حضور الزي العربي في قلب طهران،
الأحد 11 نوفمبر 2007
خضوع أم استسلام للمطالب المغيبة..
حضور الزي العربي في قلب طهران، ومخاوف إيرانية من ورقة القوميات
أحمد الدليمي
المجلة 7/10/2007 ( بتصرف )
إن حكومة نجاد وجدت نفسها تستسلم أمام المطالب العربية، وأن توقف الانتهاكات؛ لأن العصر الحالي هو احترام الإثنيات والقوميات، وإذا كان الاستعراض العسكري الإيراني قد أفرد مساحة للقيم العربية الأصيلة فإن الرئيس نجاد وجد نفسه مرتديا الجلباب العربي وهو يزور خوزستان للمرة الأولى.
فاجأت إيران العالم وإقليم خوزستان العربي الإيراني عندما سمحت لكتائب من البسيج والحرس وهم يرتدون الزي العربي (الدشداشة والعقال والعباءة) للمشاركة في الاستعراض العسكري الذي أقيم مؤخرا في طهران قرب مرقد الخميني بمناسبة ذكرى حرب الثماني سنوات، وموضع الاستغراب العالمي والخوزستاني ينطلق من حقيقة أن النظام الإيراني ومنذ تأسيس الثورة عام 1980 تعامل بحذر واستهزاء على حد سواء من اللباس العربي الخوزستاني، وهي الطريقة التي ورثها عن الشاه المخلوع الذي كان يعاقب كل مواطن عربي أحوازي يأتي إلى العاصمة طهران باللباس العربي (العقال و الدشداشة والعباءة) لأنه كان يعتبر لبس الزي العربي هو لبس للتخلف والرجعية، وقد سارت الثورة التي أطاحت بالشاه عام 1979 على المنوال نفسه إلا أنها خففت من درجات الضغط بعد الأحداث الدموية التي شهدتها الأحواز، حيث خرج الآلاف من عرب الأحواز في منتصف إبريل / نيسان 2005 في مظاهرات يطالبون فيها بالمساواة وتحسين أحوالهم المعيشية رغم وجود منابع النفط في مناطقهم، ويطالبون بحريات ثقافية ووقف ما يسمى بفرسنة الشعب العربي هناك، غير أن تلك المظاهرات تم إخمادها بالقوة وقتل فيها عدد من المتظاهرين وتم القبض على عشرات آخرين منهم.
وما يزال إقليم خوزستان بشهد عمليات تفجير متعددة تتهم طهران القوات البريطانية المستقرة في جنوبي العراق بتدبيرها ودعم المجموعات العربية الإيرانية المعارضة. ومن جهتها تبين التنظيمات الأحوازية المعارضة لنظام إيران بأن هذا الإقليم ضم عام 1925 قسرا إلى إيران، وأنها تسعى في سبيل استقلاله ، و تعاني هذه الأقليات التي تقطن الحدود في معظم الحالات من الفروق الواضحة من حيث مستوى المعيشة والتعليم وفرص التعليم والعمل والرعاية الصحية والاجتماعية إضافة إلى شعورهم بأنهم مواطنون من درجة ثانية أو ثالثة أحيانا.
ويبدو أن النظام السياسي في إيران قد أفاق على حقيقة الثقل الذي يمثله العرب في خوزستان، كما أن العمليات الدامية التي يشهدها الإقليم والتي لا يسلط عليها الإعلام كل جهده بسبب مشاغله في العراق. أقول: أفاقت الحكومة الإيرانية على تلك الحقائق وابتكرت أساليب الهدف منها ترويض عرب خوزستان واحتواؤهم من خلال التراخي في الضغوط على العادات العربية والزي العربي المعروف، فنجحت في زج عدد من العرب في البسيج والطلب منهم أن يرتدوا اللباس العربي إرضاء للداخل ورسالة للخارج مفادها أن طهران تحترم العرب ولذلك فهي منحتهم كامل الحرية في إظهار أنفسهم بلباسهم وتقاليدهم أمام سفراء الدول الخارجية، يقول الكاتب الأحوازي سلمان نوري الزبيدي (باحث في الشؤون الإيرانية): إن إيران تعاملت طوال الثمانية عقود الماضية من تاريخها الحديث مع ملف الشعوب غير الفارسية بشكل عام والشعب العربي الأحوازي بشكل خاص من منظار أمني بحت، وهو إفراز لطبيعة تكوينها وطبيعة البنى الأساسية المكونة للنظام السياسي الإيراني، حيث نلاحظ أن هذا الخطاب الأمني والسياسي الإقصائي أفرز ودفع بلاعبين عسكريين وأمنيين لتسيير شؤون الدولة وللتعاون مع الملفات الأكثر إلحاحا كقضية الشعوب في إيران.
وهم كذلك من يحتكر السلطة والثروة والإعلام وكل ما يمت بالحياة اليومية للشعب الإيراني والشعب العربي الأحوازي بصلة. وهذا ما يفسر شدة وشراسة تعامل هذه الأطراف العنصرية مع العرب سواء على مستوى صانع القرار في طهران أو في الإقليم، كما تزداد حدة التعامل خاصة لو أخذنا طبيعة الظرف السياسي والمأزق الذي تعاني منه القيادة الإيرانية، وكذلك أهمية الأحواز من حيث الموارد الاقتصادية والجغرافية السياسية في المنطقة.
والحكومة الحالية التي تمسك بمفاصل السلطة في إيران هي التجسيد الأبرز لإفرازات طبيعة الخطاب السياسي لهذه القومية وهذا التوجه والتي تسمى (القومية الفارسية)، حيث يجتمع فيها التزمت والغلو الطائفي الصفوي وكذلك العنصرية الفارسية بأوضح صورها وتجلياتها الممكنة. وحول السماح للعرب بارتداء الزي العربي في الاستعراض العسكري الأخير قال الزبيدي: (إنني أشك في هذا الموضوع ولا أعتقد أن هؤلاء عرب بل هم فرس والدليل أنهم لم يرتدوا العقال العربي بشكل صحيح؛ لو كانوا يؤمنون بهذا الأمر لسمحوا لطلبتنا أن يدرسوا اللغة العربية وأن يسمحوا لنا أن نسمي أطفالنا بأسماء عربية ليست مفروضة علينا).
وأضاف: (إنني أعتقد أن هذا التراخي جاء بسبب الضغوط الخارجية خاصة تداعيات العملية المذهبية في العراق، فإيران مرشحة للتفجير، لكنها تحاول أن تستفيد من الدرس العراقي بطرق ذكية خبيثة) ويرى الكاتب الأحوازي محمد حسين الأحوازي: (إن مسرحية الظهور باللباس العربي إنما هي نوع من عمليات ذر التراب في وجه الآخرين. وقال: إن الإيرانيين وطوال الفترات السابقة من عمر دولتهم الحديثة تعاملوا مع ملف الأحواز بهاجس أمني مفرط وبقسوة منقطعة النظير والمحرك الأساس في كل ذلك هو النظرة الأمنية الضيقة والحقد التاريخي الدفين ضد عروبة الأحواز). مضيفا (إن الأسلوب الوحيد والقاسم المشترك لكل الحكومات المتعاقبة في إيران لتحديد الأسباب للتناقضات القومية كالملف الأحوازي هو تصدير الأزمة إلى خارج الحدود وربط كل تلك التناقضات والتفاعلات السياسية بالجهات الأجنبية).
وأكد محمد حسين الأحوازي: (إن السماح بارتداء الدشداشة العربية هو نوع من التناقض لأن الدوائر الرسمية في الأحواز لا تسمح للموظفين حتى كبار السن بارتداء الدشداشة؛ كما أن مسؤولي السلطة لا يريدون لفتياتهم أن يرتدين الحجاب العربي ويؤكدون على اللباس الإيراني في موضوع الحجاب لدوام الرسمي. وقد توارثت الحكومة الحالية من الحكومات السابقة الاستهزاء والازدراء للعربي وإرثه الثقافي والحضاري، ويطلقون على العربي كلمات مثل الجاهل والمتخلف والأحمق) وأشار إلى المجازر التي ارتكبتها الحكومة ضد الأحوازيين بقوله: (إن أقوى تلك المجازر هي تلك المجزرة في الأربعاء الأسود على يد الأميرال أحمد مدني وقوات الحرس الثوري).
واستمرت تلك المجازر الوحشية ضد الأحوازيين من خلال المحاكمات الصورية والإعدام بالجملة على يد أحمد جنتي رئيس محاكم الإقليم في تلك الفترة وكذلك خلخالي وعلي فلاحيان رئيس محكمة الثورة في المحمرة وعبادان وزركر ومصطفى بور محمدي، حيث أصدروا حكم الإعدام في حق العشرات وتم تنفيذ الحكم رميا بالرصاص). وأضاف (وأما المجزرة الثانية فكانت عام 1988م بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية والتي سميت بخطه تنظيف السجون راح ضحيتها المئات من الأحوازيين الذين كانوا سبق وأن صدرت بحقهم أحكام السجن).
ويعتقد بعض المحللين الإيرانيين بأن طهران وبعد احتلال العراق وأفغانستان باتت في وضع لا تحسد عليه فأمريكا قد حاصرتها بأوراق كثيرة ومنها الورقة الطائفية، ولذلك انتبهت إيران إلى هذه الحقيقة وراحت تعمل على تفتيت تلك الورقة من خلال إيجاد الوسائل المقاومة، كما أنها عملت لإيقاف تداعيات ما يجري في العراق وخاصة ما يتعلق بالحرب الطائفية.
ويقول المحقق الإيراني نور الدين أبو الخير رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط في إيران: (إن واشنطن لا تسعى علنا لاستخدام الورقة العرقية نظرا لحساسية الموضوع لدى الطيف الأكبر للمعارضة الإيرانية التي لا تختلف في تعاملها مع الأقليات العرقية عن الحكومة المركزية في طهران، وأضاف: (لكن هذا الأمر لا يعني واشنطن ولندن تسقطان الورقة العرقية من حساباتها في التعامل مع الملف الإيراني، ويبدو أن لندن هي تتعامل مع هذا الملف الحساس عبر تنشيط المجموعات العرقية التي تتمتع بدوافع قوية للقيام بعمليات عسكرية داخل إيران.
ويرتبط تفاقم الأزمة العرقية في إيران ارتباطا وثيقا بكيفية تعامل طهران مع الملف العرقي داخليا ومدى جهود كل من واشنطن ولندن في توظيف هذه الورقة ضد حكومة إيران). وأضاف الدكتور نور الدين: (إن الحكومة الإيرانية لجأت إلى سياسة احتواء مزدوجة بحيث تسعى للتعامل مع الأقليات العرقية بشكل مباشر بعيدا عن قياداتها السياسية وتنظيماتها التي تتحرك من الخارج وتخوينها في الداخل. ومن جهة أخرى تشعر طهران أن القوى الإقليمية مثل باكستان وتركيا لا ترحب بأي دعم أميركي للبلوش والأكراد من شأنه تقوية النزعات العرقية في الدولتين).
في الحقيقة أن ما ظهر في الاستعراض العسكري الإيراني هو أمر ترتاح إليه واشنطن وطهران معا لأن أمريكا تريد من الحكومة الإيرانية أن تعطي الحقوق الكاملة لتلك الأقليات ومهما يكن من سجال سياسي بين الطرفين إلا أن تلك الخطوات تعتبرها واشنطن إنجازا لها لأن طهران كانت في السابق تكتم أفواه الأقليات غير الفارسية وتقمع أي كلمات مضادة للأجندة الفارسية؛ في مقابل ذلك فإن طهران تبدو هذه الأيام قلقة ومنزعجة من سيناريو انفصال إقليم خوزستان (احواز) ذي الأكثرية العربية والذي يحتوي على مصادر النفط الأساسية في إيران، وتخاف من سيطرة الولايات المتحدة وبريطانيا على هذه المنطقة الاستراتيجية المهمة كأسوأ سيناريو يمكن أن يتحقق.
والحقيقة أن المخاوف الإيرانية ازدادت بعد وصول تقارير مفادها أن واشنطن تريد بناء قاعدة كبرى قرب الحدود مع إيران، إضافة إلى أن مخاوف إيران بدت تزداد أكثر بعد ورود تقارير استخباراتية مفادها أن القوات البريطانية تسعى لبناء قواعد ثابتة لها جنوب العراق، وتخشى طهران من التقارير الاستخباراتية التي تؤكد على نشاط استخباراتي بريطاني ويشمل هذا دائرة المخابرات السرية (M16) و GCIIQ (ذراع المراقبة الإلكتروني للمخابرات البريطانية) وجهاز الأمن الداخلي البريطاني (الاستخبارات البريطانية الداخلية) (M15) وفرع شرطة المدينة الخاص، وهذا الحضور الاستخباراتي المكثف، كان سببا في قلق الإيرانيين إزاء التطورات على الحدود الجنوبية في مقابل ذلك تركزت نقطة الخلاف الأخرى حتى الآن، في التصميم البريطاني لإحباط التأثير الإيراني في جنوب العراق، ففي الوقت الذي انشغل فيه الأمريكان بمواجهة المقاومة السنية، اكتشفت بريطانيا وتتبعت عمليات المخابرات الإيرانية والنشاطات.
وتستند هذه المخاوف إلى جملة حقائق ووقائع، حيث إن كل الوكالات السرية المدنية والعسكرية البريطانية لها حضور في الأخرى في الجنوب العراقي، وكثير من عراقيي الجنوب محتارون من تصرف البريطانيين الذين ضغطوا بقوة لوقف الاتصالات مع الإيرانيين وأخضعوا بعض العراقيين لتحقيقات مطولة حول علاقتهم بالمخابرات الإيرانية، ويعتقد النائب الإصلاحي علي بور حسيني أن الوجود العسكري البريطاني في جنوب العراق يثير هواجس ومخاوف كثيرة. إذ يخشى الإيرانيون أن يقلد البريطانيون (وهم الحكام الفعليون في جنوب العراق) سلوك النظام العراقي ويشنون حملة استخبارات شاملة ويديرون العمليات في محافظة خوزستان الإيرانية الغية بالنفط. ولهذا عابت بعض الدوائر في الحكومة الإيرانية ومجموعات الضغط، والتفجيرات التي هزت خوزستان خلال الربيع الماضي.
في حين يري بعض المراقبين أن الإيرانيين لم يقدموا أي دليل ثابت يشير إلى التدخل البريطاني، وعلاوة على ذلك من الصعب، في نظرهم إيجاد تفسير لماذا البريطانيون يريدون زعزعة خوزستان، طالما أن عدم الاستقرار في هذه المحافظة يمكن أن يؤثر سلبا على الأوضاع في الجنوب العراقي؟ وحول أهداف إيران من خلال إبراز اللباس العربي وغيره من الألبسة القومية في الاستعراض العسكري الأخير قال حسيني: كما تعلمون فإن الاستعراض احتوى على أسلحة وعلى ألبسة لأن إيران تعاني من ضغوطات طائفية لا تقل حدة عن المؤامرات والتهديدات الخارجية الأخرى.
وقال: (في خارطتنا العرقية يعتبر الفرس والأذريون والجيلاك والأكراد والعرب والبلوش والتركمان من أهم هذه العرقيات التي تشكل "الموزاييك" العرقي في إيران، وبحسب المصادر الرسمية يشكل الفرس 15% من السكان البالغ عددهم قرابة 70 مليون نسمة، في حين يشكل الأذريون24% والجيلاك المازندارنيون8% والأكراد 7% والعرب 3% واللور والبلوش والتركمان 2% لكل منهم وبقية العرقيات 1% من السكان) وأضاف: (وكما تعرفون فإن الفرس لهم الغلبة ويتميز المشهد القومي الإيراني بتداخل ما بين المذهبية والقومية، كما أن امتداداتها الجغرافية الإقليمية تضيف إليه بعدا إقليميا مما يجعل الأمر غاية في التعقيد). وبنظرة سريعة على الخريطة العرقية في المنطقة المحيطة نجد أن هذه العرقيات لها امتداداتها في الخارج، فالعرب يمتدون إلى العراق ودول الخليج في الجنوب، والبلوش لهم امتدادهم في إقليم بلوشستان في باكستان وأفغانستان، أما التركمان فيجاورون أذربيجان، والأكراد جزء من الحلم الكردي الكبير في تركيا وكردستان العراق.
وأخيرا فالدشداشة العربية وجدت لها هامشا لكي تتنفس الصعداء، ومهما قيل فإن التطورات الدولية والإقليمية أجبرت الإيرانيين على التعاطي الإيجابي مع الأقليات والقوميات، ولأن العرب لهم الحصة الكبرى في إيران فإن حكومة نجاد وجدت نفسها تستسلم أمام المطالب العربية. وأن توقف الانتهاكات، لأن العصر الحالي هو احترام الاثنيات والقوميات، وإذا كان الاستعراض العسكري الإيراني قد أفرد مساحة للقيم العربية الأصيلة فإن الرئيس نجاد وجد نفسه مرتديا الجلباب العربي وهو يزور خوزستان للمرة الأولى.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: