السيد زهرة - أخبار الخليج البحرينية 10/3/2010 باختصار
اثار الاجتماع الذي عقده السفير البريطاني في البحرين جيمس بودن مع اعضاء في جمعية الوفاق، غضبا عارما من جانب قطاعات واسعة في المجتمع البحريني، وإلى الحد الذي دفع البعض إلى المطالبة بطرد السفير أو قطع العلاقات مع بريطانيا.
ولقد كان من الممكن ان نعتبر ان القضية قد انتهت بعد الاجتماع الذي عقده وزير الخارجية الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة مع السفير، وتنبيه الوزير إلى ان "أي تدخل من أي سفارة في أي شأن داخلي يتنافى مع الاعراف والقوانين الدولية" وتأكيد السفير من جانبه "عدم تدخل السفارة وطاقمها في سياسة مملكة البحرين وشئونها الداخلية واحترامها لدستور وقوانين مملكة البحرين".
لكن الحقيقة ان القضية لم تنته. ففي نفس يوم لقاء الوزير مع السفير، أصدر السفير بيانا، هو نفسه يثير تساؤلات كثيرة يجب ان تطرح وبوضوح.
السفير اثار في بيانه نقاطا ثلاثة، أولها، ان الاجتماع مع الوفاق لم يكن سريا، وبدليل ان رجال الأمن في السفارة كانوا يعلمون به. وثانيها، ان السفارة عادة ما تجتمع مع أعضاء البرلمان الذين يمثلون جمعيات مختلفة. وثالثها، ان الاجتماع مع أعضاء هذه الجمعيات لا يعني بالضرورة اننا نتفق معهم على كل قضية يطرحونها.
كما قلت، هذا البيان، والقضية برمتها، تثير تساؤلات وعلامات استفهام كثيرة لابد ان نطرحها بوضوح، وهي تساؤلات وعلامات استفهام تتعلق في تقديرنا بنقاط اساسية في مقدمتها:
لماذا حرص السفير على عقد، أو قبل بعقد الاجتماع، مع الوفاق في هذا التوقيت بالذات والملابسات التي أحاطت به؟
ما هو بالضبط الهدف من الاجتماع، وأي رسالة اراد السفير ايصالها من خلاله؟
ماذا يعنيه كل هذا في عرف العلاقات بين الدول؟
أما عن توقيت اجتماع السفير مع الوفاق فكما نعلم جميعا فقد جاء في خضم الجدل الواسع الذي شهده المجتمع حول ما قيل في مؤتمر الوفاق في نادي طيران الخليج والمتعلق بمسألة تداول السلطة والحكومة المنتخبة.
وكما نعلم، فإن ما أثارته الوفاق في مؤتمرها، أثار جدلا حادا ما بين الرفض الرسمي له ومن جانب قطاعات شعبية واسعة في المجتمع، وما بين الدفاع عنه من جانب الوفاق والمتعاطفين معها.
لسنا هنا بصدد التوقف عند هذا الجدل، فهذا أمر يخص القوى السياسية في البحرين، وقد عبرت بالفعل عن مواقفها، وهو أمر لا يعني السفير.
كما اننا لسنا هنا بصدد التوقف عند تقييم ما فعلته الوفاق بلجوئها إلى سفارة اجنبية في شأن قضايا داخلية. فهذا ايضا امر داخلي لنا ان نناقشه بعد ذلك.
لكن السؤال المهم على ضوء هذا هو: ما معنى ان يجتمع السفير مع الوفاق في هذا التوقيت بالذات، وفي ظل هذا الخلاف السياسي الداخلي العلني الحاد في المواقف مما أعلنته الوفاق في مؤتمرها، والذي لا شك في ان السفير تابعه بإمعان؟
قبل كل شيء، نشير هنا إلى ان مجرد ان يعقد السفير اجتماعا مع الوفاق في ظل هذه الأجواء السياسية المحتدمة والمتوترة، والخلاف المعلن حول القضية، هو في حد ذاته تدخل سافر في الشأن الداخلي.
فبهذا الاجتماع، وبغض النظر عما دار فيه، جعل السفير من السفارة طرفا في هذا الجدل والخلاف الداخلي.
ذلك ان كل من في البحرين يعلم ببساطة شديدة، ان الاجتماع في هذا التوقيت هو بالضرورة في جانب أساسي منه على الأقل يتعلق بهذه القضية بالذات. والامر الذي لا شك فيه ان هذا لم يكن غائبا عن ذهن السفير.
ويعني هذا ببساطة ان السفير أراد بقبول عقد الاجتماع وعن عمد، ان يتدخل في هذا الشأن الداخلي.
هذا فيما يتعلق بالتوقيت، ماذا عن الهدف من الاجتماع؟
بعبارة ادق، ما هو الهدف المحدد الذي أراده السفير من وراء عقد الاجتماع في هذا التوقيت؟
أي رسالة أرادها ان تصل؟
هل أراد السفير مثلا ان يظهر للوفاق موافقته على الموقف الذي اعلنوه في مؤتمرهم؟ أو هل أراد على الأقل اظهار ان السفارة "تنظر بعين العطف والتفهم" إلى هذا الموقف؟
السفير قال في بيانه ان الاجتماع مع الوفاق أو أعضاء أي جمعية "لا يعني بطبيعة الحال اننا نتفق معهم في كل قضية".
ولأن هذه العبارة صيغت بعناية شديدة، فهي بحاجة إلى وقفة. نص العبارة يحمل أيضا معنى ان السفارة قد تتفق مع الوفاق في كل أو بعض مواقفها.
فما هي الحقيقة إذن في هذه الحالة المحددة؟.. حالة اجتماع السفير مع الوفاق، وفي توقيت تفجرت فيه هذه القضية المحددة التي اثارتها الوفاق في مؤتمرها وشغلت ومازالت تشغل الرأي العام؟
السفير يقول في بيانه ان الاجتماع مع الوفاق لم يكن سريا وانما اجتماع روتيني عادي، وبدليل ان رجال الأمن في السفارة كانوا يعلمون به.
سنتجاوز هذا المعيار العجيب الذي قدمه السفير.. نعني ان علم أو عدم علم رجال أمن السفارة هو المعيار لعلنية أو سرية الاجتماعات.
طالما ان الاجتماع كما يقول السفير كان علنيا، وليس فيه بالتالي أي شيء يدعو إلى الريبة أو الشك، فلماذا إذن لا يقول السفير علنا ما الذي دار في الاجتماع، وما هي القضايا التي تمت مناقشتها، وما هي المواقف التي عبر عنها السفير؟
بالطبع، قد يقول البعض ان هذا ليس من باب اللياقة الدبلوماسية.
وهذا يصح في الأحوال العادية. لكننا ازاء حالة استثنائية. نعني اننا ازاء قضية فجرت جدلا هائلا وغضبا واسعا من جانب قطاعات واسعة في المجتمع، واثارت الكثير من الريبة والشك في موقف السفير والسفارة، والى الحد الذي اصبح البعض يطالب فيه بطرد السفير أو قطع العلاقات.
فلماذا إذن، لا يبدد السفير هذه الشكوك إذا كان فعلا لم يكن هناك ما يدعو إلى الشك؟
وفي كل الأحوال، وبغض النظر عما دار فعلا في الاجتماع والمواقف التي عبر عنها السفير لأعضاء الوفاق، فالأمر المؤكد ان مجرد قبول السفير عقد الاجتماع في هذه الاجواء، هو بحد ذاته تشجيع غير مباشر للمواقف التي عبرت عنها الوفاق في مؤتمرها.
مجرد اعطاء الانطباع العام للوفاق والمجتمع البحريني عامة بهذا، هو تدخل سافر في شأن داخلي.
ليس هذا فحسب، بل انه يسهم في تأجيج توتر داخلي حول هذه القضية، وهذا هو ما حدث بالفعل في الفترة الماضية على نحو ما تابعنا.
أي ان ما فعله السفير ليس فقط تدخلا في شأن داخلي، ولكنه أيضا يغذي التوترات الداخلية في المجتمع.
سوابق بريطانية، على ضوء كل ما ذكرناه، وبغض النظر عن الموقف الدبلوماسي الرسمي من جانب حكومة البحرين، نستطيع ان نتفهم الغضب الذي عبر عنه الكثيرون في البحرين ازاء ما فعله السفير باجتماعه مع الوفاق.
وهذا الغضب يمكن تفهمه على ضوء عامل آخر مهم .. ان هناك سوابق بريطانية كثيرة في هذا الاتجاه، أي في اتجاه التدخل المرفوض في شئون داخلية بحرينية.
لا نتحدث هنا عن سوابق التاريخ البعيد في زمن الاستعمار والحماية البريطانية. هذا تاريخ حافل بسياسات بريطانية ثابتة بتشجيع الفتن والتوترات الطائفية والسياسية بين ابناء البحرين، حكمها دوما المبدأ الاستعماري البريطاني الثابت المعروف "فرق تسد". وهو تاريخ حافل بالمواقف الانتهازية التي توحي لكل طرف بأن بريطانيا معه، أو يمكن ان تكون معه في مواقفه أيا كانت. وهذا أمر يعرفه أي قارئ لتاريخ البحرين وتاريخ المنطقة عموما، ولو أردنا أن نتحدث عنه تفصيلا لاحتاج الأمر إلى صفحات طوال.
نحن نتحدث عن السوابق القريبة في السنوات الماضية، والتي أثارت بالفعل غضبا واحتجاجات في البحرين، ولا شك ان السفير على علم تام بها.
نعني هنا سوابق من قبيل احتضان أفراد قوى معارضة تخريبية في بريطانيا وتقديم التسهيلات لهم، على الرغم من علم السلطات البريطانية بارتباطات هؤلاء بقوى معادية للبحرين وعلمها بمصادر تمويلهم وحقيقة نواياهم.
ومن المهم هنا أن نذكر بما سبق وقاله الأستاذ أنور عبدالرحمن حين تحدث منذ فترة في مجلس اللوردات البريطاني، وانتقد بعنف ايواء السلطات البريطانية واحتضانها بعض البحرينيين الذين يتشدقون بالأكاذيب والافتراءات ويرددون قصص التعذيب المزعومة. وكان ملفتا انه في اليوم التالي مباشرة، وعلى ضوء ما قاله الأستاذ أنور ان صحفيا بريطانيا معروفا كتب في صحيفة "ديلي تلجراف" يتساءل في دهشة واستنكار: لماذا تأوى بريطانيا هؤلاء البحرينيين الذين يلعبون دورا تخريبيا؟
ونشير ايضا في سياق الحديث عن السوابق البريطانية إلى السابقة الاخيرة التي أشرت اليها في مقالي عن "هيومن رايتس ووتش". أعني استقبال المسئولين في وزارة الخارجية البريطانية لمسئولين في هذه المنظمة لمناقشة تقريرهم عن التعذيب المزعوم في البحرين.
مجرد استقبال الخارجية البريطانية لهؤلاء لمناقشة هذه القضية، كان بحد ذاته تدخلا سافرا في شئون داخلية بحرينية.
حقيقة الأمر ان الأمر ليس هينا. هو تجاوز لخطوط حمراء في العمل الدبلوماسي، وفي تقاليد واعراف العلاقات بين الدول والقواعد والقوانين الدولية التي تحكمها.
العلاقات الدبلوماسية بين الدول المستقلة تقوم على احترام دستور وقانون البلد، وعلى عدم التدخل باي شكل في أي شأن داخلي، وعلى احترام السلطات الرسمية المسئولة وعدم تجاوزها في أي ظرف ولأي سبب. وما عدا ذلك خطوط حمراء ليس مقبولا تجاوزها.
اعطاء أي قوة سياسية أيا كانت الانطباع ولو غير المباشر بأنها تحظى بتأييد أو تعاطف قوة خارجية هو خط احمر.
الاسهام في توتير الأوضاع الداخلية باي شكل ولو بشكل غير مباشر هو خط احمر.