ناجح إبراهيم
الوطن المصرية 11/6/2012
البعض يريد هدم الكون ثم إعادة بنائه على طريقته ويرى أن هذه الطريقة هى أسرع وأضمن وسيلة للتغيير والإصلاح، ضاربا عرض الحائط بأهم سنّة كونية وهى سنة التدرج التى قام عليها الكون كله بدءاً من الإنسان الذى يولد وانتهاء بكل شىء فى الوجود.
وسنن الله لا تحابى ولا تجامل أحدا، حتى لو كان مسلماً صالحاً، فمن وافقها انتصر بها، ومن اصطدم بها حطمت رأسه، وعليه وقتها ألا يلوم ربه ولكن عليه أن يلوم نفسه.
لقد جاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى العرب فى الجاهلية فلم يهدم حياتهم ثم يُقم أخرى مكانها حسب قواعد الإسلام. ولكنه أقر كل ما كان حسناً عند العرب وشجعه ووجهه لله، وعالج السلبى فقط، ولم يقتل أو يسجن أو ينكل أو يُقصى الذين حاربوه وآذوه ولكنه استعان بهم لنصرة الحق الذى جاء به. فاستعان بخالد بن الوليد رغم أنه كان سبباً فى هزيمة المسلمين فى «أحد» فأصبح ركناً ركينا فى الدفاع عن الإسلام وعلما على فتوحاته، ومنحه أعظم الألقاب ولم يعيّره بماضيه أو يقتله لأنه كان سبباً فى قتل 70 من أصحابه فى غزوة أحد.. لأن الإسلام والتوبة تجب ما قبلها.
إن الأمم لا يصلح معها نظام «أون - أوف» فى التغيير.. فقد استعان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بكل الذين حاربوه واضطهدوا أصحابه مثل أبى سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبى جهل وعمرو بن العاص حتى صاروا من أعظم أنصار الإسلام.
أما قومنا من بعض الإسلاميين والثوريين فهم يريدون هدم الجيش المصرى ثم إعادة بنائه حسب قواعدهم ويريدون هدم القضاء والشرطة المصرية والأجهزة الأمنية الثلاثة الكبرى ومنظومة الاقتصاد المصرى ثم إعادة بنائها حسب قواعدهم وخبراتهم المحدودة المتعجلة.. والتى تتبع غالباً نظام «أون - أوف».
والمشكلة هنا أنهم قد ينجحون فى هدم هذه الأجهزة العريقة عراقة الدولة المصرية ولكنهم لا يستطيعون بناءها فتحدث الفوضى العارمة، فالهدم سهل ويسير وسريع ويحسنه كل أحد، أما البناء فهو شاق وعسير ويحتاج إلى العباقرة.
وقد جربنا هدم الشرطة فلم تقم لها قائمة حتى الآن واليوم يريد البعض هدم القضاء المصرى كله من أجل قاض أو حكم قضائى لم يعجبهم، وها هم أنصار أحد مرشحى الرئاسة يحاصرون محكمة القضاء الإدارى ويجبرون قضاتها على مغادرة المحكمة من الباب الخلفى وترك الحكم لكاتب الجلسة للنطق به، رغم أن هذا الحكم كان فى صالح المرشح وحشوده الغاضبة، فما الحال لو كان الحكم ضده، ومنذ أيام بدأ العنف الفعلى بعد اللفظى مع القضاء والقضاة بالهجوم على دار القضاء العالى.
يا أحبتى.. الإصلاح يكون بالأناة والتدرج وحسب الوسع المجتمعى، الإصلاح يعنى أن تزيل لبنة فاسدة لتضع فى محلها لبنة صالحة مع وجود المبنى كله، أما أن تهدم البنيان كله فسوف يتهدم فوق رأسك، وقد تكون أعجز من إقامة بنيان أفضل منه، أو حتى أى بنيان آخر.
يا أحبتى.. تعلموا الدرس من العبقرى الصالح عمر بن عبدالعزيز الذى قال لابنه عبدالملك الذى استعجله الإصلاح: «يا بنى، إنها أمور شب عليها الصغير وشاب عليها الكبير، وإنى أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيتركوه جملة، فيكون من ذلك فتنة»، فلا تهدموا الكون فقد لا تستطيعون بناءه من جديد.