الحوار الإيراني ـ الأمريكي وأربعة معارضين متناقضين
سعيد بورسينا /بازتاب (الصدى) 26/3/2006
عن مختارات إيرانية السنة السادسة العدد 69ـ أبريل 2006
بدون شك يبدو عالم السياسة معقداً لدرجة أن المتناقضات الواضحة من الممكن أن تحدث تقارباً بين الأقطاب المتعارضة، ويبدو أن العلاقات الإيرانية الأمريكية تندرج في هذا الإطار، فهناك حالة من المواجهة بين البلدين، وهناك طيف من المعارضين الذين يغلب عليهم التناقض.
فإيران دولة كبيرة، تملك قدرة اقتصادية قوية إلى حد ما ومصادر نفطية هائلة، وتعداد سكانها كبير و....، وقد حصلت على مكانة متميزة في لعبة القوة في العالم المعاصر، خاصة وأنها أصبحت منشأ تطورات مهمة في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، بل وأحياناً في القارات الأخرى.
من ناحية أخرى، الولايات المتحدة أيضاً دولة كبيرة تعداد سكانها هائل وتملك أكبر إنتاج قومي، ومع انهيار القطب الشرقي تعتبر نفسها قوة بلا منافس في التطورات العالمية، وتعمل على إقحام نفسها في أي تحد يواجه أي دولة في العالم، لتغير الأحداث لصالحها، حتى ولو كان ثمن ذلك شن الحرب وإرسال قواتها العسكرية إلى سائر أنحاء العالم، وقد حققت حتى الآن انتصارات هائلة في هذا الصدد.
ومن المؤكد أن تاريخ علاقات هاتين الدولتين يرجع إلى أكثر من خمسين عاماً حينما تدخلت بانقلاب عسكري في إيران، وأبقت على الشاه الذي كان الشعب الإيراني قد غضب عليه مدة خمسة وعشرين عاماً أخرى، وقام الساسة الأمريكيون بعد ثورة 1979، حيث هب الشعب الإيراني لتغيير النظام بتجميد الكثير من أمواله وممتلكاته. وبعد فترة قامت جماعة من الطلبة ـ كرد فعل على ما قامت به الولايات المتحدة ـ بالاستيلاء على سفارتها واحتجزوا العاملين بها كرهائن، فأعلن الرئيس الأمريكي في ذلك قطع علاقات بلاده مع الجمهورية الإسلامية، ومنذ ذلك الوقت حتى الآن لا يتوانى زعماء البيت الأبيض عن إظهار عداوتهم للجمهورية الإسلامية.
والشعب الإيراني بمختلف السبل وعلى مدى هذه السنوات وقعت أحداث وقضايا في العالم تتعلق بمصالح إيران والولايات المتحدة باعتبارهما دولتين قوتين، تلعب كلا منهما دوراً فيها، ومن المؤكد أن غلق باب الحوار بين إيران والولايات المتحدة سيعود بفوائد كبيرة على لاعبين آخرين في الساحات الدولية. ولهذا، أحيانا تتبلور مجالات يبذلون قصارى جهدهم لإفشال هذا الحوار وعدم حدوث اتصال بين الطرفين، ولهذا لم تثمر أي من الحالات في هذا الصدد. ومع دراسة اللاعبين الدوليين، وأيضاً قراءة الأحداث الماضية يمكن حصر الفواعل المتعارضة في الأتي:
1ـ إسرائيل.
2ـ القوى الغربية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.
3ـ الدول العربية.
4ـ القوى الثورية وحزب الله المؤيد للجمهورية الإسلامية.
ومع أن هذا الحصر ليس دقيقاً وكاملاً، لكنه يساعدنا إلى حد ما في الوصول إلى نتائج مهمة.
تأتي إسرائيل على رأس المعارضين لتغيير العلاقات بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية وحدوث أي أمر إيجابي فيها، وهذا اللوبي يتمتع بنفوذ وقوة في العالم خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وقد اتضح هذا الأمر جيداً على مدى العام أو العامين الأخيرين في المواقف التي تم اتخاذها ضد البرنامج النووي الإيراني وهددوا إيران أكثر من مرة.
والسبب أيضاً واضح، فالجمهورية الإسلامية هي المشكك الأساسي في وجود إسرائيل، وهي أهم منتقد لعملية سلام الشرق الأوسط، مع أن توجه الجمهورية الإسلامية هذا لم يكن مصحوباً مطلقاً بأي تدخل عسكري، أو تقديم سلاح للمناضلين الفلسطينيين، إلا أنها اتبعت مسيرة اتخاذ المواقف الدبلوماسية والدعم المعنوي والتخطيط الفكري الذي أدى إلى الفوز الديمقراطي للجماعة التي كانت قد تبلورت على أساس رؤية الثورة الإسلامية ـ أي النضال على محورية الإسلام ـ فالصهاينة هم دائماً أول المعارضين للحوار المباشر بين إيران والولايات المتحدة، ومع أنها ليست قاعدة عامة بين الدول الأوروبية، لكن يبدو أن هناك قوة أساسية أوروبية، خاصة بريطانيا يمكن اعتبارها من المعارضين الأساسيين لكافة أشكال التعاطي المباشر بين إيران والولايات المتحدة.
جزء مهم من هذه المعارضة ناجم عن المصالح الاقتصادية الهائلة التي حصدها الأوروبيون على مدى الـ 27 عاماً الماضية. فالمقاطعات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، استفاد منها كثير من الشركات الأوروبية، واستطاعوا أن يحصدوا مكاسب هائلة عن طريق التعاون مع إيران سواء بطرق قانونية أو بطرق التهريب.
منذ أسبوعين، في بريطانيا تم إفشاء أخبار تفيد أن زوجة وزير الثقافة البريطاني كانت ضالعة في إرسال قطع غيار طائرات لشركة إيرانية، وتحاول حكومة بلير التستر على هذا الموضوع، وأعلنت الحكومة أنه إذا كانت زوجة الوزير تعاملت مع "عضو محور الشر" في عملية تبادل قطع غيار الطائرات، فإنها من الآن فصاعداً ليس لها حق المشاركة في الجلسات التي يتم فيها مناقشة موضوع إيران.
كما أن عدم الاتصال المباشر بين إيران والولايات المتحدة مفيدة لأوروبا من عدة جوانب، منها خلق المجال لقيامها بدور الوسيط ولعب دور دبلوماسي، وبلغ هذا الدور قمته على مدى عامين من قيام الدول الأوروبية الثلاث بالتحادث مع إيران بخصوص ملفها النووي، ومع أن آثاره كانت جيدة بالنسبة للأوروبيين، فإنه لم يكن له نتيجة بالنسبة لإيران سوى ضياع الوقت وإفشاء معلومات سرية، ومع ذلك ليس معلوماً هل نقل الأوروبيون رؤى إيران نقلاً صادقاً للأمريكيين، أم أنهم أحدثوا فيها تحريفا يتفق ومصالحهم؟
في هذا الحصر، يتم تقديم العرب باعتبارهم الجبهة الثالثة المعارضة للتعاطي المباشر بين إيران والولايات المتحدة، ومن المؤكد أن المقصود بالعرب ليس كل الدول العربية والإسلامية، بل إنه طيف جدير بالاهتمام من دول المنطقة التي تدخل في منافسة مع إيران، وصفة العروبة طاغية على مواقفه، ولهم علاقات وطيدة جداً مع الولايات المتحدة الأمريكية. ولهذا، فإن تحسناً في التعاطي بين إيران والولايات المتحدة من الممكن أن يعود بالضرر عليهم، كما أنهم يشعرون مع وجود إيران ـ بالنظر إلى مستواها التقني ومكانتها ـ باحتمال خروجهم من دائرة اهتمام الولايات المتحدة، وهذا الأمر ستكون له نتائجه المضرة بهم، من بين هذه النتائج قد يكون فقدان الهيمنة على ثروات نفط وغاز الخليج الهائلة، وما حدث في الأيام الأخيرة تحت عنوان معارضة الجبهة العربية السنية العراقية وأيضاً معارضة عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية للحوار الإيراني الأميركي بخصوص العراق، يأتي في هذا الإطار.
وهناك دول عربية قوية، لها دور خلاق في العالم الإسلامي تعتبر منافساً مهماً لإيران، ومن المؤكد أنها في نفس الساحة لها مصالح مشتركة كثيرة مع إيران.
لكن الجماعة الرابعة القلقة من حدوث تعاطي أكبر وأكثر مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، هي جزء من القوى الثورية وحزب الله المؤيد للجمهورية الإسلامية، وهذه الجماعة تختلف وتتناقض مع الجماعات السابقة، من حيث الهوية فكل حكومة لها أرصدة وطنية تحافظ عليها، وهناك جماعات شهيرة تدخل في عداد هذا الرصيد الوطني للجمهورية الإسلامية الإيرانية، تضحي بحياتها عندما تتعرض الثورة لأي خطر.
إن سابقة العداء بين إيران والولايات المتحدة والهوية الاستكبارية للأخيرة والتي تذكر في ثقافة الثورة الإسلامية باسم "الشيطان الأكبر" تجعل هذه الجماعة قلقة من أن أي تعاطي بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة سيشكك في مصداقية الشعارات التي تم تبينها على مدى أعوام، وأنه سينتهك تدريجياً الهوية الثورية والاستقلال وعزة الجمهورية الإسلامية، إنهم الآن يتساءلون: هل تغيرت ماهية الولايات المتحدة أم أن الحوار بين هاتين الدولتين سيحمل رسالة للشعب الإيراني ومسلمي العالم؟
ومن المؤكد أن أي محاولة من جانب المسئولين الإيرانيين في إطار الحوار أو التعاطي مع الولايات المتحدة لا يمكن أن تحدث متغاضية عن حركات المقاومة، ليس فقط لأن هذه الحركات لها دور أساسي في استمرارية وبقاء وصمود الجمهورية الإسلامية، بل لأن لهم حججهم القوية والأكيدة التي ارتبطت بالهوية الاستقلالية للجمهورية الإسلامية.
هذا التقسيم الرباعي يبين اكثر من أي شيء أن ثمة تناقضاً مهماً يواجه مسئولي الجمهورية الإسلامية، وأي تجاوب مع الولايات المتحدة يتطلب حل هذا التناقض حتى يكون هناك توجهاً محدداً ودقيقاً يقطع الطريق على الجماعات الثلاث الأولى "أعداء ومنافسي الجمهورية الإسلامية" ويضع حداً لمخاوف الجماعة الرابعة، الطريق الذي يحفظ عزة واستقلال وهوية الجمهورية الإسلامية من جانب، ويضمن المزيد من المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية لإيران من جانب آخر.