هل من لقاء بين الفقهاء والمتصوفة؟
الأثنين 10 ديسمبر 2007
هل من لقاء بين الفقهاء والمتصوفة؟
حسام تمام - الغد 5/12/2007
 
في أقصى بقاع بلاد الغرب الأفريقي وفي قرية نائية أقرب إلى واحة في الصحراء الموريتانية وقريبا من حوض نهر السنغال الحد الفاصل بين البلدين: موريتانيا والسنغال جرت وقائع هذه الندوة التي تأخرت في الكتابة عنها لظروف سفر طويل وتنقلات لا يستقر معها المقام،ثم عدت إليها بعدما صرت على قناعة بأن موضوعها والسياق الذي عقدت فيه بل وأجواء الندوة عموما من الأهمية بما يفرض التوقف كثيرا عندها.
أكتب عن ندوة "الفقهاء والصوفية في الغرب الإسلامي ودلالات التقريب" التي نظمتها منظمة آل البيت بالتعاون مع المركز الأفريقي للدراسات والأبحاث الصوفية والتي استغرقت أعمالها يومين كاملين من المناقشات. 
دعيت للمشاركة في أعمال الندوة بمحاضرة عن الصوفية والحركات الإسلامية المعاصرة، وكنت المشرقي الوحيد في الندوة التي ضمت باحثين ومفكرين وعلماء وفقهاء وشيوخ طرق صوفية ومريدين من كل بلاد الغرب الأفريقي تقريبا: المغرب والسنغال والنيجر ومالي و..وموريتانيا التي تقع فيها القرية النائية والفريدة التي استضافت الندوة: تيكماطين.
ندوة في قلب الصحراء
لا يمكن التطرق إلى فكرة الندوة ولا أعمالها دون التوقف والتأمل في طبيعة المكان الذي عقدت فيه والناس الذين قاموا على هذا العمل الإسلامي الفريد من نوعه.
على العكس من أي فاعلية يمكن أن يحضرها الباحث كانت هذه الندوة؛ فاللقاء ليس- كما جرت العادة- في صالات الفنادق التي تتنافس في عدد نجماتها ولا في مدرجات الجامعات أو قاعات مراكز الأبحاث بل في قرية صغيرة في قلب الصحراء المترامية على الحدود الموريتانية السنغالية، وفي مشارف القرية وعلى الرمال قريبا من بيوتها المتواضعة عقدت فاعليات الندوة وكان مشهدا نادرا.
الوجوه السمراء التي يعلوها البشر ويختلط فيها اللباس الأبيض والعمامات الخضراء التي يعرف بها الصوفية مع الألوان الأفريقية الزاهية اصطفت بالمئات وربما الآلاف في جلسة أبعد ما تكون عن التكلف والتصنع. لم يكن هناك من مظاهر الحداثة إلا السيارات التي جاءت بالضيوف من كل دول الجوار الأفريقي تقريبا،والمولّد الذي يمد الندوة والقرية بالكهرباء والميكروفونات التي تنقل وقائع النقاش لأهل القرية من حضر منهم النقاش أو من فضل الاستماع لها من البيت حيث لم يكن بإمكان أحد من أهل القرية رجالا ونساء إلا المشاركة ولو بالترحيب بالضيوف والقيام علي خدمتهم..
افترش الجميع الرمال ما عدانا نحن الضيوف الذين لم نغادر مقاعدنا التي بدت غريبة فوق تلال الرمال إلا إلى بيوت أهالي القرية وقلوبهم التي كانت أكثر رحابة من صحراء لا تبلغ العين مداها.
برنامج متنوع
الندوة هي السابعة في سلسلة الندوات التي تنظمها منظمة آل البيت التي تأسست حديثا، وقد أطلق عليها اسم المرحوم الشريف محمد الأمين الشيخ، وكانت هناك رعاية ومباركة لها من الشيخ صالح امباكي ابن شيخ السنغال الأشهر أحمدو بمبا ساكن مدينة طوبا ذات الأهمية الدينية بالسنغال وحضور مشايخ الطرق والزوايا الصوفية.
وكان عنوان الندوة بليغا في التعبير عن أهدافها فقد علت أشغالها لافتة كبيرة كتب عليها:"القائمون على الدين إذا اجتمعوا على إقامته ولم يتفرقوا فيه لم يقهرهم عدو".
فقد كان هناك محور للتصوف كان من أهم موضوعاته: دلالات التقريب بين المسلمين في المنهج المريدي وأثر الطريقة القادرية الفاضلية على مجتمع حوض نهر السنغال والصحراء الكبرى.
وفي محور الفكر الإسلامي ناقشت الندوة قضايا مثل: الإمامة في بلاد السودان الغربي بين الفقهاء والمتصوفةـ وأثر الفقه والتصوف الأندلسي على المجتمع الصحراي المغربي، والمهدوية في الأديان السماوية ودورها في صراع الحضارات، والأثر الصوفي على الحركات الإسلامية المعاصرة، والمرأة في الغرب الإسلامي وتفعيل التقريب..
وفي المحور التاريخي نوقشت قضايا مثل المرابطين وقراءة جديدة في التاريخ وحركة الهجرة، والتبادل التاريخي بين الشمال والجنوب وانعكاسه على تشكل الهوية في الغرب الإسلامي.
وكان هناك محور عن المحظرة الموريتانية التي هي مدارس القرآن التقليدية والتي ينظر إليها كجامعات مفتوحة.
كما كان هناك محور قانوني عالج قضايا مثل الرقيق والتبيعة والحدود السياسية وعوائق التقارب في الغرب الإسلامي.
إضافة إلى المحور الأدبي الذي ركز على الأدب الصوفي بشكل خاص.
لقد شارك في أعمال الندوة فقهاء ومتصوفة من جميع المدارس الفقهية والطرق والزوايا الصوفية في الغرب الأفريقي تقريبا.
التقريب ضرورة اللحظة
انطلقت الندوة من الإحساس بخطورة أن ألف سنة مرت على هذه المنطقة والصراع فيها محتدم بين مدرسة الإحسان التصوفية والمدارس الفقهية والسلفية منها خاصة، وأن هذا الصراع والمواجهات بل والمناظرات التي تخللته ولدت شرخا كبيرا بين الناس بل وكثيرا ما وصلت إلى حد التكفير وإراقة الدماء بما عرقل جهود الدعوة إلى الله في أدغال أفريقيا القارة التي كان ينظر إليها باعتبارها قارة الإسلام قبل أن تجتاحها جيوش التنصير،.. وهو ما استدعى البحث عن إمكانية اللقاء بين الصوفية والفقهاء من أجل استئناف الدعوة الإسلامية لمسيرتها مجددا.
وكان واضحا في الندوة كذلك الإحساس بالخطر من أن هذا الصراع بين الفقهاء والمتصوفة فتح الباب لاختراق التشيع للفضاء السني المالكي الذي ظل مهيمنا على هذه المنطقة المهمة من العالم الإسلامي، إذ بدا أن قطاعا كبيرا من بلدات الغرب الأفريقي الإسلامية السنية تتشيع عبر قنطرة التصوف والحديث عن فضل آل البيت؛ فالدبلوماسية الإيرانية هي الأكثر نشاطا، والحضور الإيراني يتعاظم ويحاول اختراق التجمعات الدينية التقليدية وعلى رأسها الطرق الصوفية. حتى استطاعت إيرات فتح أقسام لدراسة الفقه الشيعي والتشيع في بعض جامعات دولة مثل غانا المعروفة تاريخيا بكونها سنية مالكية.
لقد أثار المد الشيعي في المنطقة الإحساس بالخطر لدى الفقهاء والمتصوفة الذين جمعتهم الندوة التي سعت للتقريب بينهم ولكن من واقع فهم مختلف لفكرة التقريب أساسه أن التقريب يفترض أن يكون بين المدارس السنية والتي تنتمي إلى مذهب واحد( أهل السنة ) وليس بين المذاهب المختلفة.
كما فرقت الندوة بين تجليات مختلفة للتصوف وتحاول الكشف عن خصوصية التصوف في هذه المنطقة من العالم الإسلامي، فالصوفية في الغرب الأفريقي كانت دائما رائدة الجهاد ضد المستعمر في عموم أفريقيا، وأعلام الجهاد في هذه المنطقة هم على الإجمال متصوفة مثل الشيخ
عبد القادر الجزائري والشيخ عبد الكريم الخطابي والشيخ ماء العينين في صحراء المغرب والشيخ عمر الفوتي والشيخ عثمان دا فوديو في غرب أفريقيا الشيخ أحمدو بمبا والشيخ مابا خوباه في السنغال ومالك سيسي في بوندو وفولتا العليا..وكانت أعمال الندوة حاسمة في التأكيد على أن التصوف في الغرب الافريقي ظل جهاديا مناضلا ولم يعرف ما عرفته بعض بلاد المشرق من تقاعس للطريقة الصوفية في مواجهة المستعمر.
وربما كانت هذه الروح التي دفعت بمنظمي الندوة لتخصيص بعض محاورها لقضية الصراع العربي الصهيوني(مثل: باب المغاربة في القدس الشريف والحضور المغاربي في الصراع العربي الصهيوني، ودور آل البيت التاريخي في الصراع الفلسطيني الصهيوني) إضافة إلى دعوة سفير فلسطين ليكون في مقدمة الحضور إضافة إلى توصيات الندوة بضرورة قطع العلاقات الموريتانية مع الكيان الصهيوني والتي رأت أنها غريبة على الشعب الموريتاني.
لقد حددت الندوة هدفها بتقريب الخطاب الفقهي من المتصوفة وإعادة التفاهم وأعلنت أنها أقرب إلى محاولة للصلح أو التقارب بين التصوف والفقه، وكان هناك تركيز على رفع التناقض بين التصوف والفقه وتأكيد مستمر على أنه تناقض طارئ إذ لم يكن في القرون الأولى أي تعارض
فالصوفية الأوائل اتبعوا السلف،والخلاف جاء في عصر التخصص والمصطلح، فمطلب الصوفي ما هو الأفضل ومطلب الفقيه هو ما يسقط به الحرج ومن ثم فهما متكاملان وليسا متناقضين.
…………..
الجيل الجديد من المتصوفة
بقي أن نقول أن منظمة آل البيت التي نشأت في قرية نائية بالصحراء هي نموذج للعمل الأهلي الشعبي القادر على الاستغناء عن أموال التمويل الغربي والرسمي فهو ذاتي النفقة ولا يأخذ تبرعات وإنما يعتمد على دعم المريدين.
وقد تأسست لتقوم بمهمة حفظ للنسل الشريف حيث تسعى لجمع سلاسل ومشجرات الأنساب الشريفة في موريتانيا والغرب الأفريقي ودراستها على ضوء الهجرات ومعطيات التاريخ، وكذلك التأريخ للمدارس الصوفية في أفريقيا ومعرفة نظرتها إلى آل البيت، وأخيرا غربلة الموروث الأفريقي الصامت وتحديد موقع أل البيت فيه.
والحق أن القائمين على هذه المؤسسة يمثلون الجيل الجديد من المتصوفة والذي يسعى إلى تجديد التصوف وتنقيته وإعطائه دينامية حركية أولا عبر التحاور مع أبناء المدارس الإسلامية الأخرى السنية بشكل خاص، والانفتاح على وجهات النظر المختلفة حتى ولو كان لها ما تأخذه على التصوف، ثم إن هذا الجيل على درجة كبيرة من الوعي بخطر انغلاق التصوف أو عدم إدراكه للمخاطر التي تتهدده وعلى رأسها التشيع.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: