستعن بالله وضع معي خطة رشيدة تشمل ملايين المشردين، وعشرات الآلاف من المصابين، وآلاف البيوت المدمرة، وعشرات البلدات الممسوحة عن الأرض، وأول ذلك اجتماع كلمة المجاهدين، فأين هم من ذلك والنظام مستمر في إجرامه ورأس حربته الخوارج والمجتمع الدولي يراقب بصمت وخبث.

وإني أحسن الظن بإخواني أن يرتقي وعيهم وحسهم بالمسؤولية إلى درجة استشراف المستقبل ومواجهته بما ينبغي، مستعينين بالله على ما يرضيه.

هذه تغريدة للأخ أحمد الأسعد: "تاريخ الأمة سجال بين الكَرَّة والفَرَّة، والنهوض والسقوط، والاختلاف والائتلاف، لكن المَعْلَم الثابت في كل الأحوال هو حسن العاقبة وخير المآل" انتهت التغريدة.

وختاما، هذا ما تيسر من الكلام، وقد شرحت مرادي بما تبلغه فصاحتي، فإن اقتص أحد منه وحمّله على ما لا أريد فقد اتبع أهل الزيغ متشابه الكتاب، وحملوه على غير مراد الله، فكلام عبد عيي مسرف على نفسه من باب أولى. هذا وما أصبت فيه فمن الله وحده، وما أخطأت فمن نفس مذنبة ومن الشيطان، وأستغفر الله منه وأتوب إليه.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: