جولة الصحافة\ العدد الخامس والثلاثون - جمادي الأولى 1427هـ
حتمية الحرب على إيران؟!
الأحد 18 يونيو 2006
أنظر ايضــاً...
حتمية الحرب على إيران؟!
مأمون فندي - الشرق الأوسط 8/5/2006

هذا المقال ليس دعوة للمواجهة مع إيران، وإنما يدعى بأن هذه المواجهة حتمية وذلك لمجموعة ظروف موضوعية داخل إيران تحكم السلوك الإيراني، وكذلك ظروف إقليمية تحكم سلوك دول الجوار وظروف عالمية تحكم سلوك واشنطن، فمهما قال أحمدي نجاد أو حتى رفسنجاني، فان وضع إيران بعد إعلان التخصيب يختلف عن وضعها قبل التخصيب، وان هناك محركات داخل النظام السياسي الإيراني تدفع الدولة في اتجاهات ربما لم تفكر فيها او في تبعاتها من قبل، كذلك مهما ادعى الأمريكيون والأوروبيون بأنهم يفضلون حلا دبلوماسيا، إلا ان نتيجة التفاعلات الدولية بين بعضهم البعض وبينهم وبين واشنطن قد تحرك عجلات الحرب (الضربات الجوية على الأقل) وتخرس الدبلوماسية.
ودعني أفسر أكثر فيما يخص كل من إيران ودول الجوار والاتحاد الأوروبي (أو الثلاثية) والولايات المتحدة. ماذا يعني التخصيب بالنسبة لإيران وكيف يفهمه الأمريكيون ودول الجوار وكيف تفهمه أوروبا؟!
أولا ماذا يعني التخصيب بالنسبة لإيران؟!
حدثني عائد من إيران قائلا انه وبعد زيارته لها يجد نفسه مقتنعا بان «إيران لن تتراجع في مسألة تخصيب اليورانيوم ولن توافق على التخلي التام عن برنامجها النووي» وأسباب إيران كثيرة في ذلك، جزء منها يخص أي دولة تحس بالتهديد فتبحث عن الخيار النووي وجزء منها سياسي يخص الوطنية الإيرانية، ووضعية الثورة الإسلامية في السياق الإسلامي، وكذلك موقع إيران في العالم.
لقد أحس الإيرانيون بعد التخصيب بالفخر الوطني وبالاعتزاز بانجازات علماء الثورة وقدرتهم على تركيب نظام تخصيب ناجح، هذا الفخر والاعتزاز تفتح في الوطنية الإيرانية ذات اللون الإسلامي، ويجعل حراس الثورة يحسون بالنشوة والزهو، فمن الآن فصاعدا سيأخذهم العالم مأخذ الجد، وان موقعهم كقوة إسلامية إقليمية لن يكون محل جدال وان دبلوماسيي العالم سيتجهون إلى طهران من اجل التفاوض، هذا الإحساس يجعل مسألة تراجع إيران مسألة صعبة للغاية، لان أي تراجع عن التخصيب قد يؤدي إلى علاقات أفضل مع الخارج، ربما وهذا أمر غير مضمون، ولكن المؤكد انه سيؤدي إلى حالة إحباط داخلية وحالة انفصام بين النظام ومؤيديه في الداخل وحتى في المنطقة.
إذا ما عرفنا بان سياسة احمدي نجاد الذي كان يزور كل قرية في إيران تقريبا هي النفخ في الوطنية الإيرانية وفي خيال الفخر الإسلامي حتى يبني لنفسه شعبية لم تكن موجودة، فان مسألة الوطنية الإيرانية ستعلو أكثر مع التخصيب ويبقى سؤال التراجع عن هذا المشروع غير مطروح على الإطلاق.
حسب كلام الصديق العائد من إيران «حتى الذين يحتقرون احمدي نجاد من الصفوة السياسية الإيرانية يرون في موضوع التخصيب نصرا إيرانيا، ولا يقبلون بمسألة التخلي عن مشروعهم النووي».
إذن المحركات الداخلية الإيرانية تدفع إلى مزيد من التصعيد مع الجيران بهدف الهيمنة على الخليج، وتدفع إلى التصعيد مع أمريكا بهدف الندية، فعلى أمريكا أن تحاور إيران حول العراق، وحول التخصيب ومياه الخليج، إيران ببساطة تصبح القطب الرئيسي في الإقليم الذي تتحدث معه أوروبا أو أمريكا فيما يخص أي ترتيبات سياسية أو أمنية في المنطقة. هذه هي الرؤية الإيرانية، فهل تقبل واشنطن بهذا الوضع؟!
بشكل نظري هناك ثلاث مدارس تتصارع في واشنطن حول كيفية التعامل مع إيران ما بعد التخصيب. المدرسة الأولى هي مدرسة قانونية بحتة، تتعامل مع إيران من خلال مدى التزامها باتفاقيات عدم انتشار الأسلحة (NPT)، وهذه المدرسة تنقسم إلى رأيين يتمحوران حول تفسير مسألة التخصيب، فهناك من يرى أن من حق إيران أن تخصب طالما لم يصل الامر إلى التسلح (Weaponization) وهناك من يرى في التخصيب إخلالا بالتزامات إيران بالمعاهدة ولذا يجب على المجتمع الدولي ان يتحرك، وهذه المدرسة ربما كانت اكثر سيطرة في الايام الاولى، وخصوصا الجناح الذي يرى في التخصيب خرقا للاتفاقات والتعهدات الإيرانية الدولية.
اما المدرسة الثانية في التفكير الامريكي فهي المدرسة الواقعية التي ترى ان التخصيب في حد ذاته هو امر طبيعي، وان معظم الدول ستسعى إلى ذلك طالما ان لديها احساسا بالتهديد من دول الجوار، وان إيران ترى انها ليست اقل من جارتها في الهند وباكستان. هذا الاحساس بالتهديد يجعل كل الدول تقريبا تسعى إلى السلاح النووي كخيار، واذا ما نظرنا إلى حالتي الهند وباكستان سنجد ان باكستان قامت باختبارها النووي فقط بعد شهر من الاختبار الهندي، فاذا ما قالت باكستان إن قنبلتها هي رد على قنبلة الهند فهذا ليس صحيحا، لانه ليس من الممكن لباكستان ان تنتج قنبلة في شهر، المؤكد هو ان كلا من إيران وباكستان كانتا تسعيان للتسلح النووي منذ زمن وذلك نتيجة لاحساسهما بالتهديد. هذا الوضع مفهوم بالنسبة للمدرسة الواقعية، التي تضع مخاوف إيران موضع الاعتبار، وتؤمن هذه المدرسة بالردع كسياسية للتعامل مع إيران او مع غيرها.
المدرسة الثالثة وهي المسيطرة وكذلك هي الاهم، هي المدرسة التعليمية التي تنظر إلى موضع السلاح النووي من منظور قيمي، بمعنى ان السلاح النووي مع اسرائيل او مع الهند هو امر مقبول لانها دول ديمقراطية ولن تستخدم هذا السلاح بشكل عشوائي غير مسؤول، لكن ذات السلاح مع باكستان او إيران يكون امرا مقلقا، لانهما دولتان غير ديمقراطيتين، وربما لانهما ايضا، وهذا لا يقال صراحة، دولتان اسلاميتان.
مهم ان نعرف ان المنظور القيمي للتعامل مع الاشياء بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر هو المنظور الحاكم لسياسة الرئيس بوش وادارته، فهناك مشروع نشر الديمقراطية وهو منظور قيمي، وهناك موضوع محور الشر وهو تصميم قيمي، وهناك مبدأ «من ليس معنا فهو مع الارهاب» وهو منظور قيمي ايضا، فان كان هذا هو المنظور السائد فلماذا لا يسود ايضا في النظر إلى الموضوع النووي الإيراني، السياسة الناتجة عن هذا المنظور هي تبني خيار ضرب المفاعلات النووية الإيرانية على الاقل من الجو، ان لم تكن هناك قوات كافية للمواجهة مع إيران. على المستوى الاقليمي هناك قلق كبير من إيران النووية، قلق على المستوى الآيديولوجي وكذلك قلق على مستوى التهديد الجيوسياسي المباشر.
فالتخصيب خلق نوعا من الرمادية او الهزة في ذلك الخط الفاصل ما بين الاسلام الاصولي الشيعي والاسلام الاصولي السني، فبعض السنة اليوم منتشون للتخصيب ويهللون له وكأنه نصر لهم، اذ أن مسألة الشيعة والسنة بدأت تتداخل بعد التخصيب، وهذا ما يقلق بعض الانظمة التي لديها شيعة حركيين ولديها اسلام سني ناشط او مخصب ايضا.
كذلك الدول الصغيرة في الخليج تحس بالتهديد الإيراني، وفي احسن الاحوال ترى ان هذا التصعيد الإيراني يدفعها للدخول تحت حماية مظلة امنية ذات فاتورة عالية سياسيا وماليا. بعض هذه الدول ترى ان موضوع تخلي إيران عن مشروعها النووي اساس لأمن الخليج.
وكما ذكرت في مقال سابق، فان احمدي نجاد هو اقرب ما يكون إلى ناصر 56، عندما أمم القناة، ودفع اسرائيل وبريطانيا وفرنسا لاتخاذ اجراء عسكري. أحمدي نجاد قادر على القيام بحركة اشبه بتأميم القناة، مما ستراه اوروبا وأمريكا على انه تهديد مباشر، ويدفعها إلى رد فعل عسكري.
في الصراع الداخلي الإيراني، والذي يبدو فيه احمدي نجاد وكأنه لعبة تحركها قوى خفية لا بد له ان يؤكد انه رئيس حقيقي. وفي محاولة تأكيده هذه سيرتكب كثيرا من الحماقات، تجر الدول العظمى لمواجهة مع إيران. من هنا يكون واضحا ان الوضع في الخليج وواشنطن وكذلك في إيران يجعل المواجهة امرا حتميا لا محالة، مهما انكرت الاطراف. ومهما قال المحللون عن تكلفة هذا الخيار.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: