السياسة الخارجية الأميركية تدخل عصرا جديدا مواجهة الإرهاب بـ "الهيب هوب"!
الجمعة 30 مايو 2014

 

 هشام عيدي - مجلة المجلة – 11/5/2014

 

 

في سبتمبر (أيلول) 2009، انتقل تشارلز ريفكين، السفير الأميركي في فرنسا، إلى شمال باريس للاحتفال بجدارية نصبت بكلية مارتن لوثر كينغ بضاحية «فلري لو بل». وقال ريفكين أمام جمهور من المسؤولين المحليين والطلاب والمواطنين: «لقد دعانا الرئيس أوباما لبناء مستقبل أفضل لأطفالنا على أساس التفاهم المشترك والفرص المتساوية». وفسر السفير أهمية الاحتفال بيوم مارتن لوثر كينغ وأهمية قيم الحقوق المدنية التي طرحها الزعيم بالنسبة للمنطقة المحيطة التي كانت ترزح مؤخرا تحت وطأة الشغب. ثم بدأ ريفكين يغني وهو يقف أمام جدارية مارتن لوثر كينغ الملونة والتي تم الانتهاء مباشرة من بنائها أغنية «سوف ننتصر - We shall overcome» بصحبة عشرات من طلاب المدارس الأفارقة والمسلمين.

على الرغم من أن الحضور قدروا تلك اللفتة، أعربت وسائل الإعلام الفرنسية عن امتعاضها من جهود السفير الأميركي؛ حيث ارتأت أنه ليس في وضع يخول له تثقيف فرنسا حول العدالة العرقية. وأشار أحد كتاب المقالات إلى ذلك باعتباره دليلا على «التلاعب الأميركي السري» بالثقافة الفرنسية. وعلى الرغم من ذلك استمرت المساعي الدبلوماسية الثقافية الأميركية في فرنسا وكافة أنحاء أوروبا. والسبب؟ بالنسبة لواشنطن، أصبحت عدم قدرة أوروبا على دمج الأقليات تمثل خطرا على الأمن القومي وكان المسؤولون دائما ما يقولون إن المسلمين الأوروبيين، الذين يشعرون بالإقصاء في بلدانهم، ربما يرغبون في إيذاء الولايات المتحدة. ويعتقد هؤلاء المسؤولون أن أمامهم وسيلة واحدة لتقليل حدة ذلك الخطر وهي الاستعانة بشعبية الثقافة الأفريقية – الأميركية وموسيقى الهيب هوب على نحو خاص.

ونظرا لأن شعور المسلمين الأوروبيين – الذين يعانون من صعوبات اقتصادية، بالإضافة إلى بزوغ نجم أحزاب اليمين المتطرف، وسياسات مواجهة الإرهاب القاسية – بالحصار داخل بلدانهم يتزايد، تؤمن واشنطن بأن نموذج حركات الحقوق المدنية الأميركية والسياسات المناهضة للتمييز العنصري وتاريخ كفاح السود للحصول على حريتهم في الولايات المتحدة يمكن أن يوفر اللغة التي يمكنها التعبير عن مظالمهم والدافع لمعالجة تلك المظالم عبر السياسة. ففي النهاية، طور الأفريقيون – الأميركيون خطابا نقديا فعالا بشأن التمييز العرقي والإمبراطورية تمكن ببراعة من ربط الأحداث في الجيتوهات المحلية بالقرارات التي يجري اتخاذها في المنتديات الدولية. ويتمنى الدبلوماسيون الأميركيون الآن أن يتمكنوا من إقناع المسلمين الأوروبيين بأن ذلك النوع من الخطاب النقدي يصلح لحياتهم الخاصة.

لغة جديدة للتواصل المشترك

تحظى الدبلوماسية الثقافية الحالية لواشنطن بجذور تعود للحرب الباردة. ففي عام 1955، بدأت وزارة الخارجية الأميركية تنظيم جولات رفيعة المستوى لفرق الجاز التي تعمل على الدمج العنصري مثل «ديزي غليبسي»، و«لويس أرمسترونغ»، و«ديوك ألينغتون»، و«بيني غودمان» في الاتحاد السوفياتي وغيرها من دول الكتلة الشرقية. وكان الهدف أن تصبح تلك الفرق رمزا لانتصار الديمقراطية، فيما تعمل موسيقى الجاز كتجسيد للمثل الليبرالية الأميركية. ووفقا لما كتبته المؤرخة، بيني فون إيشن، في دراستها الرائدة حول تلك الجولات التي جاءت بعنوان «ساتشمو يطيح بالعالم»، كانت وزارة الخارجية في الخمسينات تشعر بأن الثقافة الأفريقية – الأميركية يمكن أن تمنح الجماهير التي تشعر بالغضب في ظل الحكم السوفياتي «إحساسا بوجود من يشاركهم معاناتهم وتقنعهم بأن المساواة يمكن تحقيقها في ظل النظام السياسي الأميركي».

وعلى الرغم من أن عازف البيانو، ديف بربيك، ربما يكون قد بالغ في التعبير عن القضية عندما قال إن سفراء الجاز ساعدوا على إنهاء الحرب الباردة، يوافق العديد من الأكاديميين على التقييم الذي قدمه مؤرخ هارفارد، إنغريد منسون الذي أفاد بأن جولات الجاز كانت تمثل «نجاحا منقطع النظير» في الحصول على المزيد من الدعم للولايات المتحدة. ويحيط تفكير مشابه حاليا بدبلوماسية الهيب هوب. ففي عام 2005، وعندما كانت أعمال الشغب ترج أرجاء ضواحي باريس، بدأت وزارة الخارجية إرسال سفراء الهيب هوب – مطربي راب، وراقصين، ودي جي – لتقديم حفلات والتحدث في أوروبا بالإضافة إلى بعض أنحاء أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط. وكانت توني بلاكمان، التي تقدم عروضا فنية تعتمد على الشعر، هي أول من يعمل كسفيرة هيب هوب وتوافق على تقديم عروض في فعاليات ترعاها السفارة في كل مكان بداية من السنغال وصولا إلى إندونيسيا. وقدم الفنانون الذين تبعوا خطاها عروضا وأقاموا ورش عمل وتحدثوا إلى وسائل الإعلام حول وضع المسلمين في أميركا وحاولوا «تصحيح الاعتقاد السائد حول قمع المسلمين في الولايات المتحدة» بحسب تعبير السفارة الأميركية في ماليزيا. واليوم، يجري باستمرار دعوة فناني الراب المسلمين – الأميركيين لتقديم عروض في السفارات الأوروبية، كما تجري دعوة فناني الهيب هوب المسلمين المحليين أيضا.

وربما يبدو مستغربا أن تختار وزارة الخارجية موسيقى الهيب هوب لتمثيل الولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم، ولكن المسؤولين في وزارة الخارجية مثل فرح بانديث، التي ما زالت حتى الوقت الراهن تعمل كمندوبة خاصة للولايات المتحدة إلى مسلمي العالم، يقرون بأن الموسيقى هي لغة للتواصل المشترك أو كما يطلق عليها «lingua franca» بين الشباب – خاصة الشباب المهمش – في كل العالم. وفي تقرير لمعهد بروكينغز، حاولت كل من سينثيا شنايدر وكريستينا نيلسون، منظرتي البرنامج، أن تشرحا أسباب جاذبية تلك الموسيقى، حيث قالتا إن الهيب هوب بدأت كحركة «احتجاجية» ضد النظام الأميركي ولكنها الآن تتردد بين شباب المسلمين المهمشين في جميع أنحاء العالم نظرا لأنها «تعكس الصراع ضد السلطة» وتعبر عن «الألم» الذي يتجاوز عوائق اللغة.

ومن جهة أخرى، لا يبدو مفاجئا أن تلجأ وزارة الخارجية إلى التركيز على مناح معينة من تلك الموسيقى على حساب مناح أخرى، فقد ركزت «على أهمية الجذور الإسلامية لموسيقى الهيب هوب في أميركا»، والتأثيرات الإسلامية التي تأثرت بها تلك الموسيقى. وذكر تقرير بروكينغز أن رواد الهيب هوب كانوا من أبناء المدن المسلمين الذين اتبعوا «التقاليد الأفريقية – الأميركية المسلمة المتعلقة بالاحتجاج ضد السلطة، والتي كان أبرز من يمثلها هو مالكولم إكس». وأكدت بانديث في خطاب ألقته أمام مركز جنوب آسيا بمجلس الأطلسي في أبريل (نيسان) 2010 بأن الهيب هوب يمكنها أن تقدم «خطابا مختلفا» لمواجهة «آيديولوجيا العنف» الأجنبي التي يتعرض لها الشباب.

ومن جهة أخرى، كانت الحكومات الأوروبية أكثر حذرا حيال تأثير الهيب هوب. فمنذ بداية التسعينات، أعرب المسؤولون الفرنسيون عن قلقهم بشأن انتشار تلك الموسيقى – وثقافة السود بشكل عام – بين الشباب الفرنسي المسلم. كما نعت المعلقون الفرنسيون (على غرار العديد من نظرائهم الأميركيين) ثقافة الهيب هوب بأنها مرض ثقافي، وحملوها وزر العديد من السلبيات الاجتماعية للجيتوهات الأميركية في فرنسا، بما في ذلك «نمط حياة الأفريقيين الأميركيين العدائي»، ونشر الثقافة الأفريقية – الأميركية (ثقافة خصم). وفي عام 1994، ونظرا لخوف الحكومة الفرنسية من الأمركة، وإدخال كلمات إنجليزية إلى اللغة الفرنسية مررت الحكومة قانونا يحد من انتشار إذاعة موسيقى الهيب هوب في محطات الإذاعة الفرنسية.

على أية حال، فقد كانت السياسات الفرنسية أكثر قلقا خلال السنوات الماضية بشأن نوع الإسلام الذي ينشر عبر موجات «الراب» ومن ثم تدخلت لمنع بعض الفنانين الذين اعتبرتهم «راديكاليين». وكرد فعل على محاولات مطربي الراب المتطرفين استغلال الهيب هوب للدعوة للعنف، بدأت الحكومات في جميع أنحاء أوروبا دعم الهيب هوب الذي يروج للهوية المسلمة «المعتدلة». وفي أبريل 2007، قدمت وزارة الداخلية البريطانية برنامجا يطلق عليه «منع – Prevent» يعمل على توفير تمويل للمنظمات الإسلامية لكي تتمكن من إنتاج حفلات هيب هوب تقدم مطربي الراب المسلمين الأميركيين والبريطانيين الذين يقدمون «تفسيرات معتدلة» للإسلام. وحذت الحكومتين الألمانية والهولندية حذوها. مما لا شك فيه أن هناك تباينات كبرى في الآراء حول تعريف الإسلام «المعتدل». فعلى سبيل المثال احتفت المؤسسة الثقافية الفرنسية بالفنان الصوفي عبد المالك – الذي يقدم أغاني راب حول حبه للجمهورية – بدلا من خصمه مدين المسلح الذي يستلهم أفكاره من «القوة السوداء». وعلى النقيض من ذلك، كانت واشنطن لديها دائما مفاهيم أكثر ليبرالية بشأن أنواع الإسلام التي يجب نشرها في أوروبا.

وفي فبراير (شباط) 2010، دعا السفير الأميركي في فرنسا فرقة الراب المثيرة للجدل «كيه أوماندو توكسيك – K.Ommando Toxik» لتقديم عرض بمقر إقامته. ولم يسر ذلك المسؤولين الفرنسيين، خاصة وأن الفرقة قدمت عرضا لتكريم ولدين قتلا على يد قوات الشرطة الفرنسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2007، وهي الحادثة التي أعقبتها سلسلة من أعمال الشغب. كما أثار برنامج أميركي آخر، سافر من خلاله مجموعة من مطربي الراب الفرنسيين إلى الولايات المتحدة للالتقاء بالفنانين ونشطاء الحقوق المدنية في هارلم موجة أخرى من الغضب. حيث كان أحد الفنانين الذين دعتهم وزارة الخارجية هو مغني الراب إكوي لابيتي من فرقة «لا روميو» وهي إحدى الفرق التي اتهمها الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي بالتشهير إثر إلقائهم أشعارا حول حصانة الشرطة الفرنسية.

حلفاء غاضبون

تبرز التوترات التي نشأت عن دبلوماسية الهيب هوب أحد أهم الخلافات بين الجهود الحالية والجهود التي كانت تبذل في فترة الحرب الباردة: حيث كانت البرامج السابقة توجه إلى الاتحاد السوفياتي وهي دولة خصم، فيما تركز المبادرات الحالية على الدول الأوروبية الصديقة. وتنفق الولايات المتحدة حاليا ملايين الدولارات للفوز بقلوب وألباب الجاليات المسلمة الأوروبية الساخطة التي عادة ما تقف ضد البرامج التي تقدمها الدول الأوروبية، وهو ما أغضب المسؤولين المحليين الذين يؤمنون بأن الولايات المتحدة تتعدى على سيادة بلدانهم لكي تروج لمصالحها القومية الخاصة. وقد أثبتت البرقيات الدبلوماسية التي نشرتها «ويكيليكس» في ديسمبر (كانون الأول) 2010 صحة تلك الحجة؛ حيث تضمنت العديد من تلك البرقيات انتقادات وجهها مسؤولون أميركيون لحكومات فرنسا وبريطانيا وهولندا نظرا لإساءتهم معاملة الأقليات المسلمة. ويبدو أن الدبلوماسيين الأميركيين قلقون أساسا بشأن العواقب المحتملة للعلاقات بين ضفتي الأطلسي كما أنهم غير مقتنعين بالجهود الأوروبية لمجابهة ذلك «التهديد الجديد». وكانت رسائل السفارة في باريس هي الأكثر إساءة، فوفقا لإحدى البرقيات: «لدى الفرنسيين مشكلة معروفة جيدا فيما يتعلق بالتمييز ضد الأقليات. وما زالت وسائل الإعلام الفرنسية تقوم بتمييز لصالح البيض.. فمن بين كافة المؤسسات التعليمية النخبوية الفرنسية، لم ينم إلى علمنا أية محاولات جدية للدمج بخلاف محاولات «معهد الدراسات السياسية بباريس». وألقت تلك البرقيات باللوم على عاتق الحكومة الفرنسية فيما يتعلق «بالجهل الرسمي بالاختلافات العرقية». وأعرب الدبلوماسيون الأميركيون عن خوفهم من أن يتجه شباب المسلمين الفرنسيين صوب التطرف بالإضافة إلى أن النزاعات الإثنية يمكنها أن تضعف فرنسا إذا لم تتمكن فرنسا على المدى البعيد من أن تمنح الأقليات تمثيلا سياسيا حقيقيا؛ حيث «يمكن أن تصبح البلاد أضعف وأكثر انقساما وربما أكثر تعرضا للأزمات.. وبالتالي تصبح حليفا أقل فعالية».

وفي الوقت نفسه، يقر العاملون بالسفارة الأميركية بأنه من المستبعد أن تقبل أغلبية المجتمع الفرنسي المفاهيم الأميركية حول الاختلافات العرقية والدينية أو الشراكة مع السفارة لمعالجة مظالم المسلمين الفرنسيين. (فقد كانت فرنسا دائما ما تعتبر نفسها محصنة ضد المشكلات العرقية كالتي شهدتها الولايات المتحدة، وكانت تفتخر بتاريخها في توفير الملجأ للأفريقيين – الأميركيين الذين كانوا يعانون من التمييز). وبالتالي، تقترح البرقيات التواصل المباشر مع الجمهور الفرنسي خاصة المسلمين الفرنسيين عبر برامج التبادل الثقافي والمهرجانات والمؤتمرات والظهور في وسائل الإعلام لإبراز أن الولايات المتحدة تحترم الإسلام «وأنها تشارك على نحو طيب في العالم العربي الإسلامي». وأشارت البرقيات أيضا إلى أن المسؤولين بالسفارة يستهدفون أن يشرحوا إلى الأكاديميين ورجال الأعمال كيف تستطيع الاستراتيجيات الأميركية لإدارة التنوع الاجتماعي مساعدة فرنسا على تحقيق قيمها المتعلقة بالمساواة. وسوف يكون الهدف هو خلق جدل عام حول التمييز الإيجابي، والتعددية الثقافية، والهوية المركبة وإقناع الزعماء الفرنسيين بإعادة التفكير في «برامجهم الثقافية» فيما يتعلق بالأقليات. وتشير إحدى البرقيات إلى أن «مثل تلك الجهود سوف تتطلب قدرا كبيرا من الحساسية والحذر والبراعة من جانبنا».

وبالطبع، كان لتلك البرقيات المسربة رد فعل سلبي في فرنسا، ولكن أكثر البرقيات التي أثارت غضب الحكومة كانت برقية كتبها كريغ ستابلتون، السفير الأميركي أثناء ذروة الاضطرابات المدنية بباريس في نوفمبر 2005 والذي قال فيه: «إن المشكلة الحقيقية هي إخفاق فرنسا المسيحية البيضاء في النظر إلى مواطنيها داكني البشرة والمسلمين باعتبارهم مواطنين ولديهم حقوق». وفي حديث في برنامج تلفزيوني، سخر رئيس الوزراء السابق دومينيك دي فولبان قائلا: «تظهر هذه البرقية حدود الدبلوماسية الأميركية». وأضاف أن الدبلوماسيين الأميركيين كانوا يفهمون عبارة «شغب الضواحي» من خلال تاريخهم الخاص والذي ينظر لتلك الأزمة المدنية بفرنسا عبر المنظور الديني. ومن جانبها، فإن وسائل الإعلام الفرنسية كانت غاضبة على نحو خاص من الكشف عن أن الولايات المتحدة كانت تعمل سرا على تشكيل خطاب وسائل الإعلام الفرنسية بشأن الدمج العرقي. ومع ذلك فإن أكثر ما أغضب الفرنسيين كان جهود السفارة الأميركية لتمكين الأصوات المسلمة الفرنسية «المعتدلة». وكانت إحدى أكثر المنظمات المسلمة التي عملت السفارة الأميركية على تأييدها هي المجلة الإلكترونية Oumma.com التي تركز على شؤون المسلمين، والتي وصفها السفير الأميركي باعتبارها «موقعا مميزا». وقد بدأ المحافظون الفرنسيون، الذين يعتبرون الموقع متطرفا نظرا لتعاطفه المزعوم مع جماعة الإخوان، يتهمون الحكومة الأميركية والمسلمين الفرنسيين بالتآمر لهدم التقاليد العلمانية الفرنسية. (وأعربت الصحافة البريطانية عن غضب مشابه إثر البرقيات المسربة التي أشارت إلى حملة السفارة الأميركية «السرية» للتواصل مع المساجد «الراديكالية» بما في ذلك مسجد «فنسبار بارك» بشمال لندن والذي كان يتردد عليه كل من زكريا موسوي الذي اشتهر بلقب «المختطف العشرون» وريتشارد ريد المعروف «بمفجر الحذاء»).

وعلى الرغم من مرور عامين على الكشف عن البرقية، ما زالت الهستيريا الفرنسية لم تخفت، فبعض المحافظين تحدثوا حول المسلمين باعتبارهم حصان طروادة الذي يعمل نيابة عن الولايات المتحدة، فيما قارن البعض الآخر الرحلات التي ترعاها وزارة الخارجية الأميركية إلى «هارلم» بالرحلات التي كان يرعاها الاتحاد السوفياتي في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي والتي كانت تحث المثقفين الفرنسيين على الاستفادة من التجربة الاشتراكية في المقام الأول. وفي أبريل 2008، نشرت صحيفة «لوباريزيان» اليومية قصة لا أساس لها على صفحتها الأولى تزعم أن الاستخبارات الأميركية بدأت برامج خاصة في الضواحي، وما زالت نشاطات وكالة الأمن القومي الأميركية تتصدر عناوين الصحف الفرنسية حتى الآن.

اللعب على وتر الجماهير

ومن جهة أخرى، قوبلت برامج دبلوماسية الهيب هوب التي قدمتها واشنطن بانتقادات أخرى داخل مجتمع الهيب هوب ذاته. فقد أثارت تلك البرامج جدلا محموما حول الغرض من الهيب هوب وبشأن ما إذا كان صناع «موسيقى الاحتجاجات يجب أن يعملوا مع الحكومات أو يقبلوا دعوات السفارات. ووفقا لما قاله مغني الراب الإنجليزي الشهير لوكي: «لقد تمكن الهيب هوب من كشف السلطة وتحديها ولكنه لم يعمل أبدا على خدمتها. فعندما تحب الحكومة الأميركية نفس مطربي الراب الذين تحبهم، يجب أن نتساءل من الذي يخدمه فعليا هؤلاء المطربون؟

والمفارقة الكبرى هي أنه على الرغم من إعراب مطربي الراب اليساريين والصحافيين الأوروبيين المحافظين والسياسيين عن غضبهم، أعرب شباب المسلمين الذين كانوا هدفا لتلك المبادرات عن تقديرهم الكامل لتلك المبادرات. فإذا كان الهدف هو خلق انطباع إيجابي عن الولايات المتحدة بين المسلمين الأوروبيين، فإن البرنامج نجح في تحقيق ذلك الهدف. وعلى نحو خاص في فرنسا، بدأت الآراء الإيجابية حول الولايات المتحدة تتزايد بحدة في فرنسا منذ 2008 بين شباب المسلمين. فيبدو أنهم لا يمانعون أن يصبحوا هدفا للبرامج الثقافية التي تقدمها الحكومة الأميركية لأنهم لا يشعرون بأنهم يتعرضون للتمييز. فقد قالت وداد كفتي، المدونة التي تبلغ 27 عاما وشاركت في البرامج التي ترعاها السفارة في حوار مع «التايمز» أنها كانت تعلم أن السفارة الأميركية هي التي دعتها لأن لديها خلفية كجزائرية مسلمة ولكنها أضافت: «ما يزعجني أكثر هو أن أصبح هدفا للدولة الفرنسية».

وأخيرا، يتمنى العديد من النشطاء المسلمين أن تمكنهم علاقتهم الجديدة بسفارات الولايات المتحدة من الضغط على حكوماتهم لكي تصغي لمظالمهم. فيقول روخايا ديالوا، المنظم الفرنسي – السنغالي والذي يعمل من كثب مع السفارة الأميركية في باريس: «إن السفير الأميركي يظهر في الضواحي أكثر من وزراء البلد.. لماذا إذن؟» يعد طرح ديالوا لمثل ذلك السؤال إنجازا لدبلوماسية الهيب هوب التي تتبعها واشنطن. بل إنه سيصبح إنجازا أكبر إذا ما شعرت الحكومة الفرنسية بأنها مضطرة للإجابة عنه.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: