استراتيجية إيران تجاه الثورات العربية تكتيك جديد يستثني سوريا واليمن
الأحد 19 أبريل 2015

 

 د. محمد بن صقر السلمي – صحيفة مكة 12/4/2015م

 

 

تتسم السياسة الإيرانية بالازدواجية الواضحة أحيانا، في تعاطيها مع كثير من الأحداث على الساحة الإقليمية والدولية. وكانت التغيرات السياسية التي عصفت بالمنطقة العربية منذ نهاية 2010، أو ما يعرف بـ «الربيع العربي» دلالة جليّة على ذلك، فكان الموقف الإيراني مرتبكا إلى حد كبير حيث أيدت طهران بعض هذه التغيرات السياسية ورحبت بها ولكن ما إن وصلت موجة التغيير إلى حليفها السوري حتى تغير الموقف وعملت على الفصل بين جميع الثورات العربية من جانب، والثورة السورية.

ولضمان تحقق أهدافها الاستراتيجية بالمنطقة وحماية أذرعها في الداخل العربي، دافعت طهران بكل ضراوة عن نظام بشار الأسد وعملت على إقناع الدول الغربية بصحة موقفها من الأحداث التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط وتسوق لذلك بسبل متعددة ووسائل متنوعة.

في هذا الصدد، تمثل الأزمة السورية وموقف الجانب الإيراني منها نموذجا جليا لهذه الازدواجية، ولا أقول البراغماتية، حيث يتضح أن قراءة إيران لطبيعة الأحداث في سوريا وأسباب ذلك والجهات التي تقف خلفها قد شهدت الكثير من التغيرات والتحولات وفقا للمصالح الجيوسياسية والأيديولوجية والسياسية.

وللوقوف على ذلك بشكل دقيق، فقد تم تقسيم هذا التقرير إلى ثلاثة أجزاء رئيسة هي:

1 - موقف إيران من «الثورات العربية»:

عندما انطلقت شرارة ما يسمى بالربيع العربي وأطاحت بالأنظمة في تونس ومصر واليمن وليبيا، بدأت إيران بالترحيب بهذه التغيرات على الساحة العربية واعتبرتها «متعلقة بكرامة الشعوب» وأنه «سيأتي يوم وتشتعل هذه البلدان التي نارها لا تزال تحت الرماد»، تعني بذلك بطبيعة الحال دول الخليج العربي. وعنونت جميع تحركاتهم بالكرامة القومية والعدالة الاجتماعية والحرية وجميعها تحت ظل الدين الإسلامي.

لم يقف الترحيب الإيراني الكبير بهذه التغيرات على الساحة العربية عند هذا الحد، بل ربط ذلك بما أسماه بـ «الصحوة الإسلامية» وأن هذه التطورات استلهمت حِراكها السياسي من الثورة الإيرانية عام 1979، وأن «الصحوة الإسلامية هي الكلمة الثابتة والمتأصلة، وتريد الشعوب الإسلامية العدالة والحرية والديموقراطية وكذلك يريدون الاهتمام بهويتهم الإنسانية التي يرونها في الدين الإسلامي، وليست في المدارس الأخرى».

2 - أزمة سوريا ومسبباتها:

بدأ الموقف الإيراني المرحب بالثورات العربية يتجه نحو الانتقائية في نظرته بعد أن وصلت موجة الثورات إلى سوريا، حليف إيران الأول في المنطقة العربية. فقد تحول الترحيب بالحراك السياسي السابق على الساحات التونسية والمصرية والليبية واليمنية إلى شكوك، وظهرت نبرة الإيمان بـ «المؤامرة» عند الحديث عن الأزمة السورية.

من هنا ركزت إيران على الفصل بين جميع أحداث المنطقة العربية والحالة السورية، الأمر الذي رفع مستوى الشكوك حول موقف إيران المبدئي من الثورات العربية.

وعندما وصلت موجة الثورات العربية لسوريا، تحدث المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي عن ذلك وزعم أن طبيعة الأوضاع بسوريا تختلف عنها في بقية الدول العربية فتلك الدول، من وجهة نظره «كانت ثورتها ضد أمريكا وضد الصهيونية لكن في سوريا فإن يد أمريكا واضحة وجلية والصهاينة يتبعون هذه القضية، فنحن لا ينبغي أن نخطئ ولا ينبغي أن ننسى هذا المعيار، وأن تلك الثورة هي ثورة شعبية أصيلة قامت ضد أمريكا والصهيونية، وأن هذه الشعارات في سوريا تعد لمصلحة أمريكا وإسرائيل وأنها ثورة مشبوهة. ونحن سنحافظ على هذا المنطق وهذا البيان وهذا التنوير».

3 - سوريا بعد اتفاق نوفمبر 2013

بعد اتفاق نوفمبر 2013 المبدئي بين إيران ومجموعة 5+1 حول الملف النووي الإيراني غيرت إيران «العدسة» التي كانت تنظر من خلالها لطبيعة الأوضاع في سوريا.

تحولت طهران من إلقاء اللوم على «قوى الاستكبار العالمي» والمخططات «الصهيو- أمريكية» إلى العزف على نغمة «الإرهاب العالمي» التي تتوافق وهواجس القوى العظمى، والولايات المتحدة على وجه الخصوص تجاه الأحداث في المنطقة.

ركزت إيران كثيرا على خطر الجماعات الإرهابية التي تنشط في سوريا والعراق وحاولت أن تعمق مزاعم أن هذا الإرهاب قادم ومدعوم من قبل دول إقليمية كالسعودية وقطر وتركيا، وإن كان التركيز على الأولى هو الأكثر بروزا وتكرارا.

بعبارة أخرى، أصبح مصطلح الإرهاب يتركز على الجماعات المسلحة السنية ولا يفرق إطلاقا بين داعش وجبهة النصرة والجيش السوري الحر وقوات العشائر والبعثيين في العراق وغيرها من الجماعات المسلحة في سوريا والعراق، الأمر الذي يحقق تماما أهداف الجانب الإيراني القائمة على إبقاء نظام الأسد في السلطة واستمرار حكومة مقربة منها وتحت نفوذها في العراق.

ولم يعد هناك أي تركيز على المشروع الصهيو-أمريكي، وتم استبدال ذلك بالعزف على وتر الإرهاب والجماعات الإرهابية وكيل التهم لدول المنطقة بدعم الإرهاب ماليا وعسكريا.

خلاصة القول

قاد وصول لهب هذه النار إلى حليف إيران الأول في المنطقة العربية، النظام السوري، قاد النظام الإيراني إلى اعتماد استراتيجية جديدة تعتمد في المقام الأول على إعادة فرز هذه الثورات وتصنيفها إلى ثورات شعبية (مصر وتونس واليمن وليبيا والبحرين) ومؤامرات صهيو-أمريكية مدبرة (الحالة السورية) أو «فتنة» مدعومة من الخارج (الحركة الخضراء في إيران) تستهدف محور المقاومة والممانعة في وجه الكيان الإسرائيلي.

من جانب آخر، تغيرت، مرة أخرى القراءة الإيرانية للأوضاع في سوريا بعد الاتفاق بين إيران ومجموعة 5+1 حول الملف النووي الإيراني في نوفمبر 2013. هذا التغير لم يمس موقف إيران الداعم للنظام السوري بل اكتفى برفع تهم الوقوف خلف الأزمة السورية عما تطلق عليه طهران «قوى الاستكبار العالمي» وإلقائها على «الإرهاب العالمي».

الدافع الرئيسي للقراءة الإيرانية الجديدة للأوضاع في سوريا والعزف على وتر «الإرهاب العالمي» يعد تكتيكا إيرانيا ثالثا في تعاملها مع ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من متغيرات. وتهدف من وراء هذه الاستراتيجية الجديدة، من جانب، إلى الابتعاد عن نغمة العداء للغرب لتجنب أي توتر قد ينعكس على سير المفاوضات حول البرنامج النووي وما قد ينجم عنه من رفع للعقوبات الغربية المفروضة على طهران وإخراجها من العزلة السياسية التي تعيشها وإنقاذ الاقتصاد المحلي.

ومن جانب آخر، محاولة بناء شراكة جديدة مع القوى الكبرى تحت مظلة الحرب على الإرهاب عبر التسويق لمزاعم أن الإرهاب يستهدف إيران كما يستهدف الغرب، وأنه سيصل إلى أوروبا بشكل عام بعد أن يقضي على الشيعة في المنطقة. هذا الأمر يتكرر حاليا في تعامل إيران مع الانقلاب الحوثي في اليمن ويكرره زعيم الانقلابيين في خطبه ونظرته لبعض المحافظات اليمنية مثل مأرب ومحافظات الجنوب.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: