«تحديات» مرجعية الشاهرودي في النجف
الأحد 27 مايو 2012
أنظر ايضــاً...

 

فاخر السلطان – الوطن الكويتية 15/5/2012

 

لن تخطو ايران الخطوة السياسية فحسب للاتحاد مع العراق (يقول المراقبون بأنها تأتي ردا على المبادرة الخليجية - السعودية - لتفعيل فكرة الاتحاد) بل تسعى الى ان تكون مستعدة لتلك الخطوة من جوانب عدة، أبرزها ان تقوم بخلق واقع سياسي ديني في العراق ينطلق من النظام الأساسي الايراني القائم على نظرية «ولاية الفقيه السياسية» والتي تسمى بالولاية العامة.أي القيام بتثبيت حجر الأساس الديني السياسي، ليُصار بعد ذلك الدعوة الى الاتحاد، الذي سيستند الى المنهجية الدين/سياسية.من هنا جاءت فكرة وجود مرجعية دينية ايرانية في النجف مؤمنة بـ «ولاية الفقيه السياسية» متمثلة في شخص رئيس السلطة القضائية السابق في ايران آية الله محمود الشاهرودي.

ومعروف عن النجف أنها احتضنت أبرز المراجع الشيعية على مر التاريخ الحديث، من هؤلاء المرجع الراهن آية الله علي السيستاني، وقبله المرجع ابوالقاسم الخوئي والمرجع حسين بروجردي والمرجع محسن الحكيم والمرجع ابوالحسن الاصفهاني.وتوجد في النجف الحوزة العلمية الأبرز عند الشيعة، التي تخرّج منها رجال دين بارزون لعبوا دورا دينيا واجتماعيا وسياسيا مميزا، منهم المرجع اللبناني محمد حسين فضل الله.ويتسم منهج الحوزة في النجف برفض العمل بالولاية العامة والدفع بالولاية الخاصة، وقد ربطت العمل بالولاية العامة بظهور الامام المهدي، الامام الثاني عشر عند الشيعة، واعتبرت نظرية «ولاية الفقيه السياسية» بدعة في الدين.

ومن خلال مرجعية الشاهرودي في النجف - والتي يتوقع المراقبون ان يتم الاعلان عنها بعد وفاة السيستاني، ويقال بأنه سيكون مرجعا لأنصار حزب الدعوة الذي ينتمي اليه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي - سيشتد التنافس في تلك المدينة المقدسة بين منهجين شيعين، أو بين حوزتين علميتين دينيتين تمثلان مدرستين مختلفتين في رؤيتهما لمسألة الولاية، الأمر الذي من شأنه ان يخلق صراعا لن يكون على النفوذ الديني وعلى استقلالية المرجعية والقرار المرجعي فحسب، بل ستمتد صوره لتشمل جوانب سياسية واجتماعية ومالية مختلفة، وبخاصة تلك المتعلقة بقضايا ومسائل الحكومة الدينية، وبتدخّل المرجع الديني والحوزة العلمية في القرار السياسي العراقي، وبهيمنة دولة ولاية الفقيه (ايران) على قرار الحوزة وسيطرة مصالحها على مختلف صور الصراع السياسي والديني.وقد رأت صحيفة «نيويورك تايمز» ان الاعلان عن مرجعية الشاهرودي في النجف بعد وفاة السيستاني من شأنه ان يعزز نفوذ ايران على الشعب العراقي وعلى الشيعة في كل مكان، واعتبرت ان الهدف الايراني طويل المدى من ذلك يرمي الى نقل الثورة الاسلامية الى العراق.وتعليقا على المخاوف من وصول شاهرودي الى منصب المرجعية، قال مدير مكتب السيستاني في النجف للصحيفة ان النظام الايراني لن ينجح في هذا المسعى لأن «الدستور هو الذي يحكم هنا، والعراقيون صوتوا لصالحه».

وبالنسبة لواشنطن، كما تقول «نيويورك تايمز»، فان السيستاني يعتبر «صوت الاعتدال وضبط النفس خلال سنوات المذابح الطائفية عندما كان العراق على حافة السقوط في أتون الحرب الأهلية»، وقد «تدخل في اللحظات الحاسمة خلال فترة الاحتلال الأمريكي، كان من بينها الحدث الأبرز عندما دعا مئات الآلاف من أنصاره في عام 2004 الى النزول الى الشوارع للمطالبة باجراء انتخابات مباشرة على الرغم من اعتراض السلطات الأمريكية». لكن في المقابل، فان وجود الشاهرودي في النجف بعد رحيل السيستاني من شأنه ان يخلق واقعا جديدا على مختلف الأصعدة، وبالذات على الصعيد السياسي، اذ سيتجه القرار المرجعي صوب المسائل السياسية المتبناة في اطار «ولاية الفقيه السياسية» والتي تصب نتائجها بالتأكيد في صالح الجمهورية الاسلامية في ايران، وستصبح المصلحة العراقية معجونة بالمصلحة الايرانية تحت شعار «مصلحة الأمة الاسلامية»، وسيغدو «الاستكبار العالمي» ممثلا بالولايات المتحدة واسرائيل هما عدو العراق الأول انطلاقا من الرؤية الايرانية على الرغم من الدور الذي لعبته أمريكا في تحرير العراق، وسيصبح «رجل ايران في العراق» هو ذاك السياسي الذي سيحكم البلد بغض النظر عن الجوانب المختلفة الدينية والمذهبية والعرقية والسياسية والعشائرية المساهمة في تكوين شخصية هذا الرجل.

فخطوة الاعلان عن مرجعية الشاهرودي وانتقاله الى النجف، تصب في صالح الرؤية الايرانية تجاه العراق في ظل تباين المشاكل العراقية وتعقيداتها.وهي خطوة من شأنهأ ان تجعل واشنطن تعيد النظر في علاقتها بحوزة النجف الدينية «غير السياسية» في اطار الفرز ما بين حوزة تنظّر للاسلام السياسي انطلاقا من علاقة واضحة مع دولة «ولاية الفقيه»، وبين أخرى ترفض أي علاقة منهجية علمية بين الدين والسياسة.

وعلى الرغم من مسعى الولايات المتحدة لتطوير علاقاتها مع حوزة النجف بعد اسقاط النظام العراقي السابق، بهدف دعم الاتجاه الديني غير السياسي والتضييق على المدرسة الدينية السياسية كجزء من استراتيجية شاملة في المنطقة، الا ان واشنطن خفّفت من وطأة تلك الاستراتيجية في ظل تطورات الأحداث على الأرض في العراق، ثم التطورات التي لحقت الدول العربية بعد فورة الربيع العربي والتي كان للتيار الديني السياسي حصة الأسد من ثمارها المقطوفة.فوجّهت واشنطن خطواتها السياسية في العراق وفي دول الربيع العربي انطلاقا من اللاعبين الرئيسيين فيها والذين كانوا في غالبيتهم ينتمون الى التيار الديني السياسي، لكنها سعت الى قطع حبل العلاقة بين تلك التيارات وبين ايران، وكانت موفقة الى حد كبير في هذا المسعى.لذلك، سعت ايران في المقابل الى تقوية وجودها السياسي في مناطق الصراع تلك، بدءا من العراق، مرورا بدول الربيع العربي، انتهاء بمرجعية الشاهرودي في النجف.والسؤال الذي قد يطرح هنا هو: ما هي طبيعة المواجهة المتوقعة بين أمريكا وبين ايران في ظل صراع المدارس الدينية الساعية الى الهيمنة على القرار السياسي والديني في النجف؟ فالمشروع الأمريكي للتغيير في المنطقة يسير في اطار «لبرلة» التيار الديني السياسي، ويتناغم مع فكر الحوزة الدينية التقليدية «غير السياسية» في النجف، فيما تسعى طهران الى دعم مشروعها المرجعي في النجف في ظل مشروع سياسي ديني متكامل للمنطقة يصب في اطار مصالح متناغمة مع عنوان «ولاية الفقيه».ومن شأن حوزة النجف «غير السياسية» ان تدعم الخطوات الأمريكية لا الخطوات الايرانية، لأن ذلك قد يعرقل خطوات تثبيت المرجعية الدينية السياسية في النجف، ويساهم في اضعاف موقع منافسها الفكري الذي يستمد قوته لا فقط من طهران، ب

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: