مستقبل خطير للشيعة في العراق
رسول جعفريان (بازتاب (الصدى) 15/10/2006
مختارات إيرانية عدد76
( هذه وجهة نظر إيرانية ، تستحق القراءة للتأكد من أنهم لن يتخلوا عن اختطاف العراق . الراصد )
لقرون طويلة كان العراق منطقة نزاع كبير بين القوتين الأكبر في العالم الإسلامي وهما الإمبراطورية العثمانية وهي القوة العالمية الأولى والدولة الصفوية وهي القوة الإقليمية الأولى في قوتها، وعلى الرغم من تمتع الإمبراطورية العثمانية بشبكة علاقات دولية واسعة إلا أنها لم تكن قادرة على إلغاء الدولة الصفوية من الخريطة الجغرافية للعالم الإسلامي.
لقد تعلق الصفويون ببغداد والعتبات المقدسة الموجودة في العراق لسببين هما: التشيع الميراث التقليدي (التاريخي) الذي كان يربط العراق بقلب إيران طوال القرون من السابع وحتى العاشر الميلادي (أي في زمن الخلافة العباسية). في العصر الصفوي نجح الصفويون في السيطرة على بغداد مرتين الأولى في الفترة من 1508 على 1533 والثانية في الفترة من 1622 وحتى 1638 وذلك أثناء عملية الصراع التاريخي المستمر والذي كان قائما بين القوة العظمى آنذاك أي الإمبراطورية العثمانية وبين القوة الإقليمية الأولى في المنطقة أي الدولة الصفوية، ولكن هذا الصراع انتهى لصالح الإمبراطورية العثمانية التي تمكنت من تحقيق السيطرة المطلقة على بغداد والعراق.
وكان العراقيون في ذلك الوقت ومعهم المذهب الشيعي يميلون باتجاه إيران حيث عرفت بوصفها قبلة "التشيع" مقابل قبلة التسنن المتمثلة في الدولة العثمانية، كان الشيعة جواسيس لإيران هكذا كانت تعتبرهم الدولة العثمانية ولهذا كانت تبذل قصارى جهدها للجمهم وقمعهم. من هنا ولهذا السبب وضعت أمسس التفرقة بين الفريقين في تلك الفترة ذاتها.
بعد سقوط الدولة الصفوية وعندما تولى آل قاجار الحكم في إيران (القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين)، لم يكن العثمانيون على نفس القدر من القوة التي كانت لهم من قبل ومن هنا عمدوا إلى الاستعواض عنها بالتخطيط لنشر الثقافة السنية ـ التركية، في هذا الصدد، حدث في منتصف القرن الثاني عشر الهجري أن تحولت العتبات المقدسة في العراق إلى مراكز علمية للشيعة بسبب ضغوط نادر شاه أفشار على علماء الشيعة(×)، وقد استمرت هذه الحالة قائمة أيضا في العصر القاجاري (أي حتى نهاية الربع الأول من القرن العشرين) من هنا نشأ سبب جديد لدى الإيرانيين يدفعهم للهجرة أو للانتقال إلى العراق فأصبحنا بصدد سببين أو دافعين هما: زيادة العتبات المقدسة، وانتقال مركز العلوم الدينية إلى النجف بشكل خاص والعراق بشكل عام من هنا عدد الإيرانيين الذين صاروا يقيمون في العراق فصاروا يشكلون جزءاً مهماً من سكان كاظمين، كربلاء والنجف.
طوال قرن كامل تقريباً ـ القرن التاسع عشر ـ اعتنقت العشائر والقبائل في جنوب العراق ـ والتي كان كثيراً من أفرادها شيعة منذ قرون طويلة ـ اعتنقت جميعها المذهب الشيعي فتحول جنوب العراق إلى مركز شيعي وهذه كانت واحداً من أهم الإنجازات التي حققها الشيعة في العراق.
في هذا الوقت أي في القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن الرابع عشر الهجري/ أوائل القرن العشرين الميلادي أصبح للمجتهدين والعلماء في النجف والذين كانت غالبيتهم من إيران وبعضهم عرباً، أصبح لهم مكانة دولية وكانوا يشاركون في التطورات السياسية الخاصة بالعالم الإسلامي في ذلك الوقت سواء في إيران أو العراق أو ليبيا فضلاً عن الكثير من المناطق الأخرى في العالم الإسلامي، بل لقد دافعوا أيضاً عن نظرية "الوحدة الإسلامية العثمانية" على الرغم من أنهم لم يكن لهم أي نصيب في إدارة شئون العراق.
بعد مجيء البريطانيين إلى العراق، شارك شيعة العراق بقيادة المراجع الدينية في ثورة 1919 ـ 1920 ضد الاحتلال الإنجليزي، هذا بينما كان السنة على وفاق تام مع الإنجليز، وفي النهاية تم تشكيل "حكومة ملكية" في العراق في عام 1921 كان نصيب الشيعة فيها ضئيلا للغاية، لم يكن لدى الإنجليز أي راحة أو اطمئنان وانشراح تجاه الشيعة ولهذا كانوا يبذلون أقصى جهودهم غير المباشرة لتقييد حرية الشيعة في التحرك أو الحركة فأصبح الشيعة في هذا العصر يعيشون في وضع أكثر ظلماً عما كان عليه الأمر في العصر العثماني.
طوال العصر الملكي في العراق كانت التفرقة المذهبية قائمة على أشدها حيث دعم مُطلق للسنة وتهميش مُطلق للشيعة بل وعزلهم عن المراكز الحساسة في الدولة والتي كان الجيش من بينها بوصفهم مواطنين من الدرجة الثانية بل والثالثة أيضاً، فمنذ عام 1921 وحتى عصر صدام حسين لم يتول الشيعة رئاسة الوزارة في العراق سوى خمس مرات من جملة 31 وزارة تم تشكيلها طوال تلك الفترة على الرغم من أن إحصاءات السكان في العراق والتي جرت في أعوام 1919، 1932و 1947 كانت جميعها تؤكد على غلبة الشيعة من حيث حصتهم في إجمالي عدد السكان في العراق.
خمسة أشخاص فقط من الشيعة تولوا رئاسة الوزارة من جملة 31 رئيساً للوزراء. هذا الحال لا يختلف كثيراً إذا ما نظرنا إلى تركيبة الحكومات من جهة وإلى تشكيلة وتركيبة القيادات العليا للجيش من جهة أخرى حيث الوضع هو هو دون تغيير يُذكر.
لقد استمر هذا الوضع قائماً في عصر بعد الكريم قاسم ثم اشتدت وطأته في عصر البعثيين، فالبعثيون كانوا أسرى للعروبة بمفهوم أعمى وتعصب ظالم طائفي ولهذا كانوا يعادون كل من هو دونهم ولا يخفى على أي شخص تلك الجرائم التي ارتكبت ـ في عصر البعثيين ـ في حق الشيعة وفي حق مراجع النجف وكربلاء، في ذلك العصر كان مصطلح "الشيعية" مرادفاً وسارياً لمصطلح "العجم" وكان يوم كان يُعقد سينمار أو منتدى حول التشيع وضد إيران.
لقد أقام البعثيون ـ الذين كانوا يخافون من حدوث ثورة شيعية ثانية في جنوب العراق أثناء انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية ـ أقاموا إستراتيجيتهم الأساسية بهدف القضاء على الشيعة وكانوا يمارسون هذا العمل تحت "راية الدفاع عن العروبة" ولهذا السبب أيضاً بدأوا الحرب المفروضة على إيران تحت "راية القومية العربية".
لقد كان الرأي العام في ذلك الوقت يقوم على أساس فكرة مفادها أن الشيعة ليسوا عرباً وهي الفكرة التي مازلت رائجة ومنتشرة الآن، من هنا لم يتبق في النجف وكربلاء ـ اللتين تتمتعان بعظمة ومهابة لأمد طويل ـ لم يتبق فيهها أكثر من 500 طالب بالإضافة إلى المراجع التي كانت مقيمة بها باعتبارهم أحفاداً لمراجع كبار رحلوا، ول يكن لأي من الفئتين ـ الطلاب والمراجع ـ سوى القدر الضئيل من حرية التنقل والحركة.
هذه الضغوط الطويلة كانت سبباً لانتفاضة الشيعة في عام 1991 بعد هجوم القوات الأمريكية على الجيش العراقي أثناء احتلال الكويت، في بداية الانتفاضة نجح الشيعة في تحرير الجنوب وطرد البعثيين خارج المدن. لكن بسبب انعدام الخبرة العسكرية لدى الشيعة وبسبب خيانة القوات الأمريكية التي تركت الشيعة وحدهم شنت القوات البعثية هجوماً هجوماً ضارياً وأشاعت القتل العام في كان الجنوب الشيعي. في هذه المرة قُتل أيضاً عشرات الآلاف من الشيعة بالإضافة إلى عدد كبير من رجال الدين الذين كانوا مقيمين في النجف ودفن عدد ضخم جداً في مقابر جماعية.
والآن فقد صار لدى الشيعة تجربة ثمانين سنة من الهزائم المتعاقبة وصارت لديهم فرصة للقضاء على بقايا وفلول النظام البعثي الذي لم يخرب العراق وحده بل كان سبباً للقضاء على جزء مهم من قدرات العالم الإسلامي.
لقد كان "سيد محمد بحر العلوم" ـ من أعضاء مجلس الحكم العراقي ـ كان يقول: لقد بلغ الأمر بنا لدرجة أثناء كنا على استعداد لعدم الإعراض عن الشيطان لو كان سيساعدنا من آجل إسقاط صدام حسين"، في هذا نقول لو أن شخصاً ما رأى ظلم صدام والبعثيين أو حتى سمع يصدق عن هذا الظلم أو قرأ عنه فإنه سوف يدرك بكل تأكيد ما الذي يعنيه كلام بحر العلوم. طوال القرون الماضية كان الشيعة ـ وما زالوا ـ يمثلون التيار الثوري في العالم الإسلامي، لكن ثمة قاعدة وضعها "ابن طاوس" كانت تشكل مبدأ مهماً للشيعة، هذه القاعدة تقول: إن "حكومة كافرة عادلة" أفضل من "حكومة مسلمة ظالمة". ولهذا فإنه بعد ثمانين سنة من الهزائم ما الذي كان يمكن للشيعة أن يفعلوه بخلاف أن يكونوا مجبرين على الخضوع للشروط للشروط والأوضاع القائمة الآن من أجل الحفاظ على حياتهم وحماية حقوقهم من الضياع؟.
المصيبة الكبرى أن الدول العربية عادت مرة أخرى للاتحاد مع بعضها البعض لا لشيء إلا عدم السماح لشيعة العراق أن يحفظوا حصتهم الطبيعية بوصفهم الأكثرية في العراق. وفي المقابل فإن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على الحيلولة دون استمرار ذلك الوضع فحسب ولكنها لم تعد قادرة أيضاً على فهم الوضع الصحيح في العراق.
من هنا نقول إن هزيمة الحكومة العراقية الحالية ستكون هزيمة كبرى للشيعة سواء تم ذلك عن طريق تحول الولايات المتحدة نحو الدول العربية أو عن طريق تأييدها ظهور حكومة انقلابية على شاكلة البعثيين وأمثالهم أو سواء عجزت الولايات المتحدة عن عمل أي شيء في العراق وأصبحت مجبرة على الخروج من العراق دون حل للمشكلات الإرهابية والاختلافات المذهبية.
من هنا فنحن نعتبر أنه ليس لزاماً علينا التمسك بشعارات جوفاء بلا أساس في ظل الأوضاع الحالية وألا نترك العراق للأحداث تتلاعب به كيفما تشاء لسبب بسيط وهو أن قضية العراق تنعكس آثارها ونتائجها وتداعياتها على ديننا ومذهبنا وأمننا السياسي.
(×) ـ بعد سقوط الدولة الصفوية تولى حكم إيران "كريم خان زند" فحكمها هو وأسرته طوال (55) سنة تقريباً ثم نجح "نادر شاه أفشار" في الإطاحة بحكم الدولة الذندية وتولى حكم إيران في منتصف القرن الـ 12 الهجري. ثم نجح القاجاريون في نهاية القرن الـ 12 الهجري في الإطاحة بأسرة نادر شاه أفشار وحكموا إيران حتى الربع الأول من القرن العشرين عندما نجح رضا شاه في القضاء على حكم الأسرة القاجارية لإيران وذلك حتى 1979 وهو العام الذي نجح فيه الخميني في الإطاحة بالحكم البهلوي مقيماً الجمهورية الإسلامية في إيران. ومنذ العصر الصفوي وحتى وقتنا هذا كان المذهب الشيعي هو المذهب الرسمي لإيران باستثناء فترة واحدة فقط هي التي حكم إيران فيها نادرشاه وأبناؤه حيث كان نادرشاه قد نجح في إعادة المذهب السني كمذهب رسمي لإيران الأمر الذي غير من الخريطة الدينية والمذهبية داخل إيران ولهذا كان خروج العلماء الشيعة إلى العراق (المترجم).