باسم الطويسي - الغد الأردنية – 7/3/2010
بدأت الانتخابات العراقية بالتزامن مع الذكرى السابعة للاحتلال الأميركي، ومع حضور المزيد من القناعة لدى فئات واسعة من المجتمع والنخب العراقية ان الديمقراطية قد تكون احد أبواب خروج الاحتلال، وهي القناعة التي تجعل سؤال الانتخابات العراقية أكثر حيرة وحساسية ليس في البحث عن مستقبل العراق وحسب، بل وعن مصير المشروع الأميركي في المنطقة وطبيعة التفاعلات السياسية التي سوف تعكسها النخبة العراقية القادمة على التفاعلات الإقليمية وشكل الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة، وهل تأتي التحولات المنتظرة من البوابة العراقية مرة أخرى.
والقناعة الأخرى إلتي لا تقل خطورة تتمثل في ان هذه الانتخابات التي من المتوقع ان تشهد أعلى نسبة مشاركة انتخابية قد تكون نقطة تحول أساسية في تاريخ الصراع السياسي في العراق وعلى العراق، فكما قد توفر هذه الانتخابات الحد الأدنى المعقول من التوافق الوطني، فإن هناك أصواتا أخرى تشير الى أنه إذا ما أعادت الصناديق النخبة السياسية السابقة نفسها في السياق الطائفي، فإن العراق مقبل على حرب أهلية جديدة من نوع آخر.
قبل الاحتلال وعلى مدى عهود طويلة لا يمثل عهد صدام حسين فيها سوى الحلقة الأكثر إثارة، بقي سنة العراق كما هو الحال في لبنان لسنوات قليلة مضت أيضا، يفكرون بعقلية الأمة وليس بذهنية الطائفة ويمارسون السياسة كما تعكسها الممارسات اليومية في الشارع وفي الحياة العامة بهذه المسؤولية، فيما خلقت تحولات السنوات السبع الماضية إعادة إنتاج ذهنية الطائفة لدى الجميع، فيما وفر تزعم السنة للمقاومة العراقية فرصة جديدة لعودة التفكير بعقلية الأمة مرة أخرى، والتي تفسر الالتزام بمسؤولية تاريخية معقدة وحساسة، ولكن هذه الحال لم تستمر على طول المسار، فقد سقط سنة العراق في لعبة الطائفة نتيجة شعورهم بالعجز عن المشاركة القوية وفق قواعد اللعبة التي صاغتها مصالح ومبادئ الطائفة الأخرى، حينها وجدوا أنفسهم أمام إقصاء حقيقي ومحاولة اجتثاث سياسي منظم على طول السنوات الماضية، وهي العملية التي أخذت مضامين متعددة آخرها التهم البعثية والاجتثات السياسي الذي واجهه مرشحو السنة من قبل هيئة المساءلة والعدالة ومفوضية الانتخابات التي يتهمها السنة بأنها أداة في يد الإيرانيين.
وعلى الرغم من بعض المحاولات التي اتخذتها حكومة المالكي التي صبغت بصبغة طائفية لاستعادة عقلية الأمة من منظور الآخر ومنها الضربات التي وجهتها قواتها الى معاقل تنظيمات شيعية متطرفة، إلا ان سياق الممارسات اليومية حيال السنة قد عمق ذهنية الطائفة بين الطرفين وضرب عميقا في الهوة التي لم تجسر عبر السنوات وعمقت ببحر من الدم.
لا يجد العراقيون السنة اليوم أمامهم إلا الانتخابات والعودة للعملية السياسية، فمسار الاجتثاث والإقصاء السياسي يقود نحو كارثة أخرى، قد نتصورها في حرب أهلية طويلة تجر لانسحاب أميركي غير نظيف، وتجر لتورط إقليمي أمام حرب مفتوحة ستكون الجغرافيا الممتدة إحدى ساحاتها البعيدة.
لهذا يبدو واضحا تفسير التحالفات الانتخابية العراقية الجديدة واستعداد السنة للانخراط في قائمة مختلطة يتزعمها رئيس الوزراء العراقي السابق إياد علاوي الذي يوصف عادة بالشيعي العلماني، ما يفسر فرصة أخرى أمام السنة للعودة لعقلية الأمة.
مسار بناء الدولة الوطنية العراقية أمامه فرصة جديدة لاستعادة عقلية الأمة أي أن تتجاوز الدولة التي تتشكل من جديد ذهنية الطائفة وهذا هو المسار الوحيد لإنجاز الاستقلال والسيادة.