فرسنة الخليج
جميل الذيابي الحياة 9/12/2007
في عام 1981 أعلنت ست دول عربية خليجية عن قيام مجلس للتعاون في ما بينها، بغية تحقيق مجموعة من الأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، لبناء الإنسان الخليجي ومواجهة الأخطار المحيطة به وفي مقدمها صلف السياسات الإيرانية.
وفي القمة الأخيرة الثامنة والعشرين للمجلس التي عقدت في الدوحة، حلَّ رئيس دولة إيران التي تشكل «صداعاً» دائماً لدول المجلس، ضيفاً على القمة، وليته كما تمنى البعض لم يأتِ، إذ جاء متحدثاً عن «خليج فارسي»، متجاهلاً عروبة الخليج ودوله.
لم يحمل الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، أي تطمينات لدول الخليج، كما لم يحمل تغييراً في النهج والمنهج الإيراني، إذ لم يقدم حلاً عملياً واحداً لتجاوز الأخطار التي تواجه دول المنطقة سوى رفع الشعارات والتحديات.
تجاهل نجاد ملف بلاده النووي واستمرارها في تخصيب اليورانيوم، وهو ما يزيد خشية دول الخليج ويثير مخاوفها «القائمة»، كما تجاهل عن قصد احتلال بلاده الجزر الإماراتية الثلاث منذ العام 1971، وتجاوز التدخلات الإيرانية «غير المقبولة» في الشؤون العراقية واللبنانية، وأيضاً التلاعب بالمسألة الفلسطينية. أعتقد أن نجاد حصل في «قمة الدوحة» على ما يريد، إذ جاء إليها «متحدثاً» ومحللاً، فسرق الأضواء واختطف أجواءها خلفه، وقال ما يريد، وتجاهل ما كانيُنتظر منه أن يقول ويبدي تطمينات حوله.
ذهب نجاد إلى ترديد مسمى «الخليجالفارسي» أكثر من مرة، وهو بالمناسبة عقدة إيرانية، معتبراً أن بلاده دولة خليجية،خصوصاً عندما قال في كلمته خلال الجلسة الافتتاحية إن «دولنا السبع تتمتع بإمكاناتوقدرات هائلة»، إذ تجاوز حضوره كضيف على القمة ليصنّف بلاده كواحدة من دول مجلسالتعاون.
إيران تعاني من «أزمات» وتسلّط حكومي داخلي، وهناك قهر يمارس علىبعض الأقليات، كما هو حاصل في منطقة الأهواز الغنية بالنفط، حيث يعيش سكانها تحت خطالفقر، وهم شبه محرومين من الماء النقي، خصوصاً العرب منهم. كم هي إيران في حاجةماسة إلى استخدام قدراتها في حلّ مشكلاتها الداخلية وإسباغ الرفاهية علىمواطنيها؟!
استعرض نجاد عضلاته «اللسانية» ورفع الصوت بشعارات «إقليمية»،وابتعد عن تقديم التطمينات بشأن «القلق» الخليجي من المفاعل النووي الإيراني، ولميقدم حلولاً عادلة «توافقية» للجزر الإماراتية المحتلة من قبل إيران.
منالمؤكد أن نجاد أراد عبر «روزنامة» الاقتراحات التي قدمها لدول الخليج، تصفيةحسابات مع الولايات المتحدة، بغية إحلال العلاقة الإيرانية مع الدول الخليجية محلالعلاقة الخليجية – الأميركية.
لم يقدم الرئيس الإيراني ما يثبت حسن نياتبلاده أو تراجعها عن مشاريعها، فقد تجاهل الحديث أو التعليق على القضايا الكبرىالتي تمثل إيران لاعباً أساسياً فيها وتهدد أمن المنطقةواستقرارها.
السياسات الإيرانية هي إحدى مصادر الخطر الحقيقي الذي يحدقبالمنطقة، وكما قال نجاد في خطابه أمام القمة إن «أمن دول الخليج (الفارسي) متشابك،وإن التوترات الأمنية المحتملة في أي مكان في المنطقة ستؤثّر على بقية الدول»، وهناأعتقد أن في ذلك رسالة «غير مباشرة» للدول الخليجية مع تشابك خيوط الأزمةالإيرانية، فيما لو تعرضت طهران لضربة عسكرية أميركية.
لا شك أن التوتراتالمستمرة في المنطقة هي إحدى نتائج السياسات الإيرانية، وما على دول الخليج العربيةإلا السعي لتأمين منطقتها وأمن شعوبها في ظل عدم اتخاذ إيران مواقف تؤكد حرصها علىسلامة المنطقة واستقرارها. ولا أظن أن إيران ستقدم ما يطمئن جيرانها.
سياسةإيران «توسعية» و «فوضوية» وتهدد مصالح دول المنطقة وشعوبها، وهذا ما يستوجب التوقفعند الدعوات لدول الخليج إلى تبنّي اقتراح تطوير أنظمة إقليمية للدفاع الصاروخي فيالمنطقة، لتشكل مظلة حماية ودفاع في مواجهة التهديد الإيراني عند أي عمل عسكريأميركي ضدها.
الاقتراحات التي تقدم بها نجاد إلى «قمة الدوحة» نوع منالتكتيك «الوقتي» ومراوغة «مكشوفة» وقفز على الحقائق، ولا تصلح سوى «مانشتات» صحافية وعناوين للنشرات الإخبارية.
أعتقد أن النهج الإيراني لن يتغير طالماأن من يمسكون باللعبة السياسية في طهران ويقفون خلف قراراتها هم من الملالي الكبار،سواء استنكر الإصلاحي خاتمي أو رفع الشعارات المتشدد أحمدي نجاد أو فاوض لاريجاني
فالقرار يملكه غيرهم، ومطامعهم لا تتوقف عند استيطان جنوب العراق بل تصل إلى"فرسنة" الخليج كله.