قراءة في الخلاف الإيراني حول المشروع النووي
ماذا وراء إعادة نشر رسالة الخميني بوقف الحرب العراقية ـ الإيرانية
أ ـ د. محمد السعيد عبد المؤمن
مختارات إيرانية عدد 76
أثار رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام أكبر هاشمي رفسنجاني قضية جديدة على الساحة السياسية في إيران. عندما نشر النص الكامل لرسالة زعيم الثورة الإسلامية السابق آية الله الخميني التي أعلن فيها أسباب قبوله قرار مجلس الأمن رقم 598 بوقف الحرب بين العراق وإيران، وذلك في ذكرى انتهاء هذه الحرب، وقد اعترض كثيرون على نشر هذه الرسالة باعتبارها رسالة سرية، وقد رد عليهم رفسنجاني بأنه قد سبق نشر هذه الرسالة من قبل، وأنها لم تكن سرية، وكانت في متناول جميع أجهزة الإعلام، وإن كان لم يشر إلى زمان أو مكان نشرها رسميا، وقال لصحيفة صوت العدالة: إنه نشر هذه الرسالة من أجل إزالة الشبهات وتلبية احتياج جيل الشباب في معرفة الحقائق، بعد أن ثارت شبهات حول الحرب وكيفية إنهائها. وكان الإمام الخميني قد أشار فيها لكبار المسؤولين في البلاد إلى أنه يقبل قرار مجلس الأمن رقم 598 بناء على الرسائل والتقارير التي وردت إليه من الخبراء العسكريين، وشرح الظروف والأوضاع العسكرية وأسباب قبول القرار لمنع وجود أدنى شبهة حول هذا الموضوع، وكان الخلاف قد ظهر في ذلك الوقت بين القيادات والجماعات السياسية حول نشر هذه الرسالة، حيث وافق البعض على أن ينشر منها الجزء الخاص بأسباب قبول قرار مجلس الأمن، في حين رأى البعض أن تكون وثيقة سرية تحفظ ضمن الوثائق السرية للنظام، وأكد رفسنجاني أنه اعتمد على القوانين الخاصة بالوثائق السرية سواء فيما يتعلق بنشرها، أو عقوبة إفشائها، والتي صدرت عام 1353هـ ش 1975م، وطريقة حفظها التي صدرت في 1/10/1354هـ ش، فوجدها لا تنطبق على نشر هذه الرسالة. (شرح رفسنجاني بالتفصيل هذه الكيفية)، فقد أرسلت هذه الرسالة أو أجزاء منها لأفراد كل حسب موقعه ووظيفته، وقد اعترف غلام رضا مصباحي مقدم المتحدث باسم جمعية علماء الدين المناضلين بأنه اطلع عليها في حينها، وذلك في صحيفة كاركزاران العدد 128 الصفحة الأولى، وأنه حتى بعد القبول الرسمي لقرار مجلس الأمن لم يتخذ أي مسئول أي إجراء لضم هذه الرسالة إلى الوثائق السرية، كما لم يظل الموضوع نفسه في إطار السرية حرصا من الإمام الخميني على تنوير الرأي العام بأسباب قبول قرار مجلس الأمن.
ربما كانت أهمية نشر الرسالة، وضخامة الضجة التي ثارت حولها ترجع إلى أنها احتوت أمراً كان إثارته تبدو مستحيلة في تلك الفترة، ونجح رفسنجاني في أن يحوله من حلم إلى حقيقة، حيث تضمنت الرسالة قول الخميني إن قائد جيش حراس الثورة الإسلامية (اللواء محسن رضائي في ذلك الوقت) قد أكد للخميني في تقريري له رفعه يوم 2/4/1367هـ ش. أن إيران لن تحقق انتصارا واحد خلال السنوات الخمس القادمة، وأنها حتى تستطيع أن تقوم بعمليات هجومية في حاجة إلى 350 لواء مشاة، 3500 دبابة، 300مدفع، 300 طائرة حربية و300 طائرة مروحية، كما أن من الضروري أن تزيد قوات جيش حراس الثورة إلى سبعة أضعاف، وقوات الجيش النظامي إلى ضعفين ونصف، وحتى ننتصر في الحرب العراقية ـ الإيرانية علينا أن نخرج أمريكا من الخليج، في الوقت الذي أعلن فيه رئيس الوزراء ووزير الاقتصاد والمالية ورئيس هيئة الميزانية أن الوضع المالي لإيران تحت الصفر، وأن ما فقدته إيران في هزائم العمليات الأخيرة يساوي ك ميزانية الجيش والحراس خلال العام الجاري، لكن الأهم في رسالة الخميني أنها حوت عبارات تشير إلى أن محسن رضائي قائد جيش حراس الثورة قد طلب من الخميني توفير تجهيزات عسكرية متقدمة تتضمن أسلحة تعمل بالليزر، وأسلحة نووية حتى يمكن تحقيق انتصار حاسم في الحرب العراقية ـ الإيرانية. وهي المرة الأولى التي يشير فيها مسئول عسكري كبير إلى ضرورة توفير الأسلحة النووية للقوات المسلحة، وقد حذفت هذه العبارة من الرسالة عند نشرها عبر وكالات الأنباء في ذلك الوقت، لكن رفسنجاني عندما أعاد نشرها كاملة بما فيها هذه العبارة التي تتحدث عن ضرورة امتلاك أسلحة نووية.
وقد اختلف المحللون حول هدف رفسنجاني من هذا النشر، هل كان رفسنجاني يقصد فقط أن يدافع عن نفسه بالرد على محسن رضائي الذي اتهمه بأنه لم يوافق على طلبه بتوفير مبلغ أربعة مليارات ونصف لجيش حراس الثورة من أجل أن يستطيع تحقيق انتصارات واضحة في الحرب، رغم أن هذا المبلغ لا يمثل نسبة 20% من ميزانية ذلك العام؟!، واقنع الخميني بأن تأكيد الحراس الاستمرار في الحرب ليس أكثر من شعار؟! أم هل يريد رفسنجاني أن يورط النظام بإثارة ضرورة صنع أسلحة نووية كطلب ملح للردع يمنع تكرار ما حدث في الحرب العراقية ـ الإيرانية، والاضطرار لوقف الحرب مع الهزيمة؟!، أم أنه مع اطلاعه على ما حققه المشروع النووي من تقدم، يمهد لإعلان امتلاك إيران أسلحة نووية، أو أنها بصدد تصنيع أسلحة نووية؟!، وهل طرح هذا الموضوع يعتبر مفيدا في الوقت الذي تصل فيه جهود إيران لإقناع المجتمع الدولي بضرورة استمرارها في تخصيب اليورانيوم إلى حالة من العجز، واتجاه الدول الكبرى لخيار فرض عقوبات على إيران بسبب هذا الموقف؟!.
حقيقة أن الحرب العراقية ـ الإيرانية من الموضوعات التي يختلف حولها المسئولون والقيادات السياسية والنخبة الإيرانية، حيث كان بعض القادة السياسيين يرون أن الحرب كان ينبغي أن تتوقف بعد السنة الثانية عندما حققت إيران العديد من الانتصارات، وأن قادة حراس الثورة بإصرارهم على استمرار الحرب قد حملوا إيران خسائر باهظة، في حين كان بعض القادة العسكريين أمثال محسن رضائي يتهمون القيادة السياسية بأنها لم تسمح بتدوين استراتيجية محددة للحرب، حتى يتمكن العسكريون من إنهاء الحرب بطرية ناجحة.
في حين يذهب بعض المحللين السياسيين إلى أن إعادة نشر هذه الرسالة مفيد في الوقت الحاضر، لأنها تنبه إلى أصوليات سياسية يستفاد منها، ملخصها: أن الخميني لم يكن يصدر قرارا يتعلق بالحرب دون الرجوع للقيادات العسكرية، والأخذ بتقاريرها باعتبارهم خبراء الحرب كما يولى اهتماما لنظريات المسئولين العسكريين والسياسيين في القرارات الهامة، وأن الخميني كان يعتقد في استمرار الحرب من أجل الحصول على نصر واضح محدد، ولكنه عندما شعر بأنه لن يحقق نصرا قريبا وافق على وقف الحرب، وأن الخميني عقد موازنة بين الإمكانيات العسكرية للعدو مع الدعم الذي يتلقاه من القوى الخارجية، وبين ما لدى قواته الذي لا يصل إلى 10% مما يمكله العدو، ووجد أن الاستمرار لن يحقق نصرا، بل سيضيع المنجزات التي تمت حتى ذلك الوقت، مما ينعكس سلبا على النظام، وأنه بقبوله وقف الحرب يوقف أطماع النظام العراقي ويجعله ضغطا سياسيا كبيرا كمعتد، ويمنع الأضرار التي تزداد مع استخدام النظام العراقي للأسلحة الكيماوية، كما أن الخميني كان يشعر بنبض الجماهير تحت وطأة الحالة الاقتصادية، والفتور تجاه الذهاب إلى جبهة القتال مع الإحساس بعدم القدرة على تحقيق نصر سريع، يضاف إلى ذلك شجاعته في اتخاذ القرار المناسب على عكس رغبته، وما له من تداعيات نفسية وإعلامية سلبية سوف تنعكس على إدارته، وهو ما عبر عنه بتجرع السم، دون أن يتهم بالخيانة أو التراجع عن مبادئ الثورة الإسلامية، عندما أكد أنه بقبوله وقف الحرب قد دخل في حالة سلام جاد ولن ينقضه، مؤكدا بذلك أنه رجل مبادئ وليس انتهازيا، ولقد اعتبر البعض أن قبول الخميني وقف الحرب في ذلك الوقت كان وبالا على صدام حسين، لأنه أدى إلى انهيار نظامه وسقوطه عندما أراد أن يعوض فشله بمحاولة ضم الكويت والاستيلاء على نفطها، بل وفشل مسعى الغرب في إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية على يد جيوش صدام، وقد تبنى وجهة النظر هذه الإصلاحيون والمعتدلون من الأصوليين ملمحين إلى أنه ينبغي معاملة القضية النووية من خلال هذا المنطق الذي تبناه مؤسس النظام وقدوته، حيث ينبغي أن تبدي إيران مرونة في محادثاتها مع الغرب، من أجل إبعاد شبح الحرب والتهديدات والعقوبات الاقتصادية التي سوف يكون لها مردود سلبي على الشعب الإيراني واحتياجاته الملحة، فضلا عن أنه يتيح الفرصة لعملية الإصلاح الاقتصادي التي تعتبر من أولويات النظام في المرحلة الراهنة، حيث أن المحفزات الأوربية تسهم في تحقيق هذا الأمر، في حين أن العقوبات تحرم الشعب الإيراني م هذه الفرصة التي تهيأت له م خلال ضغط الملف النووي