مجلة المجلة 5/7/2012
المذيع المعروف غسان بن جدو يتمتع بقدرة كبيرة على اثارة الضجة حول كل خطوة يقوم بها حتى لو لم تستحق أي قدر من الاهتمام.
من أشهر الضجات التي أثارها هي إعلانه الاستقالة من قناة الجزيرة الفضائية بعد سنوات من العمل فيها. كل يوم يستقيل عشرات الصحافيين من المحطات أو الجرائد لاسباب مختلفة ولكن لا نعلم عنهم شيئا. بوجه متكدر ومهموم و نغمة بطولية، ظهر بن جدو على الشاشات يشرح تفاصيل استقالته و يؤكد أن زوجته هي الانسانة الوحيدة التي استشارها.
معلومات تفصيلية مملة ولكن السؤال المهم ما هو سبب الاستقالة؟ بن جدو غضب على تحول خطاب قناة الجزيرة نحو سوريا والثورة المندلعة فيها ضد حزب الله الداعم للنظام السوري، لذا أعلن خروجه بصورة مسرحية رافضا انتهاك المثل الصحافية.
بعد سنوات طويلة من تلميع النظام السوري “المقاوم” وحليفه حزب الله.. غيرت الجزيرة (بذكاء) خطابها عندما بدأ هذا النظام السوري بقتل الأبرياء وتقطيع أعضائهم التناسلية وهو مستمر لحد الآن في ارتكاب المجازر الفظيعة. أي صحفي، بل أي انسان سيعتبر تراجع الجزيرة خطوة جيدة تحسب لها. تغطية مثل هذه الجرائم يعد واجبا أخلاقيا قبل أن يكون واجبا صحافيا.
لكن بن جدو له رأي مختلف، وهو دائم الاستخدام للحديث المخادع عن القيم والمثل المهنية. كل محطات وصحف العالم تهب دفاعا عن الانسان إذا ما تعرض لمجزرة أو إبادة جماعية سواء في سوريا أو بورما أو أي مكان في العالم. وكل الصحافيين الذين يحترمون القيم المهنية يدركون تماما أنه لا يمكن أن تدافع عن الجزار وتخذل الضحية أو أن تقف مع الدكتاتور الدموي وتتركه يجهز على النساء والأطفال.
في أوضاع مريعة مثل هذه لا بد أن تكتب الأقلام وتصور الكاميرات بشاعة المجازر حتى يهب العالم لوقفها. تخيلوا فقط لو أن الصحافة العربية والأجنبية لم تتحدث عن مجزرة الحولة وانتظرت من غسان بن جدو حتى يعلمها ويدرسها المبادئ المهنية التي تعني عنده تقديم الفرصة للشبيحة حتى يشرحوا موقفهم من قتل الأطفال من مسافات قريبة!!
أي موضوعية يتحدث عنها بن جدو وعدد القتلى الآن تجاوز 15 ألف قتيل على يد نظام اشتهر بدمويته.
في عمليات الإبادة والمجازر الجماعية، الموضوعية تكون في كشف مدى بشاعة هذا الجرائم لا في انتظار تبريرات النظام حول الكيفية التي نفذ فيها عمليات القتل.
طبعا بن جدو يتذاكى علينا وهو يريد منا أن نستمع إلى الانكار والكذب المستمر من النظام السوري حول عمليات القتل التي قام بها وكأن الآلاف الذين فقدوا حياتهم ذهبوا نتيجة الحمى أو قام أهلهم بقتلهم كما أدعى بعض المؤيدين للنظام!!
عدد القتلى في تزايد مستمر وكل هذا موثق وبالصور. وبن جدو ينتظر منا أن نكذب أعيننا حتى يقر النظام السوري ويعترف بأسف بأنه الجاني. يدرك الجميع أنه لا يوجد نظام دكتاتوري دموي اعترف أنه قام بارتكاب المجازر في حق المدنيين. كل الجرائم التي ارتكبها صدام حسين والقذافي وغيرهما لم يعترف بها يوما. لماذا إذن لا نكون أيضا موضوعيين معهم؟!!
هذه ليست مهنية بل تواطؤ يرتدي ثياب المهنية. أخيرا ظهر بن جدو في محطة جديدة بعنوان “الميادين” وكالعادة أثار ضجة جديدة وردد نفس الكلام الزائف عن الموضوعية. يعطي بن جدو دروسا في الصحافة بالقول إنه يجب أن نكون موضوعيين حتى لو سمّينا بشار بالدكتاتور.. المهم أن نكون موضوعيين ومهنيين. يحاول بن جدو من جديد أن يلعب على وتر الموضوعية بالذهاب إلى أبعد ما يستطيع قوله بتسمية “بشار بالدكتاتور” محاولا أن يقول للمشاهد أن النظام يستحق الفرصة لكي يبرر سياساته. لا يعلم بن جدو أن لقب “الدكتاتور” تعتبر الآن كلمة ناعمة جدا في حق بشار فهو الآن يوصف في غالب وسائل الإعلام بـ”السفاح”و “الوحش” و”القاتل” لأن ماحدث لا يمكن وصفه بأقل من ذلك وهذه هي الموضوعية التي لا يريد بن جدو أن يعترف بها.
شخصيا لست متفاجئا بمثل هذا الموقف ولكنها فرصة للمتابع أن يرى بصورة واضحة زيف المدرسة الثورجية العروبية الصحافية التي أهلكتنا بالحديث عن الكرامة والبطولة والممانعة وروجت لأبطالها (أنظمة صدام حسين، بشار ..ألخ) حتى وهم يرتبكون المجازر في حق المدنيين والأبرياء.