مجلة الشراع – عدد 118
لا أحد في حزب الله يحب سماع اسم الشيخ ياسر عودة. وللدقة أكثر فإن لا أحد في الجسم القيادي للحزب يحب هذا الرجل.
لماذا؟
السبب ببساطة يعود إلى انه واحد من الامناء المخلصين للفكر الرحب والمجدد للمرجع الإسلامي الشيعي الراحل السيد محمد حسين فضل الله.
جريمة الشيخ ياسر عودة في نظر حزب الله انه يناقش، يحاور ويستفيض في شرح وتفسير وترويج أفكار السيد محمد حسين فضل الله. يدافع عن آرائه ورؤاه واجتهاداته، وينتقد بالمنطق والسند الفقهي المتطاولين عليه في مماته كما في حياته، ويقدم الحجة لكل فكرة تميز بها المرجع الإسلامي الشيعي الراحل وحولته بين أقرانه رائداً من رواد الدعوة إلى الوحدة الاسلامية ونبذ البدع والخرافات، وتغليب منطق الاعتدال والعقلانية بعيداً عن التطرف والتقوقع والتكفير والعصبيات العمياء ورفض الرأي الآخر.
إطلالات الشيخ ياسر عودة على شاشة تلفزيون ((الإيمان)) وصوته على أثير إذاعة ((البشائر)) وهما وسيلتان اعلاميتان مرئية ومسموعة كان السيد محمد حسين فضل الله انشأهما قبل سنوات من رحيله لنشر مواقفه وآرائه ومحاضراته.. تحولت هذه الاطلالات للشيخ عودة بالنسبة إلى أوساط فاعلة ونافذة في حزب الله إلى مصدر قلق وإزعاج وشكوى، خاصة مع كثافة المشاهدين والمستمعين الذين يتابعون الوسيلتين المذكورتين ويبحثون من خلالهما وخاصة في برنامجي عودة عن أجوبة لم يسبق لهم ان وجدوا مثلها شافية عندما طرحوا أسئلتهم وتتصل بكل مناحي الحياة والدين والدنيا والآخرة على المنابر المماثلة المفتوحة من قبل حزب الله أو الجهات الدينية المحسوبة عليه، إضافة إلى الجهات المحسوبة على الولي الفقيه في إيران.
الولاية التكوينية والتربة الحسينية
أكثر ما أثار السخط والغضب لدى هؤلاء من إطلالات عودة هو تناوله قضية ((الولاية التكوينية)) بإسهاب كان السيد محمد حسين فضل الله تناوله ودقق به بأسلوبه الفقهي – العلمي والمجدد، إضافة إلى مواضيع أخرى كان أكثرها إثارة للجدل موضوع ((التربة الحسينية)) التي تستخدم في صلاة المسلمين الشيعة، والتي قال عنها عودة بعد فضل الله انها ليست من أرض الأئمة بل هي صناعة الصين ومستوردة منها، مسبباً عواصف هوجاء من الانتقادات ضده حتى قيل ان القيامة قامت عليه ولم تقعد بعد حتى الآن.
عودة لم يكن بالطبع يتقصد استفزاز أحد أو تشويه نظرية معينة أو سلوك وأداء ما، وجلّ ما كان يفعله وما يزال هو الاستمرار في شرح أفكار السيد محمد حسين فضل الله وآرائه، وهو ما كان يفعله منذ سنوات وقبل وفاة المرجع فضل الله، وعلى الارجح فإنه لم يكن يعرف وهو يفعل ذلك انه سيتحول إلى مرمى للسهام وانه سيستخدم أيضاً ذريعة من أجل استهداف إرث الراحل الكبير ومؤسساته المنتشرة والمستمرة، وفي مقدمتها مؤسسات رعاية الأيتام وكفالتهم..
لكن قبل الغوص في الحديث عن أهداف الحملة على عودة وهي لا تقتصر عليه وتقف عنده بقدر ما هي نقطة انطلاق لما هو أدهى وأخطر، لا بد من الوقوف عند ما فعله الحزب وعلى أعلى المستويات من أجل إسكات الشيخ ياسر عودة والضغط على مؤسسات المرجع فضل الله بذريعته من أجل محاصرتها واستهدافها.
فبتكليف من أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله قصد نائبه الشيخ نعيم قاسم السيد علي فضل الله وهو النجل الأكبر للمرجع الراحل والمؤتمن من قبل العائلة على إدارة المؤسسات التابعة للمرجعية، وطلب منه بإسم نصرالله وبشكل واضح ومحدد وقف برنامجي الشيخ ياسر عودة في تلفزيون (الايمان) وإذاعة (البشائر).
لم تتوافر تفاصيل كثيرة عن هذا اللقاء الذي لم يكن (هادئاً) ورفض فيه فضل الله الإذعان لطلب نصرالله عبر قاسم، إلا انه علم ان ثنايا الكلام خلال هذا اللقاء حملت إشارات إلى ان أمين عام حزب الله يتعرض لضغوط في موضوع عودة من قبل عدد من المشايخ بينهم الشيخ حسين كوراني والسيد جعفر مرتضى وهما معروفان بعدائهما الشديد للسيد محمد حسين فضل الله وكانا وراء الحملة الشعواء والشرسة التي شنت ضده ووصلت إلى حد تكفيره وخاصة من قبل الأخير الذي وضع عشرات الكتب والمؤلفات ضد المرجع الراحل، بينها كتاب (مأساة الزهراء).
وبدا واضحاً من كلام نصرالله الذي نقله قاسم والذي ورد فيه ما معناه انه لا يستطيع أن يكبح جماح كوراني ومرتضى عن الهجوم على السيد محمد حسين فضل الله إذا استمر عودة في برنامجيه، وان هناك مصلحة في طي هذا الموضوع من أجل عدم إثارة التباينات داخل البيت الشيعي الواحد.. بدا واضحاً من هذا الكلام ان هناك تهديداً واضحاً وصريحاً باستهداف المرجع محمد حسين فضل الله من جديد وبإطلاق العنان للحملة ضده والتي لم تقف عند حد قبل وفاته.
نجاد يكرم مرتضى
اللافت ان حزب الله الذي كان يعلن عدم مسؤوليته قبل سنوات عن الحملات ضد فضل الله، وكذلك إيران، يقوم اليوم بالتمهيد لمعاودتها، في وقت يستقبل فيه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد السيد جعفر مرتضى، ويقوم بتكريمه وعلى مرأى الناس، تقديراً لما بذله في عالم التأليف وهو منحصر أو شبه منحصر في استهداف السيد محمد حسين فضل الله.
ولم تقف حدود التهديدات عند ما ورد في لقاء قاسم وفضل الله الابن الذي رفض وبشكل قاطع كما ورد آنفاً الاستجابة لضغوط حزب الله. بل تعدت ذلك عندما قصد وفد من مؤسسات فضل الله الشيخ نعيم قاسم، في محاولة لضمان عدم انفجار الموقف، ووقف التصعيد وحصر الموضوع في حدود الخلاف الذي يمكن أن يحصل في عالم الفقهاء والمجتهدين والعلماء، أي بين رأي ورأي آخر، بصرف النظر عن وجاهة أو صوابية هذا الرأي أو ذاك. ووفق القاعدة المعروفة: (للمجتهد أجران إذا أصاب وأجر إذا أخطأ). إلا ان الوفد فوجىء بإصرار نعيم قاسم على موقفه مغلفاً بنقد قاس لعودة ولأداء ومواقف ومنهجية عمل مؤسسات فضل الله بعد رحيله، وذهب إلى أبعد من ذلك مهدداً بالقول: (ومن يضمن إذا استمر عودة بما هو عليه ان لا يقوم عدد من الشباب المستاء منه ومما يروج له بالتصدي له والنيل منه).
أما الاخطر في كلام نعيم قاسم فكان قوله للوفد وبشكل حاد: (اللي كان مغطيكم - أي يحميكم ويقصد السيد محمد حسين فضل الله- راح) (أي مات).
وفي الاجتماعين اللذين عقدهما قاسم، كان كلامه التهديدي مباشراً ومستفزاً وصريحاً (بنبش الماضي) ومعاودة الحملات على السيد محمد حسين فضل الله، والسؤال الذي يطرح نفسه كيف لحزب قوي وبالغ القوة حتى لا نقول أكثر يخشى من برنامج ثقافي يطرح أفكاراً تحتمل مثلها مثل كل الافكار آراء عديدة وحتى مختلفة. وإذا كان من رفض لهذه الافكار لماذا لا يتم نقاشها بأساليب وطرائق النقاش والحوار. ولماذا لم تجر أصلاً مناقشة السيد محمد حسين فضل الله بها عندما كان ما يزال على قيد الحياة جاهزاً بالكلمة والفكرة والآية الكريمة والحديث الشريف الموثوق للدفاع عن اجتهاداته ودحض ما قد يقابلها من نقاشات وحتى اجتهادات، إلا انه يتبادر إلى الذهن فوراً القول بأن قاسم ومن خلفه بعض من في حزبه يخشون عقل المرجع الراحل وفكره ويحاربونه وهو في ضريحه مثلما كانوا يخشونه ويحاربونه عندما كان حياً يرزق. وأين هم اليوم من سيرته التي طالما وقف خلالها سنداً لهم بدءاً مما عرف عنه في مطلع الثمانينيات بأنه المرشد الروحي للحالة الاسلامية ومن ثم حزب الله، إضافة إلى مواقفه الحازمة في دعم المقاومة واحتضانها والدفاع عنها، وآخرها موقفه المدوي في حرب تموز/يوليو 2006.
تهديدات مجلة (شعائر)
ولم يقف الأمر عند التهديدات المباشرة على لسان قاسم، فقد واكبها مقال للشيخ حسين كوراني في مجلة (شعائر) في عددها الأخير وصف فيه فضل الله وأتباعه ومؤيديه من دون أن يسميهم بـ(الوهابيين الجدد) وإلى جانب المقال عمود ينبغي أن يتحول إلى إخبار للنيابة العامة من أجل التحرك، خاصة إذا حدث مكروه لا سمح الله بحق عودة أو أي أحد من مقلدي المرجع الراحل والسائرين بنهجه، وقد جاء التهديد واضحاً بعد الحديث عن انه رغم ان لفضل الله فضل على المقاومة، فإن (أسلوبنا سيختلف) إذا أكملتم بما بدأتم به.. الخ وهو ما يعني ليس فقط التلويح بالمضي بما كان بدأه السيد جعفر مرتضى في محاولة تشويه فكر فضل الله بل وأيضاً بما هو أبعد من ذلك.
وجاء في التهديد ضمن عمود ملحق بمقال الشيخ حسين كوراني و (ان لم يسكتوا، فإن الواجب يقضي بمعاودة الكرة مجدداً وبطريقة مختلفة هذه المرة) في إشارة هنا إلى الحملة التي كان بدأها السيد جعفر مرتضى ضد السيد محمد حسين فضل الله.
أضاف المقال (انه سيصار إلى اعتماد منهجية التحليل العلمي للمنطلقات الفكرية للرمز الذي يظن هؤلاء انهم يمثلون استمراراً لموقعه الاصلاحي التجددي الكبير، مع ذكر الشواهد الكثيرة بالتفصيل وإضافة الحوارات الخاصة في مجالات عديدة وطيلة فترة مديدة مع من لا ننكر دوره الريادي في دعم المقاومة الاسلامية أعزها الله تعالى، ولا ننكر ان له الفضل على أجيال الاسلام الحركي في لبنان، إلا ان الأمر وصل إلى ما لم نكن نحبه من دوران الأمر بين أهل البيت وبينه). ليخلص كاتب العمود إلى القول: (ما تقدم بمثابة تحذير لبعض المبتدئين بحملة جديدة تضر ولا تنفع وقد تدخل الساحة في دوامة شبيهة بسابقتها، مع اليقين بأن النتيجة هذه المرة مختلفة جذرياً).
حرب الكترونية
وقد ترافق ذلك مع حرب ضروس شهدتها المواقع الالكترونية (الفيسبوك – وتويتر)، بدأت بسجالات واسعة بين أنصار الطرفين، وبرز فيها الحجم الكبير للمجموعات الملتزمة بفكر فضل الله ونهجه وردودها العاقلة والرزينة واحترام الرأي الآخر بعيداً عن لغة الشتائم والسباب والتشهير، في إشارة إلى ان الحملات ضد فضل الله أججت عقول ومشاعر ونفوس المشاركين في هذه المجموعات وجلهم من الشباب، فاندفعوا من دون تردد وبحماس لافت للدفاع عن مرجع أفنى عمره في طلب العلم والعمل لتجديد الفكر الإسلامي ومواكبة العصر وبناء المؤسسات، مؤسسات الخير وكفالة الايتام والعجزة واحتضان الطاقات الشابة وامدادها بكل ما يلزم من تعليم وتخصص لتوفر لنفسها فرص عمل كريم وخدمة المجتمع والوطن..
وكان من شأن هذه الحرب الضروس وكثافة المجموعات المدافعة عن المرجع الراحل وفكره ورؤاه، تدمير موقع (بينات) الناطق بإسم المرجع السيد محمد حسين فضل الله، وهو ما يشير بوضوح إلى ان الجهة الفاعلة معروفة من جهة ومتضررة بشكل كبير من نتائج حرب بدأتها ولم تكن تتوقع أن تلقى هذا الحجم من ردود الفعل الواسعة ضدها.
وقد عبر ذلك بوضوح عن ان التهديد بإسكات الصوت الآخر أدى إلى فوران وغليان كبيرين في أوساط الشباب ضد محاولات القضاء على جذورهم الثقافية المغايرة (لثقافة الصفويين وولاية الفقيه) كما ورد في أحد تعليقاتهم، خصوصاً وان من يقف وراء ذلك لا يعكس إلا الرغبة بإلغاء الرأي الآخر.
وفي مقابل موقع (ضلال نت) لجعفر مرتضى ضد مواقف السيد محمد حسين فضل الله برز بعد تدمير موقع (بينات) موقع أنشأه مجموعة من الشباب باسم (غراند آية الله) وفيه نشرت ردود واسعة على ما يبثه موقع مرتضى ومن ضمنها صورة نجاد مع جعفر مرتضى للدلالة على الاحتضان الايراني للاخير وسلوكه. ومن شدة الضرر الذي ألحقه الموقع المستحدث بطروحات موقع مرتضى وتفنيده لكل ما ورد فيه تم تدمير موقع (غراند آية الله) ايضاً، قبل ان ينجح الشباب الذين أنشأوه في اعادته منبراً صادحاً ضد ما يرد في موقع (ضلال نت) من مزاعم واتهامات وافتراءات وأكاذيب بحق السيد محمد حسين فضل الله.
رهان يسقط
لماذا هذه الحملة على المرجع الراحل ومؤسساته؟ ولماذا الآن؟
في محاولات تبرير هذه الحملة والسعي لإعطائها الذرائع السياسية خاصة في الاوساط الحليفة للحزب، أشيعت اجواء عن ان السيد علي فضل الله سيشارك بكلمة في مهرجان سيقام في بيروت بمناسبة الذكرى السنوية لوفاة امين عام الجماعة الاسلامية (السابق) فيصل المولوي. وان الاحتفال يتضمن الى كلمة فضل الله كلمات لعدد من قيادات حركة (الاخوان المسلمين) وعلى رأسهم الشيخ يوسف القرضاوي والزعيم الاسلامي التونسي راشد الغنوشي وغيرهما.
واذا كانت المشاركة اتهاماً، واذا كان مد اليد للجماعة الاسلامية جريمة، وهما امران مغايران لأي منطق سوى منطق الفئوية الضيقة ومحاولات الاستئثار بكل شيء وإعطاء الحق للنفس بإعطاء شهادات حسن سلوك لهذا وحجبها عن ذاك دون اي مسوغ، علماً ان المشاركة مطلوبة ليس فحسب لتكريم ذكرى المولوي الراحل الذي وقف بكل ما أوتي من امكانات وقدرات مع المقاومة خاصة في حرب تموز/ يوليو 2006، وانما ايضاً للتواصل مع قيادات العالم الاسلامي سواء كان هناك تطابق في الرأي والموقف من القضايا المطروحة وعلى رأسها الربيع العربي وأحداث سوريا.. الخ او لم يكن هناك تطابق، فالتقارب بين المذاهب الاسلامية لا يكون بالخطب الانشائية الرنانة بل بالفعل والمبادرة والحوار والتواصل والتلاقي سعياً الى وحدة اسلامية يتهم اعداء العالمين العربي والاسلامي بالعمل للحؤول دون قيامها وتجسيداً واقعاً حياً وفعلاً مستداماً. ثم هل ان حزب الله على عداء مع الجماعة الاسلامية ام يعتبر نفسه معها جناحين لجسد واحد؟ ام ان الحزب هاله ان يستقبل السيد علي فضل الله الامين العام الحالي للجماعة الاسلامية في قرية (الساحة) مؤخراً بعد ان رفض اللقاء مع السيد نصرالله، وعبر عن ذلك بالقول انه يرفض (الطريقة المذلة) التي تستخدم في عقد اللقاءات مع أمين عام حزب الله وانه مستعد للقاء ولكن بعيداً عن الطريقة المذلة.
فإذا كان حزب الله يعتبر الجماعة حليفاً له، ويتواصل معها دائماً عبر وفود تلتقي اركانها بشكل دوري، فلماذا يريد حصر العلاقة بينها وبين الفعاليات الشيعية به؟
من الواضح ان الحزب او قيادته بتعبير أدق، كانت تتعاطى مع المرجع فضل الله قبيل وفاته بكثير من الحرص على عدم استثارة اية حساسيات بانتظار وفاته. وعندما توفي يعرف القاصي والداني كيف تعاطى الحزب مع المناسبة الحزينة وكيف استكثر مسؤولوه ذكر صفته وهي المرجع وآية الله العظمى لدى تأبينه وكاد الامر في حينه ان يثير اشكالات لولا تدخل العقلاء ليكبحوا جماح المتطرفين والمتزمتين الذين اعتبروا يومها كما يبدو ان مرحلة ما بعد وفاة فضل الله ستؤدي الى فراغ كبير لا بد للحزب ان يستخدمه.
ومنذ تموز/ يوليو 2010 تاريخ وفاة فضل الله وحتى اليوم اي منذ اقل من سنتين، خاب رهان المراهنين على حدوث فراغ، وسقط الرهان على انقسام عائلة المرجع الراحل والقيمين على مكتب المرجعيات وكل ما يتبع لها، والمؤسسات على اختلاف قطاعاتها وأهدافها استمرت بالوتيرة نفسها التي كانت تعمل بها ايام السيد محمد حسين فضل الله، والاكثر من ذلك ان هذه المؤسسات نمت وتوسعت وكبرت وزادت انتاجيتها لتولد مؤسسات جديدة. وظهر ان الحزب الذي كان يراهن على السيطرة على مؤسسات فضل الله وجد نفسه عاجزاً عن ذلك من جهة وعاجزاً من ناحية ثانية عن منافستها في اوساط شرائح واسعة من المسلمين الشيعة في لبنان، والانكى من ذلك ان الاسئلة لم تغب لدى هؤلاء في الحزب حول استمرار الصلاة في مسجد الامامين الحسنين في حارة حريك بإمامة السيد علي فضل الله من دون ان يتأثر المصلون في المسجد بوفاة المرجع فضل الله. حتى ان اخبار اللقاءات والاجتماعات العامة التي يعقدها فضل الله الابن كان الحزب يستكثر ان يصار الى الاعلان عنها في وسائل الاعلام، ولم يتردد احدهم في السؤال وبطريقة زاجرة ولماذا توزيع الاخبار عن هذه اللقاءات.
منع السنيورة!
وما زاد من حالة الاستياء والسخط والغضب والخيبة لدى الاوساط المذكورة في حزب الله هو الحراك العام للسيد علي فضل الله ومواقفه المعلنة الهادئة والمعتدلة والتوحيدية، وكان له في هذا الاطار موقف نوعي ولافت من أحداث سوريا اتصف بالاتزان والواقعية دعماً للاصلاح والمطالب المحقة، من دون ان يكرر اللازمة المعروفة التي درج أتباع النظام السوري على تردادها.
وعلى المستوى نفسه، كان لفضل الله لقاءات عديدة مع شخصيات بارزة ممن يستحكم الخلاف بينها وبين حزب الله انطلاقاً من السير بالنهج المعتمد لدى مرجعية والده الراحل في التواصل والتحاور مع الجميع، فلم يتردد في استقبال الرئيس فؤاد السنيورة رغم ضغوط الحزب للحؤول دون اللقاء كما استقبل وفداً من تيار (المستقبل) وآخر من الحزب التقدمي الاشتراكي، ولا يتردد في الاعلان عن تلقيه اتصالات من شخصيات لا يرغب الحزب في اتصالها مثل الرئيس سعد الحريري.
وعندما أراد الرئيس فؤاد السنيورة المجيء قبل اشهر قليلة الى مسجد الامامين الحسنين في حارة حريك للصلاة بإمامة السيد علي فضل الله تدخل الحزب بقوة رفضاً لذلك ومنعاً له من تحقيق هذه الخطوة التي كان من شأن حدوثها تسليط الضوء على المشهد اللبناني من زاوية افضل ما يمكن ان يقال عنها انها مختلفة عن زوايا الاصطفافات والتشنجات المذهبية اللصيقة حالياً به، وهي زوايا مفتعلة وغير طبيعية بسبب السياسات والمصالح الفئوية والضيقة فضلاً عن انها غريبة عن تقاليد عامة المسلمين سنة وشيعة.
من خلال هذا الاستهداف المتعمد للمرجع الراحل ومؤسساته ونهجه في الاعتدال والعقلانية والوحدة وبعد النظر فإن ما يمكن استنتاجه هو فشل سياسة النفس الطويل التي مارسها الحزب قبل سنوات قليلة بانتظار وفاة المرجع فضل الله وحدوث فراغ وتشقق يمكناه من وراثته وبسط السيطرة على إرثه الكبير. وما الممارسات الاخيرة الاّ تعبيرات عن ان الحزب ضاق ذرعاً من استمرار مؤسسات مرجعية كبيرة لم تتأثر بغياب رأسها وقلبها النابض وملهمها ومؤسسها، وحولت الغياب الى حافز لها ليعطيها زخماً وزيادة في الحيوية والفعالية.. والى تحد كبير واعد بالمزيد من النجاحات وفاء للمرجع الراحل وحفظاً لإرثه الكبير في مجالات شتى.