أسوأ تمثيليات إيران
الأثنين 20 يوليو 2009

أحمد أميري - الإتحاد الاماراتية 18/7/2009

 

 

 

ليس غريباً في طهران فبركة المظاهرات والتعرّض للسفارات، فهي معروفة بمهارتها في تجيير الأحداث لصالحها، وفتح ملفات لقضايا العرب وتقديمها على طاولة المجتمع الدولي التي تتراكم عليها الملفات الإيرانية التي ليس لها حل.

لكن الغريب هو تصفيق بعض العرب للتمثيليات الإيرانية، يتقدمهم كتاب ومثقفون، يرتدي بعضهم نظارات المفكّرين. وربما يعيدون حساباتهم الآن أمام تمثيلية التنديد بمقتل "مروة"؛ لأنها الأسوأ، فافتعال الغضب فيها بمستوى تمثيل الكومبارس، ونيّة تجيير الحادثة أكثر وضوحاً من هتافات المتظاهرين، ورائحة الاستغلال تزكم الأنوف أكثر من رائحة البيض.

المخرج فكّر بهذه الطريقة: إذا كانت أوروبا مهتمة بمقتل "ندا" الإيرانية في طهران على يد عنصر أمني، وحصلت على لقب "شهيدة طهران" في الإعلام الغربي، والذي قام بتغطية المواجهات الدامية إثر تزوير الانتخابات رغم الحظر المفروض، ودعت الدول الأوروبية إيران إلى حماية حقوق الأفراد في التجمع والتعبير عن الرأي، واستدعت 27 دولة أوروبية السفراء الإيرانيين لديها احتجاجاً على احتجاز موظفي السفارة البريطانية في طهران بتهمة التجسس.

إذا كانت أوروبا كذلك، فإن على إيران أيضاً أن تهتم لمقتل "مروة"، وتستدعي السفير الألماني لديها، وتدعو برلين إلى توفير الحماية للأقليات هناك، ويطالب رئيس تحرير "كيهان" بإنزال عقوبة "الإعدام الثورية" بحق القاتل، وأن القاتل سينال العقوبة على يد المسلمين من داخل سجنه، ويدعو الدول الإسلامية إلى طرد السفراء الألمان، ويرفع المتظاهرون لافتات مكتوب عليها "شهيدة الحجاب"، وينددوا بـ"المعاملة السيئة للمسلمين في ألمانيا". ولولا أن علامات التعجب تربك القارئ لاستحقت كل كلمة في هذه الفقرة علامة (!) كبيرة، خصوصاً أن ألمانيا تضم جالية إيرانية تقدر بمئات الآلاف.

فات المخرج هذه المرة أن "مروة" ضحية جنائية إثر شجار سابق بينها وبين القاتل العنصري المعادي للأجانب، وهو الآن قابع في السجن بتهمة القتل العمد، ورغم ذلك، عبّرت المستشارة الألمانية عن غضبها، وقدمت تعازيها للرئيس المصري، وأُقيم للضحية مجلس تأبيني حضره العديد من المسؤولين الألمان، وشيّعها آلاف المصريين الغاضبين، وأطلق اسمها على شارع في الإسكندرية.

ويعرف المخرج أن "ندا" ضحية سياسية إثر انتخابات مشكوك في أمرها، بشهادة كبار قادة وآيات إيرانيين، هاج من بعدها الشارع وقد ووجه بقمع شديد من قِبل السلطات، ولم يُلق القبض حتى الآن على القاتل، بل تم رمي كرة الاتهام هنا وهناك. ولم يصلِ عليها صلاة الجنازة في المسجد ولم يشيّعها أحد ولا يزال قبرها مجهولاً.

سواء أكان مقتل "مروة" قد حصل بطعنات غادرة بسكين حقد شُحذت بشجار شخصي وعنصري سابق، أو كان حلقة في سلسلة معاداة المسلمين والتضييق عليهم في أوروبا كما يُقال، فإن الحادثة في الحالتين الجنائية أو العنصرية، أخذت حقها من الاهتمام والتحقيق والاعتذار والغضب، لدرجة أن والدها رفض استغلال الجماعات الإسلامية للحادثة.

مقطع القول إن التمثيلية الإيرانية هذه المرة لا ترقى حتى إلى مستوى القضايا السابقة التي صنعت منها إيران تمثيليات، كقضيتي فلسطين ولبنان وسواهما من قضايا تمثّل إيران فيها دور البطل وتعرضها على بعض العرب الذين ينسون إغلاق أفواههم وهم يتابعونها، فيخرجون من القاعة وقد امتلأوا بحب النظام الإيراني والإعجاب به وتذليل العقبات أمامه ليمد أياديه إلى داخل دولهم ويهزّ مجتمعاتهم.

لو كانت طهران فعلاً معنية بحقوق المسلمين في العالم، وكانت الندّ الإسلامي للغرب المسيحي، كما وصفها أحد الكتّاب العرب، فإن 184 شخصاً من أقلية الإيجور الذين قتلوا في الصين بسبب إسلامهم، كما يقولون، يستحقون من إيران ولو مشهداً واحداً أو حتى بيضة استنكار واحدة.

 

رغم أن أي تجمع في طهران زاد على ثلاثة أشخاص يُواجه بالضرب هذه الأيام، إلا أن المئات من الإيرانيين تجمّعوا أمام السفارة الألمانية هناك، للتنديد بمقتل "مروة" داخل قاعة محكمة ألمانية، ورشقوا السفارة بالبيض، وهتفوا بالموت لألمانيا وأوروبا.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: