حول أضرحة مالي والمسجد الأقصى ومساجد سوريا والعراق
السبت 21 يوليو 2012

 

أسامة شحادة

الغد 13/7/2012

 

لا تتوقف نشرات الأخبار والصحف عن التنديد بعمليات هدم الأضرحة في مالي من قِبل جماعات متطرفة، على اعتبار أن هذه الأضرحة تعد من التراث العمراني العالمي، وهو السبب الذي تبرر به تلك الجماعات المتطرفة هدمها للأضرحة رداً على قرار اليونسكو بإدراج تمبكتو على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر.

ومع عدم قبولي بمنهج هذه الجماعات المتطرفة، إلا أن الاهتمام العلماني العالمي المبالغ فيه بهذه الأضرحة (الدينية) التي تشيع فيها أجواء الخرافة والشعوذة، أمر يتناقض جذرياً مع الحداثة والتقدم اللذين تبشر بهما المنظومة العلمانية؟؟

كما أن الاهتمام بهذه الضرحة دون بقية المساجد الإسلامية التي تنتهك حرماتها جهاراً نهاراً، أمر يثير الكثير من علامات الاستفهام!!

بدايةً فإن الإسلام لا يقر بوجود الأضرحة بل يحرمها ويحاربها، قال صلى الله عليه وسلم: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك " (رواه مسلم).

فها هي مقبرة البقيع والتي دفن فيها جل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين لم يعرف عنهم أنه بنوا ضريحاً لميت منهم.

ولقد ارتبطت الأضرحة عبر التاريخ بالخرافات والشعوذة والأعمال المنافية للدين والخلق، ويكثر عندها ممارسة الشرك والبدعة، وهي وسيلة لأكل أموال الفقراء والبسطاء ظلماً وعدوانا وبالحرام من قبل سدنة الأضرحة.

ففي مالي تم تدمير إحدى البوابات القديمة والمغلقة منذ عقود في مسجد "سيدي يحيى"، والتي يعتقد العامة هناك أن فتح هذا الباب سيكون بداية يوم القيامة!! ولاحظ مقدار الخرافة في هذا المعتقد، فهذا المسجد بني في القرن الخامس عشر الميلادي، أي بعد توقف الوحي بـ 700 سنة فمن أخبرهم بذلك ومن أين جاءت هذه الخرافة ؟

وكنتُ شاهدتُ على الجزيرة الوثائقية برنامجاً عن بوابة لضريح في باكستان، يعتقد الكثيرون أن عبوره يفتح لك باب الجنة، وهو لا يفتح إلا ليلة في السنة، ولذلك يتجمع مئات الآلاف سنويا لعبوره!! وهذه خرافة لا أصل لها، ولكنها ثقافة الأضرحة.

ولما طمّت البدع والمنكرات في مواسم احتفالات الأضرحة بمصر، قام المجلس الصوفي الأعلى بمصر بإصدار تعليمات برنامج الاحتفال بالمولد الزينبي لسنة 2005، نشرتها مجلة التصوف الإسلامي بالعدد (320) جاء فيها:

"1- عدم استخدام الآلات الموسيقية بمجالس الذكر.

2- عدم اختلاط النساء بالرجال وضرورة عمل سواتر داخل الخيم التي يتواجد بها نساء...

5- نظافة المساجد وطهارتها وعدم الطهي بها وعدم تعطيل شعائر الصلاة".  

مما يدل على أن الممارسات القائمة حول الأضرحة حالياً: استخدام الموسيقي، اختلاط الرجال بالنساء، تعطيل الصلاة !! فضلاً عن تعاطي الحشيش وارتكاب الموبقات، وهي مظاهر موثقة في العديد من البرنامج الوثائقية والتقارير الصحفية عن احتفالات الأضرحة.

وفي رواية "قنديل أم هاشم" ليحيى حقي تصوير لواقع الأضرحة وتلاعب سدنتها بالناس، وكيف أنها ترسخ الجهل والخرافة بين الناس باسم الدين والبركة والولاية، والدين والبركة والولاية أبرياء من هذه الشركيات والشعوذات والخرافات.

فالغريب أن تحرص المنظومة العلمانية على استمرار الأضرحة وطقوسها السيئة، فتجد من الرعاية والحفاوة والدعم والمشاركة على كل المستويات، فتتعدد مشاركة السفراء "الخواجات" في مناسبات الأضرحة والموالد في مصر والمغرب والجزائر وغيرها، بل وتعتبر مدعية المحكمة الجنائية الدولية أن تدمير الأضرحة في مالي يشكل "جريمة حرب"، في الوقت الذي يتعرض فيه المسجد الأقصى المبارك لسلسلة متواصلة من التدمير وحفر الأنفاق تحته عبر عقود، ولم نسمع للمحكمة الجنائية صوتاً !!

وها هو الأردن ينجح مؤخراً بحماية مدينة القدس القديمة وطريق باب المغاربة بضمّها ضمن التراث العالمي المهدد بالخطر، على غرار أضرحة مالي ولننتظر موقف المحكمة الجنائية من تعديات إسرائيل المتواصلة واعتبارها جريمة حرب، ولكن التاريخ علمنا أن مواقف هذه المحاكم مسيس بحسب المصالح وليس باحثاً عن العدالة والحق.

وفي الوقت الذي تنشغل فيه وكالات الأخبار بهدم أضرحة مالي، لا نجدها تهتم بهدم مساجد سوريا بقذائف الدبابات والصواريخ الحكومية التابعة لبشار، مساجد تهدم على رؤوس المصلين، ومصلون يحاصَرون بالمساجد ويتعرضون لنيران القناصة، هذا خبر لا يهم ولا يحفل به أحد، تلك المساجد التي هي محضن الثورة والثوار من أول يوم، والتي انطلقت من المسجد العمري بمدينة درعا وإمامه الشيخ أحمد الصياصنة.

وفي العراق ومنذ دخول الأمريكان للعراق، تعرضت المساجد لحملة من الاعتداءات الطائفية بالحرق والقصف، وتم تحويل عدد من المساجد السنية إلى مساجد شيعية من قبل ميلشيات جيش المهدي وفيلق بدر، وتواصلت الاعتداءات وكثرت، ووثقها كتاب "مساجد في وجه النار"، حتى أنها بلغت بحسب مصادر الوقف السني 190 مسجداً تم الاستيلاء عليها وتحويلها من ملكية أهل السنة للشيعة، وذلك تحت بصر وسمع الحكومات الشيعية التي تزعم محاربة الطائفية والمحاصصة!

إن الاهتمام بالأضرحة في مالي على حساب المسجد الأقصي والمساجد في سوريا والعراق، مؤشر على استمرار مخططات بعض مراكز الدراسات الغربية مثل مؤسسة راند بدعم وتقوية الاتجاهات المنحرفة كبعض الطرق الصوفية والتي تقبل أن تبقى في إطار الفولكلور والتراث، بتقديم الاستعراضات الفنية للسياح الأجانب!! في وجه التيار الإسلامي الذي يسعى لاستعادة الكرامة والحرية ويعمل لنهوض وتقدم الأمة الإسلامية على مختلف المستويات.    

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: