أزمة الهوية وقضية تزيف الوعي الجمعي بتاريخ الأمة الإسلامية – غرب إفريقيا نموذجا
الخميس 25 سبتمبر 2014

 

 عبد الله موسى أحمد الفلاني – موقع مجتمع الأفارقة  25/6/2014

 

 

مدخل :إن المتأمل في حال الأمة الإسلامية اليوم , يجد أن الغالب منها يعيش حالة من التشويش والتغيب في الوعي التاريخي مما تسبب في أزمة هوية وانتماء, أصبحت هذه الأزمة هي دعامة التخبط و التبعية والفرقة و الفشل .

قد لا يعلم البعض أن غياب مفهوم الهوية العامة للأمة هو أهم أسباب تدهور حالها اليوم. وقد تيقظ المستعمر الصليبي لقضية الهوية الجامعة لأبناء الأمة الإسلامية, مع الفروقات والبون الشاسع بين أبناءها, عرقيا ولغويا وجغرافيا, فعمل عن قصد وإصرار مسبق على تشويه معالم هذه الهوية الجامعة والتي نشأت عن الإيمان بالله تعالى واعتناق الدين الإسلامي, ذلك الدين الذي روض أعتا الأمم وأقساها قلوبا وأقحطها مشاعرا, روض القبائل العربية قبل غيرها من الأعراق والتي كانت في يوم من الأيام وفي عمق جاهليتها, تتعمد دفن الوليدة حية دون ذنب اقترفته بحجة الحفاظ على الشرف وكأن هذه الوليدة الضعيفة قد ولدت و مكتوب على جبينها عاهرة ؟!

يااااه أي قسوة تحملها هذه القلوب ؟!!

وكانت هذه القبائل إبان جاهليتها تعيش جوا من التنازع و(الاحتراب) فرضت عليها بسبب الجهالة والعنصرية وغيرها من الأسباب, ولم تشفع لهذه القبائل ما كانت تحمله في جاهليتها من فضائل, من كرم وشهامة وغيرها, لم يشفع لها ذلك عن ممارسة قسوتها الصحراوية والجبلية وفق لمنطق جفاف المشاعر وتدني درجة الحس الإنساني وغياب الإيمان الواعي.

جاء الإسلام بلا إله إلا الله محمد رسول الله و بدأ عملية استئصال لهذه الجاهليات ,ومن أهم مفاصل هذه العملية الإستئصالية (المعقدة) هي عملية إعادة صياغة الهوية على أساس غيبي غير ملموس حقيقة, هو أساس الإيمان بالله تعالى ,

نعم هذا الأساس السماوي الروحاني الرباني هو ما ذوب بقية الأساسات الجاهلية من ولاءات عرقية قبلية قومية ضيقة, أو ولاءات أرضية طينية فانية، أو حتى تلك الولاءات المصلحية المادية البحتة.

عمل الإسلام على تذويب أساسات النزاع و الفرقة ..أساسات التمييز والمغايرة, عمل على نزع كل ما يفضي إلى التنافس ومن ثم التشاحن والتنازع إلى درك الفرقة والفشل وذهاب الهيبة والقوة والمنعة.

فتأسست أمة مسلمة تستوعب جميع الأعراق وتنتشر على كافة الرقعة الجغرافية، التوحيد دينها والعدالة رايتها واللاتمييز سمتها وسموا الأخلاق هدفها ورضى الرحمن والجنة غايتها, بهذه الميزات تأسست الحضارة الإسلامية وانتشرت بالسلم أكثر منه بالحرب والمقارعة و الجهاد والفتح .

عندما فطن المستعمر الصليبي لهذه القضية – أعني الهوية الإسلامية الجامعة – شمر عن ساعديه ليستلبها من خصمه التقليدي فأرسل المستشرقين, وأنشأ يشوه ويزور معالم التاريخ, حتى استطاع زرع أول بذرات التفرقة بين أبناء الأمة وذلك على أساس استهداف هويتها الجامعة, وبدأ العد التنازلي في الإرتكاس والانتكاس والهبوط إلى القاع .!

كانت البداية بالعودة إلى أساسات الجاهلية, وتبنى أبناء الأمة الإسلامية قضية القومية العرقية بإيعاز من المستعمر الصليبي, فتعصبت كل عرقية لنفسها, وحصل الافتراق الأولي على أساس العرق, وبعد انهيار الرجل المريض – السلطنة العثمانية – غدا العالم الإسلامي غنيمة كبيرة للمستعمر الصليبي, تصور معي حجم خارطة هذه الغنيمة ,

من أقاصي بلاد ما وراء النهر شرقا إلى أبعد مدى مغاربي غربا, ومن أعالي بلاد القوقاز شمالا إلى أدنى نقطة في غرب أفريقيا جنوبا, ماذا تتوقع من المستعمر أن يفعل بهذه الغنيمة وقد حوت الثروات الجمة ..ثروة زراعية, ثروة حيوانية, ثروة سمكية, ثروة معدنية, ثروة بيئية وجغرافية, ثروة بشرية وعمرانية و…..و….و إلخ .

لابد أنه سيستهدف الهوية و يدمرها من أساسها كي تسهل عليه عملية التهام هذه الغنيمة العظيمة, دون أي مقاومة أو مقارعة تذكر من قبل أبناء الأمة الإسلامية .

سأضرب مثال يبين مدى تغيب الوعي الجمعي عن حقيقة تاريخ الأمة الإسلامية :

الخليج العربي هو ميدان هذا المثال: غالب أبناء الخليج تلقوا تعليمهم في المدارس الحكومية ووفق مناهج تمت صياغتها ووضعها من قبل النظم القائمة في الخليج العربي, يرتل الطالب والطالبة يوميا النشيد الوطني حين تلاوته في طابور المدرسة الصباحي تعزيزا لهويته وانتماءه لقطره و بلده ووطنه وملكه او أميرة أو سلطانه أو رئيسه ؟!!

لو طرحنا تساؤلا بسيطا هنا ومن ثم استأنفنا توصيف المثال :

في مادة التاريخ التابعة للمناهج الحكومية, هل تم تدريس حقبة ما بعد انهيار ” الرجل المريض ” واستفراد المستعمر الصليبي في إعادة خارطة المنطقة وما صحبها من أحداث وتفاصيل إلى تاريخ تأسيس دولتك ووطنك -1922م – وما دون …؟

 الخليج العربي :عندما يحتفل أبناء الخليج العربي بأعيادهم الوطنية, ويقومون بتلاوة وترتيل الأناشيد الوطنية و يفرحون و يبتهجون و يعيشون نشوة الأمجاد و حب الوطن.

تكتشف حقيقة وهي :إما أن تكون الشعوب الخليجية مغيبة تماما عن حقيقة تاريخها وأمجادها, أو أن هذه الشعوب فعلا لا تحمل تاريخا ولا أمجادا سواء ما تحتفل به أيام أعيادها الوطنية.

لأنك لو تأملت فيما يحتفلون به من أمجاد لوجدته لم يتجاوز المائة سنة بمعنى من 1922م و ما بعد ذلك من تاريخ و المشوه أساسا , وفي الحقيقة صياغة استعمارية بحته .

لماذا ؟ لأن شعوب الخليج العربي لهم امتداد تاريخي إلى أكثر من 1400 سنه ,قد أسسوا حضارة امتدت إلى أقاصي الشرق والغرب, وإلى أعلى الشمال وأدنى الجنوب, حضارة أخرجت الناس من الظلمات إلى النور, حضارة لم تنعم بمثلها الإنسانية قط على مدى قرون !!كيف بهذه الحضارة أن تختزل في تاريخ لا يتجاوز المائة سنه ؟ وكيف تختزل الأمجاد برموز وأسر معاصرة ؟ هنا يظهر جليا مدى التزييف والتشويه في الوعي الجمعي الخليجي للتاريخ, وعلى ذلك يمكن القياس على بقية أقاليم الأمة الإسلامية .

غرب أفريقيا العنوان العريض والتاريخ المشوه و المنسي

بعد أن تعرفنا على أهم معالم التزييف و التشويه للوعي الجمعي تاريخيا, وضربنا مثالا بدول الخليج, نسقط ذلك على غرب أفريقيا, ونطرح التساؤل التالي :

هل فعلا كانت غرب أفريقيا تعيش عصور الظلمات إلى أن وصلها المستعمر فأخرجها من الظلمات إلى النور, أم أنها كانت تعيش أوج حضارتها فأتاها المستعمر وأخرجها من النور إلى الظلمات ..؟!

للإجابة على هذا السؤال لابد من الإستعانه بمؤرخي الاستعمار أنفسهم :

يقول المؤرخ الغربي أكافور: ”عند ما جاء المستعمر الأوربي إلى غرب إفريقيا في القرن التاسع 1900م, كان المثقفون الإفريقيون يكتبون باللغة العربية, وكانت جميع المدونات والسجلات التاريخية عن غربي إفريقيا وهي التي عثر عليها المستعمرون, كانت جميعها مكتوبة باللغة العربية “.

ويعضد هذا القول قيام ممالك إسلامية ونشأة حضارات على غرار ما نشأ في الشمال والشرق الأفريقي وامتدت لفترات من الزمن وتركت على إثرها رصيدا جما من الإثراء المعرفي والفكري والأدبي ناهيك عن الديني و الأخلاقي .

من هذه الممالك :

1-  مملكة مالي ( في كنجايا ) 1300-1700م - 4 قرون .

2-  مملكة برنوا و كانم ( شرقي نيجيريا ) 1380-1893م – 6 قرون .

3-   مملكة صنغاي ( في تنبكتو )1493-1528م- قرن واحد تقريبا .

4-   مملكة باجرمي ( تشاد )1600-1900م – 3 قرون .

5-  مملكة واداي ( شرق تشاد )1615-1909م 3- قرون تقريبا .

6-  مملكة هوسا و الفلان ( شمال نيجيريا )1804-1903م قرن واحد تقريبا.

 

ابتداء من القرن الثالث عشر ميلادي وربما قبل ذلك أيضا وغرب أفريقيا تزخر حقيقة بحضارات إسلامية راقية, تعتبر امتداد مطرد لتلك النواة الحيوية التي أسسها خير خلق الله عليه الصلاة والسلام في دولة الإسلام الأولى ” طيبة الطيبة “,

ترعرعت ونشأت وازدهرت وامتدت ووتحولت إلى أنموذجا حضاريا فريد من نوعه على مدى التاريخ الإنساني, عملت به الكثير من الكيانات والتجمعات فنتج عن ذلك حضارات إسلامية راقية خلد التاريخ أهم إيجابياتها وانعكاساتها على بني الإنسان, وعملت على إخراج الناس من الظلمات إلى النور, وأسست لقيم ومبادئ وعادات وتقاليد إسلامية صرفة, إلى أن وصلها المستعمر الصليبي, في بدايات القرن التاسع عشر, حاملا على عاتقه معاول الهدم و التهجير والسلب والنهب, وتشويه العقائد والفطر وتغيب التاريخ والأمجاد, فتحولت غرب أفريقيا إلى صراعات وصولات وكرات وفرات بين شعوبها المسلمة والمستعمر الوافد, ومن ثم تحول الصراع إلى الداخل, بين العرقيات وبين أصحاب الأديان المختلفة والمذاهب المختلفة والإثنيات والأقليات, وتحولت أرض غرب أفريقيا إلى بؤرة تنذر بخطر مستقبلي كارثي !!!

في حال لم يتم تدارك الأمر بوعي ويقضه فكرية وذلك وفقا لسنة الله تعالى في الأمم على مدى بدأ خلق الخليقة .

نحن كأبناء غرب أفريقيا مغيبون عن ذلك الإرث الثقافي والحضاري الإسلامي في مناهجنا الدراسية الحكومية, والمؤسسات التعليمية, إلا من بعض الجهود الفردية التي أرخت لتلك الحقبة القاتمة, والتي أطلقت عليها اسم ( حقبة النكبة الغرب أفريقية ) !!؟

وهذا التغيب تسبب في غياب المحرك الأساس لهمم الأجيال الناشئة, الهوية الداعمة والانتماء الفطري والديني الطبيعي, فلا أمجاد تذكر ولا قدوات تحتذا ولا عزة فطرية ولا بناء فكري.

قد يستغرب الباحث من أن أكبر القبائل المسلمة في غرب أفريقيا, من البرنو والهوسا والفلان والقرعان والكالمبوا والطوارق وغيرهم, كانوا يتراسلون بلغاتهم الأم مدونة – بالألف باء– العربية.. وهذا بسبب تأثرهم وتشربهم وتشبعهم باللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم, أما واقع الحال اليوم وفي ظل دويلات الاستقلال الوظيفية المشبوهة,

ذلك الاستقلال والذي أعتبره شخصيا عملية درامية قام بها المستعمر للانسحاب ميدانيا من هذه المناطق, والبقاء سلطويا وإداريا من خلال من تربوا في أروقته وتعلموا في جامعاته, ومن ثم الاستمرار في عملية التشويه وتزيف الهوية, ونهب وسلب خيرات ومقدرات هذه البلدان لكن بأيدي أبناءها الخونة ربيبي الاستعمار وراضعي فكرة وثقافته, يستدعي ذلك لكن واقع المسلمين في غرب أفريقيا واقع جد أليم واقع جد محزن واقع جد يندى له الجبين واقع جد يجعل الحليم حيرانا ..جهل وفقر وجوع وعطش وظلم وهضم وتباغض وتدابر واحتراب وقتل وكل معاني الهمجية والإنحطاط الإنساني إلا في قلة قليلية .

المسلمون في غرب أفريقيا:

رغم كثرتهم في غرب إفريقيا إلا أنهم تفرقوا طرائق قددا وليس لهم لا قوة ولا كلمة ..المسلمون في غرب أفريقيا ..رغم ما يعيشون فوقه من خيرات وكنوز إلا أنهم متسولون فقراء عند بقية أمم الأرض ..المسلمون في غرب أفريقيا ..عاجزون عن التخلي عن التبعية للعدو الصليبي و خلق قيادة ذاتية .. المسلمون في غرب أفريقيا ..عاجزون عن وقف تهريب خيرات و مقدرات بلدانهم إلى العدو الصليبي ..المسلمون في غرب أفريقيا ..للأسف وبكل أسف قطعان من البشر في يدي عدوها يقلبها كيف يشاء ..لا هوية ولا إرادة ولا همة ولا غيرة، حالة اللا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء الحضارية ..حالة التخبط الديني والفكري والعلمي والثقافي والاجتماعي والحضاري ..حالة العجز التام حقيقة والانبطاح و التسليم لواقع الحال للأسف !!!!

وبعد : فإني بهذه الورقة المتواضعة لأشحذ همم أخواني أبناء غرب أفريقيا العاملين في مجال الدعوة و التدريس والباحثين و المربين والمثقفين والأكاديميين وغيرهم ,

إني لأشحذ هممهم لفتح باب هذه القضية على مصراعيه: ” قضية أزمة الهوية وتزيف الوعي الجمعي للتاريخ “, وسبر أغوارها وتقصي حقائقها ومن ثم العمل على تدارك ما يمكن تداره , والعمل على إنشاء جيل واعي بما يدور حوله متيقظ لما يحاك ضده منيع أمام كل هجمات الاستهداف مدافع فكريا و ميدانيا عن هويته الإسلامية الخالدة .

(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ).

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: