نقد بيان اتحاد العلماء
الأثنين 20 يوليو 2009

د. عمرو عبد الكريم – المصريون 13/ 7/ 2009

 

 

كانت فكرة تأسيس اتحاد عالمي للعلماء المسلمين من جميع بلدان العالم ومن جميع مذاهب المسلمين أحد الأحلام الكبرى لفضيلة شيخنا العلامة دكتور يوسف القرضاوي، أمد اللهُ في عمره ونفعنا بعلمه وسربله برداء الستر والعافية.

 

ولقد عمل الشيخ على هذه الفكرة حتى خرجت من عالم المثال إلى عالم الشهادة، ومن دنيا الأفكار والتصورات إلى حيز الوجود والواقع والحقائق الملموسة، وهو الذي جعلها كائنًا حيًّا يمشي على قدمين. فنسأل الله أن يجعل جهده وجهاده في ميزان حسناته يوم القيامة.

وعلى مدار مسيرة الإتحاد في سنواته القليلة الماضية تعرضت بياناته لجملة من الانتقادات لم يحالف كثير منها السداد، وكان الدافع وراء بعضها الشنآن وتصفية الحسابات التي لم تخلو من الغرض والمنفعة، خاصة في موضوع الشيعة وما أثارته تصريحات العلاّمة القرضاوي عن محاولات إيران نشر التشيع في البلاد العربية والإسلامية وكان صراخ الملالي "وتابعيهم" على قدر الألم، فلم يراعوا حرمة عالم لحمه مسموم، ولم يراعوا علاقات جوار ودول تعصف بمعظمها رياح السموم، ولم يراعوا أمن مجتمعات وشعوب تهددها رياح عاتية.

لكن البيان الأخير الذي صدر يوم 7 يوليو عقب الاجتماع الخامس لمجلس الأمناء1] شابه كثير من المثالب والعلل القوادح التي تحتاج إلى بيان لا يجوز تأخيره فهذا وقت حاجته.

أحاول في هذه المقالة أن أتناول جانبًا واحدًا من جوانب نقد البيان رغم ما حفل به البيان من مثالب في الصياغة والأسلوب وفي الشكل والمضمون رغم كثرة عدد صفحاته فقد بلغت كلماته 2500 كلمة وهو رقم كبير نسبيًا على بيانات المؤتمرات والمجامع العلمية وليس من المنطقي ولا من الطبيعي أن يتعرض كل بيان لكل قضايا الدنيا فلن يكون البيان الأخير (لقد بلغت نقاط البيان 23 بند غلبت عليها الانشائية الخطابية).

ويحزنني القول أن هذا البيان كان "أفقر البيانات" التي صدرت عن أمانة الإتحاد منذ تأسيسه في عام 2004 صياغةً ومضموناً.

أحاول في هذه المقالة أن أركز على قضية واحدة وهي قضية المد الشيعي وهي القضية التي ملأت الدنيا وشغلت الناس منذ تصريحات شيخنا العلامة القرضاوي عن محاولات ايران نشر التشيع في البلدان السنية تلك التصريحات التي ثار حولها جدل كبير، لكن يبدو أن هناك من يكيد – وأحسبه لغير وجه الله-.

في البيان قبل الأخير والذي صدر في الدوحة بعنوان: بيان اتحاد العلماء حول الملف السني الشيعي بتاريخ 15/10/ 1429هـ و15/10/2008م ذكر البيان:

"إن مجلس أمناء الاتحاد انعقد من أجل اتهامات كالتها وكالة أنباء مهر الإيرانية لحبر الأمة العلاّمة يوسف القرضاوي في دينه وعرضه من مثل: أنه يتحدث نيابة عن زعماء الماسونية العالمية وحاخامات اليهود، وذلك عندما حذّر من مد شيعي في بلاد أهل السنة، وأكد أنه اختراق منظم للمجتمعات السنية وراءه عناصر مدربة ودولة تدعم مذهبها، تهدف من وراء ذلك إلى استخدام هؤلاء المتحولين إلى مذهبها: أوراق ضغط سياسية تهز بها استقرار دولهم ومجمعاتهم".

ونص البيان في الفقرة الخامسة من البند أولا علي أن: يقرر المجلس تشكيل لجنة متخصصة، تقوم بالرصد الميداني حول جميع النشاطات والأعمال المذهبية في البلاد الإسلامية الضارة بوحدة الأمة، وتضع بناءً على ذلك خطة عملية تعالج الواقع القائم على الأرض، باتجاه المحافظة على وحدة الأمة وتعميقها، وبنائها على أسس راسخة متينة، تداوي نقاط الخلاف التي يستغلها الأعداء من أجل إحباط مساعي الوحدة".

وكان من المفترض أن تقوم هذه "اللجنة المتخصصة" برصد - حسبما يقول البيان- ما يحدث من "مساع تؤدي إلي إحياء الفتن المذهبية، متمثلة في التبشير المنظم بالمذهب غير السائد، وما يترتب علي ذلك من تمزيق الوحدة الإسلامية".

لكن يبدو أن كل هذه التدابير كانت للالتفاف حول غضبة الشيخ - ومن ورائه الأمة- أو محاولة لاحتوائها وتسكينها ريثما يتم ترتيب البيت الداخلي للجناح الموالي للنظام الإيراني، فتفتح نيران الكذب والبهتان على الشيخ وأهل بيته ودائرته الضيقة، وتطول أحب الناس إلى قلبه، ويزعم غر بأن هناك من يحاول هدم القرضاوي وما علموا أن القرضاوي جبل علم وفقه وما تهزه ريح حقد أو حسد، ونحسبه - والله حسيبه- من أولي البقية الذين ينهون عن الفساد في الأرض: فساد الفتن المذهبية والطائفية وفساد التشرذم السياسي وفساد المخططات الفارسية وفساد التطلع لأدوار إقليمية على حساب أمتنا العربية والإسلامية ومصالح شعوبها، وما علموا أن ما جاءوا به هو السحر الذي يفرقون به بين المرء وزوجه وأن الله سيبطله.

فأين هي هذه اللجنة المتخصصة في البيان الأخير، لقد قرأت البيان كلمة كلمة وتمعنت فيه فلم أجد أثرًا لقضية المد الشيعي أصلا ولا لموضوع اللجنة المتخصصة التي ترصد محاولات نشر التشيع، فهل كف الشيعة فعلا عن محاولاتهم نشر التشيع في البلاد الإسلامية أو هل خفت الأطماع الفارسية في البلدان العربية أو هل تلاشت التطلعات للعب دور إقليمي مركزي؟ لكن الحقيقة التي نراها بأم أعيننا أن التشيع ينتشر انتشار النار في الهشيم والأطماع تتعاظم فإزدادت اليمن اشتعالا، وطالبت بعض الرموز الفارسية بالبحرين باعتبارها محافظة إيرانية، والتطلعات الإقليمية زاد أوارها فطالبت رموز إيرانية أخرى بأن تلعب أمريكا معهم لعبة الشطرنج بدلا من لعبة الملاكمة، فهل من المفترض أن تقبل الدول العربية وشعوبها لعب دور رقعة الشطرنج وقطعها.

وإذا كان ما مر خطيرًا فالأخطر أن نرى الفريق الموالي للنظام الايراني يكسب أرضًا جديدة عندما يصطفّ الاتحاد وراء نظام الملالي الذي قتل شعبه في الميادين بعد أن زور انتخاباته كما تشير كثير من الدلائل والتحليلات. فيحي مجلس أمناء الاتحاد في البيان الأخير "البند السادس عشر": "التزام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بنظام الشورى وتداول السلطة، ويدعو الجميع إلى حلّ الاختلافات بالطرق الدستورية بما يحفظ البلاد من التمزّق وكيد الأعداء والمحافظة على لغة الحوار الوطني واحترام الآخر التي عرفت بها الجمهورية الإسلامية. كما يدعو إلى التمسّك بالمكاسب الإسلامية، ويدين كلّ أنماط التهديد وخاصة من الكيان الصهيوني وحلفائه. ويؤيّد الاتحاد كلّ تطوّر علمي في البلاد الإسلامية عامة، كما يؤيّد حقّ الجمهورية الإسلامية في امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية".

فكان هذا الاتحاد الذي أراده مؤسسه فضيلة شيخنا العلامة يوسف القرضاوي مؤسسة شعبية بعيدة عن الحكومات وسياساتها ومؤسسة أهلية غير رسمية يأخذ أشد المواقف رسمية بل ويعبر عن سياسات الدول والنظم الحاكمة في إيران والسودان – كما يبدو من موقف الاتحاد من قضية دارفور والبشير- وهي قضية تحتاج وقفة نقدية أخرى.

وقراءة نقدية لبيانات الاتحاد تنبيء أنه لم يخرج كثيرًا من عباءة الحكومات بل لا يزال يرفل فيها خاصة حكومات معينة لها صلات وثيقة ببعض النافذين في أمانة الاتحاد.

وإذا كان إتحاد العلماء أعجز من أن يأخذ موقفًا ضد النظام الإيراني لارتباطات البعض بشبكات من المصالح والنفوذ فلا أقل من أن يصمت إن لم يستطع أن يقول خيرًا، وينصر الشعب الإيراني الذي واصل احتجاجه ونزل للشوارع.

طبعا نقد بيان الاتحاد وهو لا يزال بقياده مؤسسه فضيلة شيخنا العلامة يوسف القرضاوي أمر شاق على نفس تيمت حبًا به فَسمّت على أسمه أول أبنائه تيمنا به.

لكن هو الذي علمنا كيف يكون الحق أحب إلينا من كل حبيب وكما قال ابن القيم عن شيخ الاسلام الهروي وهو يشرح رسالته في كتابه مدارج السالكين: "شيخ الإسلام (الهروي) حبيب إلينا والحق أحب إلينا منه وكل من عدا المعصوم فمأخوذ من قوله ومتروك ونحن نحمل كلامه على أحسن محامِله ثم نبين ما فيه".

وأبى الله أن يكسو ثوب العصمة لغير الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى.

 ويبقى شيخنا: بحرٌ لا تُكدِّره الدلاء، لكنه كيد الكائدين ومكر عصبة الشر.

 

 

 

 

 

 

 

 


[1] -  يمكن مطالعة نص البيان على موقع اتحاد علماء المسلمين على الرابط التالي:  http://www.iumsonline.net/articls/2009/07/04.shtml  الراصد

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: