حقائق قبل كامب ديفيد
الثلاثاء 19 مايو 2015

 

 أنور عبد الرحمن – أخبار الخليج البحرينية 12/5/2015

 

 

بعد أيام، سوف يستضيف الرئيس الأمريكي باراك أوباما زعماء من دول مجلس التعاون في قمة تناقش الاتفاق النووي مع ايران وتداعياته وتأثيراته ومخاوف دول الخليج العربية.
ولا شك ان القادة العرب الذين سيشاركون في القمة يدركون ان الواقعية والاعتدال هما مفتاح النقاشات التي ستشهدها القمة، لكن بشرط ألا يكون هذا على حساب مصالح دولهم وشعوبهم.
وهناك عدد من الأمور والحقائق لها اهمية كبرى يجب ان تكون واضحة امام الوفود العربية في القمة.
أولى هذه الحقائق إدراك ان ادارة أوباما خاضعة بشكل مباشر او غير مباشر لتأثير ونفوذ المهاجرين الايرانيين في امريكا. الكثيرون من هؤلاء يحتلون مواقع مؤثرة وحساسة في دوائر صنع السياسة في أمريكا.

ليس هذا مجرد افتراض نظري، بل هو حقيقة ثابتة وواقع مؤكد يعرفه أي مراقب متابع للحياة السياسية في أمريكا.

نشير هنا مثلا الى ان «المجلس الوطني الايراني الأمريكي» الذي تأسس عام 2002 يعتبر اكبر تجمع للوبي الايراني في امريكا، ويلعب دورا مهمّا في التأثير على المسئولين واعضاء الكونجرس.
واذا أردنا ان نذكر بعض اسماء الشخصيات المؤثرة في هذا الاطار، نشير الى سحر نوروز زادة في مجلس الأمن القومي الأمريكي، والتي تم الكشف مؤخرا أنها عملت لحساب المجلس الايراني الأمريكي.
هناك ايضا فاليري جاريت، اكبر مستشارة لأوباما وموضع ثقته المطلقة، وهي من أصل ايراني ومولودة في شيراز.

وهناك في مجال الاعلام رانا فروهر نائبة مدير تحرير مجلة «تايم» وبابك دهقانبيشه المحرر البارز في «نيوزويك»، وكريستين امانبور في سي ان ان. وهناك ايضا الكثير من الأكاديميين في مراكز الابحاث الذين يلعبون دورا مهمّا مثل ولي نصر والدكتور رمضاني.

وينبغي التوقف مطوّلا هنا امام حقيقة ان فانيسا كيري ابنة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري متزوجة من الطبيب الايراني بهروز والانهيد.

الأمر المؤكد ان هؤلاء الأشخاص وغيرهم كثيرون يلعبون دورا مهمّا في التأثير على مواقف أوباما ورؤيته للأوضاع في منطقة الخليج.

أحد الجوانب المهمة الأخرى التي يجب التنبه إليها علاقات طهران وروابطها مع موسكو. هذا الأمر يمثل مصدر انزعاج وقلق بالنسبة إلى البيت الأبيض، وخاصة في ظل اندلاع حرب باردة جديدة بين امريكا وروسيا. القضية هنا ان امريكا لديها مصلحة كبيرة في تحييد ايران في هذه الحرب، وفي سبيل ذلك، ستكون مستعدة لتقديم تنازلات لطهران. هذا أمر مهمّ بالنسبة الى أمريكا سعيا لعزل روسيا ووقف نفوذها في مياه الخليج الدافئة.

هذه الحقائق وغيرها يجب ان تكون حاضرة في الأذهان. وهي تعني ان مهمة الوفد العربي في القمة مع أوباما لن تكون سهلة أو هينة.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، اصبحت الولايات المتحدة هي القوة العظمى الأكبر في العالم وانفردت بهذه المكانة. ولكن الذي حدث قبل ايام حين نظمت روسيا استعراضا عسكريا هائلا في ذكرى الانتصار على النازية، له اهمية كبرى ومغزى مهم. الذي حدث انه لم يشارك في هذه المناسبة المهمة في روسيا أي وفد امريكي او من اوروبا الغربية. ويعني هذا ببساطة ان حربا باردة جديدة اندلعت بالفعل.

من الواضح ان هذا الأمر لم يفاجئ الروس. وكان ملفتا للعالم كله حرص الروس على استعراض قوتهم العسكرية الضاربة بشكل غير مسبوق، من أحدث المعدات العسكرية المتطورة، الى الدبابات، الى أحدث الطائرات المقاتلة.. الخ.

من الواضح ان روسيا أرادت ان تبلغ امريكا والعالم رسالة واضحة مؤداها «نحن مازلنا قوة عظمى».
الحقيقة ان مثل هذا الاستعراض الروسي الرهيب للقوة لم يحدث على امتداد العشرين عاما الماضية، ولا حتى ايام الاتحاد السوفيتي. لقد استمر هذا الاستعراض للقوة مدة 16 ساعة، حتى منتصف الليل.
أمر آخر يجب ان يكون حاضرا في ذهن القادة العرب، ينبغي ألا يكون الحرص على العلاقات الدولية سببا أو مبررا للتهاون او التردد من اجل استرضاء أمريكا.

القادة العرب يجب ان يكونوا صرحاء إلى اقصى حد في طرح مواقفهم وتحفظاتهم ورؤاهم، وان يمارسوا كل الضغوط التي يستطيعون ممارستها، والا يتركوا لأمريكا أي مجال للمراوغة.
من الحقائق التاريخية المعروفة ان امريكا لها مصالح هائلة مع دول مجلس التعاون الخليجي. لا يستطيع أي رئيس امريكي ان يتجاهل هذه الحقيقة او يتجاوزها. وبالإضافة الى هذا، فإن عدد رجال الأعمال الأمريكيين الذين لهم ارتباطات ومصالح في دول مجلس التعاون هو اكبر عدد على الاطلاق من رجال الأعمال الأجانب في المنطقة.

وفي كل الأحوال، ينبغي إدراك ان الحوار الذي سيجري مع امريكا هذا الأسبوع ليس مجرد قضية سياسية، وإنما له أهمية حاسمة في حماية المصالح الاقليمية.

وينبغي للقادة العرب ان يدركوا ايضا ان قدرة طهران على ممارسة العمل السياسي بشكل نفعي يخدم مصالحهم، والعقلية الاستغلالية لآيات الله هي قدرة هائلة بحيث ان مكيافيللي يبدو بالنسبة إليهم مجرد تلميذ متدرب. لقد عرفنا هذا واختبرناه منذ سنوات طويلة.

وعلى سبيل المثال، فان الرئيس محمد خاتمي الذي زعم البعض انه كان معتدلا، استطاع خلال سنوات حكمه الثماني ان ينفذ برأس بارد مخطط اختراق كل دول مجلس التعاون، عبر طابور خامس من العملاء لإيران. واليوم، ينتظر الرئيس حسن روحاني ان يجني ثمار النجاح في هذا المخطط.
ويعني هذا بالنسبة إلينا ان سوريا واليمن هما جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، ويجب ألا يكونا خاضعين لأي نفوذ ايراني.

وفي هذا الاطار ايضا، لم يكن تعيين جواد ظريف وزيرا للخارجية في ايران مصادفة، بل كانت خطوة مدروسة. فظريف منذ كان في السادسة عشر من عمره تعلم في امريكا حتى حصوله على الدكتوراه. والحقيقة ان العلاقات التي تجمع بين جون كيري وظريف ليست دافئة وحميمة فقط، بل هي مثيرة الى أقصى حد.

واخيرا، فإن صناع السياسة في امريكا يجب ان يفهموا ان القوتين العظميين، روسيا والصين، ليستا اليوم في مواجهة ايديولوجية مع واشنطن او العالم الحر. هاتان الدولتان الشيوعيتان في الماضي هما اليوم دولتان رأسماليتان.

واذا كان هناك كلمة اخيرة نقولها للقادة العرب المشاركين في قمة كامب ديفيد، فهي: أنظار كل الشعوب الخليجية والعربية ستكون مركزة عليكم، وعلى ما ستتخذونه من مواقف. 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: