يا أهل غزة الكرام..لا تفرحوا بقوم (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا)!
الأحد 22 مارس 2009
يا أهل غزة الكرام..
لا تفرحوا بقوم (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا)!
 أنور قاسم الخضري[1]
رئيس مركز الجزيرة العربية للدراسات والبحوث
 
في قمة الأزمات التي يمكن أن تهدد مجتمعا ما يتطلع هذا المجتمع إلى من يقف إلى جانبه، يسانده ويقدم له التأييد والدعم، وهي فطرة طبيعية في التجمعات البشرية خاصة إذا كانت فاقدة لمقومات النصر المادية والبشرية. وفي إطار المنهج القرآني لمعالجة هذه الضرورة الفطرية يوجه المولى سبحانه وتعالى عباده إلى رؤية إيمانية أعمق، لكي لا تغتر الجماعة الإسلامية –أو المجتمع المسلم- بأي شعار يرفع لها في الأزمات التي قد تعصف بها من قبل أعداء مندسين يتربصون بها الكيد والمكر لكي يوقعوا بمشروعها الذي تعمل لأجله ورسالتها التي تحملها، وتختطف هي ثمرة جهادهم وتضحياتهم.
فهو تعالى يقول مثبتا المؤمنين إزاء طائفة تخلفت عن الجهاد في وقت احتاج مجتمعهم إليهم: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ، لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ، إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ، وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ، لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ، لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ، إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ، قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)، التوبة: 41-51. وعقب سبحانه على هذه الآيات بقوله: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ، لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ)، التوبة: 56-57.
ويقول تعالى في شأن غزوة أحد، التي تخلف عنها المنافقون: (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ، وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ، فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)، ثُمَّ عقب بقوله: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)، آل عمران: 154-160.
ولمثل هؤلاء مهما كانوا، يأمر الله رسوله –وأتباعه من بعده- بأن يوجه إليهم هذا الخطاب: (لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا)! لا لشيء سوى لأنهم أساسا من نطق الحق فيهم (هم العدو فاحذرهم) رغم إظهارهم الإسلام ومشاركتهم في القتال أو الإنفاق أو الواجبات العامة.
إن النصر هبة من الله تعالى يعتمد في شق منه على الجانب المادي، وهو جانب يستوي فيه المؤمن والكافر لأن سنن الله لا تتبدل، ومن سننه في الكون سُنَّة السببية. ويعتمد في شق آخر على الجانب الإيماني (الحق)، ولا أقصد به هنا ما يوصف بالجانب المعنوي والنفسية القتالية العالية، فهذه قضايا يحملها جنود كل مبدأ أو قضية يؤمنون به –أو بها. فإذا كان لا يجوز في شرع الله تعالى تضييع الأسباب اعتمادا على الإيمان فإنه كذلك لا يجوز الاعتماد عليها كلية إلى الحد الذي ينسى معه المسلم إيمانه وتوكله الذي يميزه عن غيره.
بهذه المقدمة ألِج إلى صلب الموضوع الذي أرغب في الحديث عنه. فقضية فلسطين زايد بها الكثيرون: زعامات وأنظمة وأحزاب علمانية يسارية وقومية وليبرالية. ولم تجنِ الأمة من ورائهم سوى الذلة والهوان والمزيد من إضاعة الحقوق وإهدار الكرامة وخسارة الأرض والبشر والثروة. ولن أذكِّر هنا بخيانات هذه التيارات والأنظمة القديم منها والحديث فهي أظهر من أن يُستَدل عليها، وإلا لكان واقع الأمة اليوم أحسن منه بالأمس.
وإذا كانت هذه الزعامات والأنظمة والأحزاب العلمانية قد فقدت بريقها وخبى وهجها، وتحاول اليوم إعادة هذا الوهج وهذا البريق من خلال ركوب موجة الجماهير المتعاطفة مع الفلسطينيين في غزة، مستغفلة بذلك ذاكرة الشعوب العربية والإسلامية، فإنها في الحقيقة لم تعد كسابق عهدها من القدرة والجدة بحيث تستطيع كسب ثقة هذه الشعوب.
وما يخشى المرء منه هو دخول مزايدين جدد على القضية الفلسطينية، لم يسبق لهم المشاركة فيها، وهم يأملون اليوم أن تصعد أسهمهم على حسابها. وأقصد بذلك تحديدا إيران وحلفاءها في المنطقة. ولا أقصد هنا بالطبع التهمة الممجوجة التي يوجهها بعض أطراف فتح وسلطة رام الله والحكومات العربية والإعلام العربي من أن (حماس) أداة طيعة لإيران أو أنها تحقق أجندتها الإقليمية لها؛ وهي تهمة يسوقونها في إطار تبريرهم للتخاذل والخيانة والتخلي عن دورهم وواجبهم السياسي والديني الذي يجب أن يقوموا به تجاه إخواننا في فلسطين.
وإنما أقصد ذلك الظهور الذي برز خلال الأحداث الأخيرة في غزة لهذا التيار السياسي الطائفي، في مقابل هوان وتخاذل وخيانة بعض قيادات ودول تنتسب إلى (السُّنَّة) زورا! بل وقاعدة عريضة من الحركات الإسلامية والعلماء في هذه البلدان ظهرت عاجزة ومشلولة أمام ما يجري! وهو واقع مؤلم يُشكِّك الناس البسطاء في عقائدهم الحقة ويُحسِّن إليهم عقائد الباطل لدى هذا التيار.. وهنا تكمن الفتنة العظمى والجانب المظلم من واقع المأساة الدائرة في الأمة.
إن وقوف المسلمين إلى جانب بعضهم البعض أمام العدو الكافر، واجب شرعي وضرورة اجتماعية. لأن المسلمين أمة واحدة على من سواهم، ودماؤهم تتكافأ، ولهم جميعا حق النصرة على المعتدي، ولا يجوز تسليم فرد منهم إلى كافر ليتمكن منه، مهما كان الأمر. وقد قررت النصوص الشرعية ذلك ونص عليه العديد من علماء الإسلام صراحة. قال صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه([2])".
وعندما ضيعت الفرق والطوائف الإسلامية هذا الأصل في دينها، واستبدلت به الولاء الحزبي والمذهبي والطائفي الضيق، وقع على الأمة موعود الله تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)([3]). واستطاع الأعداء أن يلجوا عليها من هذا الباب كما ولجوا من جملة أبواب أخرى. وأصبحت بعض فرق المسلمين وطوائفهم ترى أن الاستعانة بأعدائها –وأعداء مخالفيها من مذاهب وفرق الأمة- أمر لا بأس به، فأباحت لنفسها أمرا محرما معلوما من الدِّين بالضرورة.
إن واقع ما يجري اليوم، هو استمرار للتاريخ الإسلامي الذي حذر منه علماء الأمة على اختلاف مذاهبهم الفقهية والفكرية. فإن الشيعة اتخذوا من المظلومية التاريخية منطلقا لتبرير عداء لا يزال يتوارث عبر الأجيال تجاه المكون الأغلب للأمة، ألا وهم (السُّنَّة). ولم يستطع غالبية هذا التيار الخروج من ربقة لوازم تاريخية اصطنعها فريق من رواته ومؤرخيه ومراجعه العلمية خلال مرحلة تاريخية بحيث أصبحت تزاحم رواياتهم وأقوالهم نصوص الشريعة وتعطل مقاصدها العظيمة فوقعوا في تكفير الأمة وتخوينها جيلا بعد جيل، وبذلك استباحوا الوقوف إلى جانب أعداء الأمة ضدهم والاستعانة بهم عليهم دون أي شعور بالإثم أو التحرج.
وهنا يجب الوقوف على مشاهد الوقت الراهن في قضية إسلامية تمثل رمز وحدة المسلمين واجتماع الأمة بشعوبها وبلدانها، حيث تمثل فلسطين والعدوان الإسرائيلي على إخواننا المسلمين على أرضها قضية توجب الاتحاد والاجتماع والعمل المشترك لهذه الغاية دون الالتفات إلى التيارات الفكرية والحركية الخارجة عن الدِّين من أي خلفية مذهبية سُنِّيَّة أو شيعية مع ضرورة التأكيد على التعامل معهم وفق السياسة الشرعية التي تفرز الناس بحسب قربهم وبعدهم ونفعهم وضرهم.
دموع التماسيح:
ولعل البعض هنا يحب أن ينظر إلى الأمور من زاوية واحدة وبعين الرضى الكليلة فقط، جاهلا أو متجاهلا حقائق تاريخية وواقعية حية في شأن طبيعة علاقة هذا المكون الطائفي من الأمة (الشيعة الإمامية) من قضية فلسطين مستشهدا ببعض التصريحات والشعارات المعلنة لقيادة الثورة الإسلامية ورموزها ونظامها السياسي في طهران، وبعض حلفائها في المنطقة، والتي تناسب موضع الاستشهاد. وحقيقة فإن المرء ابتداء لن يعدم هذه التصريحات والمواقف بالفعل من هذا التيار، وذلك لعدة أسباب:
-  أن هذه القضية مثَّلت عامل قلق واهتمام عند جمهور الأمة المسلمة عبر التعبئة الدينية والقومية خلال فترة الصراع التي أعقبت قيام دولة إسرائيل. فأصبح وعي الأمة الجمعي يحمل في مكنونه زخما من الشحنة الوجدانية والمعرفية والسلوكية تجاه هذه البقعة من الأرض وشعبها؛ تارة باعتبار العامل الديني وأخرى باعتبار العامل القومي.
-  كما أن الأنظمة والتيارات الفكرية والسياسية في الوطن العربي جعلت من قضية فلسطين مركبا تحقق من خلاله جانبا دعائيا، وتُسوِّق نفسها من خلاله، وتضع منه شماعة لممارساتها الأمنية وفشلها الداخلي. وبالتالي لم تغب قضية فلسطين –وإن بنسب متفاوتة- عن سياسات وبرامج الأحزاب القومية واليسارية والعلمانية وغيرها.
-  في الوقت ذاته، مثلت هذه القضية جرحا غائرا في الأمة تمدد أثره إلى كافة جسدها الحي النابض. وأصبحت مأساة شعب فلسطين المنكوب والمشرد شعارا لوهن الأمة وهزيمتها وضياع كيانها السياسي الذي كانت تحتمي إليه، وتمزقها إلى (دويلات) واهنة ومتناحرة وفاشلة وغير مستقرة. ومن ثمَّ أصبحت الأمة تتطلع إلى هذا الجانب المشترك من مأساتها علها تجد مخرجا يكون علاجا لكافة مشاكلها. فكانت فلسطين هي ذلك المحرك الذي يستنهض الأمل ويغذي روح المقاومة في الأمة تجاه الظلم والعدوان والاحتلال معا!
-  إن أرض فلسطين والقدس الشريف حاضرة في الخطاب الديني بشكل واضح وجلي، كما أنها ترتبط بوجدان كل مسلم لطبيعة العلاقة الدينية معها، وأواصر التاريخ الذي عمدته مواكب الشهداء من المسلمين بدمائها وأرواحها. وهي اليوم لا تزال حية حاضرة بحضور هذا الخطاب الديني وانتشاره. كما أنَّ هذه الانتفاضة التي تبديها الأمة كلما وجه الإسرائيليون ضربة لهذا الجزء من الجسد يحرك عوامل التوحد والاتفاق والشعور المشترك بضرورة الولاء والبراء والاجتماع.
إذا والحالة هذه، فإن قضية فلسطين تُعدُّ مدخلا إلى وعي ووجدان وحراك الأمة ونبضها، وهي الفيصل في بيان مدى الانتماء لهذا الجسد من عدمه. فلن يقبل المسلمون على اختلاف مشاربهم أي رافض لحق شعب فلسطين في مقاومة الاحتلال أو محايد تجاه هذا الصراع أيا كان وإلى أي انتمى.
 وهكذا نتفهم خطابات وتصريحات ومواقف حكومة طهران (الثورة الإسلامية) وحلفائها في المنطقة (سوريا وحزب الله، ومن في حكمهما من التيارات الشيعية)؛ منذ قيام الثورة وحتى هذه اللحظات التي تواجه فيها (غزة) العدوان البربري الغاشم من يهود.
هذه المواقف الشيعية الإعلامية والشعاراتية الظاهرة لم تصدقها الأحداث والوقائع على أرض الواقع،  فمع كل هذا العدوان البربري على غزة إلا أن حسن نصر الله، وحزبه التزما الحياد!! وتفرغا لمهاجمة الدول العربية التي لا تقدم دعما حقيقيا للفلسطينيين، في 29/12/2008م، مطالبا العرب والمسلمين بالتظاهر والانتفاضة نصرة لغزة! وبالرغم من الفعاليات الصوتية التي قام بها (حزب الله) إلا أنَّ سعيد جليلي -الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني- أكد في اجتماع معه بلبنان أن "حزب الله لن يقوم بأي عمل"! حسب تصريح سعد الحريري للصحافة وتأكيده: "أن حزب الله لن يقوم بأي خطأ هذه المرة"، واعتقاده أن "ما قاله جليلي خير تطمين"([4])!
وقد صرح وزير الإعلام اللبناني طارق متري، عقب إطلاق صواريخ من جنوب لبنان باتجاه إسرائيل، بأن حزب الله نفى –في 8/1/2009م- للحكومة تورطه في إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان على شمال إسرائيل([5]). وسبق للوزير أن أكد أن كل القوى المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية، ومن ضمنها "حزب الله" مصرة -على الأقل في هذه المرحلة- على رفض استدراج البلاد إلى نزاع آخر مع إسرائيل. وأضاف: "لم نتلق من حزب الله أية إشارة تدل على أنهم قد يخاطرون باستدراج لبنان إلى هذا النزاع". وأعرب عن اعتقاده بأن "أهالي جنوب لبنان لا يريدون نزاعاً آخر"، مشيراً إلى "إجماع في لبنان على أن لا مصلحة له بحرب أخرى في الجنوب"([6]). وهذه التصريحات تأتي عقب زيارة رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني سعيد جليلي للبنان، وإجرائه محادثات مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة ورئيس مجلس النواب نبيه بري. وبحسب صحيفة "النهار" اللبنانية فإن الجانب الإيراني أراد في المحادثات "إمرار رسالة مفادها أن طهران على استعداد للمساهمة جدياً في البحث عن مخارج وحلول للأزمة الراهنة في غزة"([7]).
ولذلك فإن "حزب الله" حافظ على هدوئه خلال العدوان كاملا!
وحين أطلقت ثلاثة صواريخ من نوع "كاتيوشا" من القطاع الغربي في جنوب لبنان على مستعمرة نهاريا، ما أوقع أربعة جرحى، نفى وزير العمل والنائب من "حزب الله" محمد فنيش أن يكون الحزب هو من قام بهذا العمل، وهو ما أكدته إسرائيل أيضا! وسبق أن عثر الجيش اللبناني في 25/12/2008م شمال شرقي الناقورة في الجنوب على ثمانية صواريخ معدة للإطلاق موجهة باتجاه الحدود الشمالية الإسرائيلية. وقال مصدر مطلع في حينها لـ"الشرق الأوسط": إن الجبهة الشعبية "القيادة العامة" هي المصدر، وأن حزب الله([8]لى إبلاغ الجهات العسكرية([9])!) علم بوجودها وسارع إ
إذن لقد مثل "حزب الله" كما أشار أمينه العام السابق صبحي الطفيلي حاجزا أمام قوى المقاومة الأخرى التي ترغب في منازلة إسرائيل من جنوب لبنان بقصره لأي نشاط مسلح على فصيله التابع لطهران معتقدا ومذهبا وسياسة([10]).
وأصبح النظام السوري الذي لم يقدم شيئا يذكر للقضية الفلسطينية، سوى استضافته لقيادات الفصائل المقاومة الفلسطينية التي لم ترحب بها الدول العربية الأخرى، بغية بناء مجد على كفاحها ونضالها العادل، يبدو وكأنه ركن في محور "الممانعة"، رغم وقوفه "مكتوف الأيدي" في استعادة أراضيه المحتلة؛ ورغم ماضيه الملطخ بدم الفلسطينيين في لبنان خلال فترة تدخله؛ ورغم دخوله في مفاوضات مباشرة وغير مباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية قبيل هذا العدوان الإسرائيلي على غزة!
إن حقيقة الأمر هي أنَّ إيران وحلفاءها لا تمارس سوى الخطابات والشعارات، مع شيء من الأعمال التي لا تتجاوز الجانب الإنساني والاستهلاكي للقضية. وهي تود من وراء ذلك تحقيق أهداف عدة، منها:
-   تسويق إيران كحكومة مقاومة ودولة داعمة للمقاومة.. فقد أشاد المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي، خلال لقائه حشدا من أهالي قم في 8/1/2009م، ببلاده التي أصبحت –حسب تعبيره -: "قدوة ووقودا لمقاومة شعوب المنطقة"، و"تمثال العظمة والجلال والأمل في عيون شعوب المنطقة في سبيل المقاومة والنصر"([11])! ووجه خامنئي تحذيرا إلى الدول الإسلامية، في كلمة وردت في موقعه على الإنترنت قال فيها: "إن أولئك الذين رفضوا مساعدة فلسطين يتعين عليهم أن يدركوا العواقب الخطيرة لهذا الخطأ من جانبهم"، معتبرا الحرب التي تشنها إسرائيل على غزة مرحلة أولى من "هجوم كبير" يستهدف "مقاومة" الجمهورية الإسلامية لإسرائيل([12])!!
من جهته اعتبر نجاد إيران اليوم "دولة متطورة، وعزيزة"، و"لها أثرها في المحافل الدولية"... وقال: "الحياة الطيبة الإنسانية لكل البشر أهداف عالية، ونحن نتحرك في هذا الخط، وخط الثورة تصاعدي نحو الكمال، وخاصة أن السنوات المقبلة هي سنوات التغيير في العالم، وأفكار وثقافة الثورة سيكون لهما دور فعال في التغييرات القادمة"([13]).
-  تشويه صورة وسمعة الحكومات والبلدان العربية والإسلامية الأخرى، وقد سبق معنا شيء من التصريحات التي تصب في هذا الاتجاه.
-  إشعار الغرب بأن لدى إيران أوراقا مختلفة تلعب بها، ومن ثمَّ تفاوض عليها من أجل تحقيق مصالحها في المنطقة وأحلامها القومية.
-  استمالة الحركات الجهادية المقاومة التي وقعت بين سندان إسرائيل وحلفائها ومطرقة الأنظمة العربية والإسلامية الخائنة والمتخاذلة.
ولو أرادت إيران بالفعل نصرة القضية لكان لها شأن وموقف آخر؛ فالرئيس الإيراني الذي سبق وصرح مرارا إلى ضرورة محو إسرائيل من الوجود، وإلغائها من الخارطة، مقترحا أن تستضيف ألمانيا والنمسا –أو أي دولة غربية- يهود إسرائيل؛ هو ذاته الذي أدلى بتصريح لمراسل صحيفة "نيويورك ديلي نيوز" –الأمريكية، في 24/9/2008م- ألمح فيها إلى استعداد بلاده للاعتراف بإسرائيل، حيث قال: "إذا اتفق القادة الفلسطينيون على حل الدولتين فيمكن لإيران أن تعيش مع دولة إسرائيلية".
وكان نائبه "إسفنديار رحيم مشائي" قد أعلن -قبل شهرين من تصريح نجاد- أن بلاده "صديقة الشعب الإسرائيلي"، بحسب ما نقلت صحيفة "اعتماد" ووكالة أنباء فارس المعروفة بقربها من المحافظين في إيران؛ وقال مفتخرا: "إن إيران اليوم هي صديقة الشعب الأمريكي والشعب الإسرائيلي، ما من أمة في العالم هي عدوتنا وهذا فخر لنا"([14]).
وحسب قناة "العربية"([15]) فإن المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي منع المتطوعين الإيرانيين للقتال في غزة ضد الإسرائيليين، والذين احتشدوا في المطارات، من الالتحاق بمقاتلي غزة! وعوضا عن تأييد موقفهم وتسهيل لحاقهم بإخوانهم في فلسطين عبّر لهم عن "جزيل شكره"، منبها إياهم بالقول: "إننا لا نستطيع أن نفعل شيئا في هذا المجال"! في مقابل ذلك حذر من "مضاعفات عدم اكتراث بعض دول المنطقة بما يحدث"! محملا البلدان الإسلامية التي تمتنع عن دعم الفلسطينيين" مضاعفات أخطائها الخطيرة في هذا المجال"..!!
وذهب خامنئي -في رسالة بثها التلفزيون الرسمي- إلى لوم الدول العربية "التي تدعي الانتماء للإسلام" والمتواطئة مع "العدوان الصهيوني"([16])! وحملها مسئولية ما يجري. واكتفى بإعلان يوم 30 ديسمبر يوم حداد عام في البلاد تضامنا مع الشعب الفلسطيني! كما ذهب للوم الدول الإسلامية (وهي في عمومها سُنِّيَّة) غامزا بها، حيث قال: "فأي مصيبة أعظم من أن الدول المسلمة، التي كان يجب أن تدافع عن أهالي غزة المظلومين في مواجهة الكيان الغاصب والكافر والمحارب، أخذت تعتمد سلوكاً يجعل السلطات الصهيونية المجرمة تقدمها على أنها منسجمة وموافقة على ارتكاب هذه الكارثة المروعة([17])".
ورأى القائد العام للحرس الثوري الإيراني اللواء محمد علي جعفر أن "الأسلحة اليدوية الصنع لدى حماس والأسلحة البدائية التي يمتلكها أهالي غزة كافية للدفاع عن هذه المدينة أمام جرائم الكيان الصهيوني"! وحول ما إذا كان لدى القوات الإيرانية خطة لدعم أهالي غزة؟ أجاب قائلا: "إن نموذج قتال ومقاومة أهالي غزة لا يحتاج إلى دعم عسكري من قبل الدول الإسلامية، وأن الوضع الجغرافي لهذه المنطقة يوفر للأهالي قابلية الدفاع عنها في مواجهة العدوان الصهيوني"([18])!
وهذا الذي ذهبنا إليه صرح به د.علي مطهري –نجل أهم منظري الثورة الإيرانية آية الله مطهري الذي اغتيل مطلع الثمانينيات- على هامش تجمع لنواب مجلس الشورى في ساحة فلسطين تنديدا بالغارات الإسرائيلية. فقد قال: إن "النظام الإيراني تخلى عن واجباته تجاه غزة وامتنع عن القيام بالحد الأدنى المطلوب وهو فتح الطريق أمام متطوعين للالتحاق بالمقاتلين الفلسطينيين". ورفض في كلمة له تعلل النظام الإيراني بعدم تجاوب الحكومات العربية معها، قائلا: إن "على إيران أن تبادر إلى تحويل المعركة مع إسرائيل إلى حرببرية حقيقية الأمر الذي من شأنه القضاء على إسرائيل في غضون أسبوع واحد" موضحا أن "لكل حرب صعاب وليس على إيران أن تخاف منها". وأضاف: "إن اجتماع الدولوبرلمانات الدول الإسلامية لا تجدِ نفعا وإن العمل المجدي الوحيد بوجه الجرائمالصهيونية هو العمل العسكري" واعتبر في هذا السياق أن الجمهورية الإسلاميةالإيرانية لم تقم بالحد الأدنى للقضية الفلسطينية وهو فتح الطريق أمام المتطوعينللقتال معتبرا أن من شأن ذلك "منح البلدان العربية الشجاعة أيضا"([19]).
ويقول المحلل الإيراني ـ المقيم في لندن ـ باقر معين: "الرسالة من الإيرانيين إلى واشنطن هي أن هناك أخذوعطاء. نستطيع أن نساعدكم في أفغانستان.. نستطيع أن نساعدكم في العراق.. نستطيع مساعدتكم في لبنان وفلسطين إذا كانت بيننا وبينكم علاقات جيدة"! وأن مفاد الرسالة أيضا أننا "قوة إقليمية، ويجب أن تعترفوا بهذا، وأن تتحدثوا معنا على هذا المستوى إذا كنتم تريدوننا أن نكون متعاونين في القضايا التي تحتاجون إلينا فيها"([20]).
أما الزعيم الأفغاني قلب الدين حكمتيار([21]) الذي أقام فترة في طهران، عقب خلافه مع حركة طالبان عقب تمكنها من السيطرة على كابل، وعاد الآن ليضع يده بيدها لمقاومة الاحتلال الأمريكي في أفغانستان والذي تعاونت معه إيران، فقد وجّه تحذيرا إلى حركة المقاومة الإسلامية (حماس) من الانخداع بما اعتبره دعما إيرانيا "كلاميا" لها، متهما إيران بأنها وقفت على مرِّ التاريخ مع أعداء الأمة الإسلامية، ومشددا بصورة خاصة على موقفها القريب من الاتحاد السوفييتي خلال فترة احتلاله لأفغانستان ووقوفها مع الولايات المتحدة الأمريكية في احتلال أفغانستان والعراق، كما قال إن جماعات موالية لها قتلت من المسلمين في العراق أكثر مما قامت به القوات الأمريكية.
وقال في بيان له وجهه إلى "الأعزة البواسل في غزة": إن "طهران تصيح لحماية الفلسطينيين، وتواصل الحرب الكلامية ضد الصهاينة على لسان حزب الله اللبناني، ولكنها عملياً لا تعمل أي شيء متذرعة بأن الدول العربية المجاورة لفلسطين لا تفتح لها طريقاً، ولكنها حجة داحضة كاذبة، ولو كانت طهران متعاطفة مع الفلسطينيين بصدق فلماذا لا تأمر حزب الله بأن يطلق بعض الصواريخ تجاه إسرائيل!! إن هذه الآلاف من الصواريخ التي سلمتها إيران وسوريا لحزب الله هي لأجل أي يوم؟ ومتى يأتي يوم استخدامها؟ ولو كانت طهران صادقة فلتطلب من الشيعة الأفغان والشيعة العراقيين إما أن ينضموا مع المجاهدين ضد أمريكا الحامي الأكبر لإسرائيل، وإما أن يتخلوا عن مساندة أمريكا على الأقل". ووصف إيران بأنها "عدو في لباس صديق"، كونها "تضرب المسلم بخنجر من ورائه"([22]).
كما أن المبادرة العربية (المهينة)([23]) التي يغمز بها الإيرانيون العرب سبق أن صرح هاشمي رفسنجاني -رئيس هيئة تشخيص مصلحة النظام- إبان حملته الانتخابية الرئاسية التي خسرها بقبوله لها حال فوزه.[24]
 
شيء من الذاكرة وشيء من التاريخ:
إنني آمل من أبناء فلسطين وحركات المقاومة الإسلامية السُّنِّية أن تمتلك قدرا من الاتزان مهما بلغت الظروف ليستطيعوا تقييم المواقف جميعا وبدون استثناء بمنطق العقل والحكمة، مع استقراء التاريخ والحال -معاً- دون بتر أو تناس تحت ضغط الظرف الصعب أو ثورة العاطفة المكلومة..
إن علاقة الإيرانيين الشيعة باليهود([25]) بدأت قديما وقبل ظهور القضية الفلسطينية، فقد عاش اليهود تحت ظل حكم آل بهلوي في حرية تامة ورعاية كاملة ومساندة من بلاط الحكم. فقد شهد عهد رضا بهلوي تحسنا في وضع اليهود في إيران، من خلال سن مجموعة من القوانين المدنية حصل اليهود بموجبها على تمثيل أنفسهم كطائفة بمقعد واحد في البرلمان، في وقت كانت الصهيونية العالمية واليهود يحيكون التآمر على الخلافة العثمانية لحصول وطن لهم في فلسطين، وكان الإيرانيون يعملون على إضعاف الخلافة بدورهم مطالبين باستقلالهم عنها كقومية فارسية!
وقد ساهم حكام إيران ويهود الدونمة في إضعاف الخلافة العثمانية وساعدوا على إسقاطها نظرا لالتقاء مصالح الطرفين بسقوطها. وتشير الوثائق إلى وجود صلة بين النظام الإيراني السابق وبين الحركة الصهيونية العالمية، فقد جرى تهجير يهود إيران إلى فلسطين خلال عدة مراحل من القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وكان من أبرزها الهجرات الجماعية بين عامي (1949م - 1952م). كما أن الدبلوماسيين الإيرانيين في أوروبا عملوا على إنقاذ آلاف اليهود من المحرقة.
وقد أشار مؤلف كتاب "اليهود في إيران" إلى وجود اتصالات سابقة عن عام 1948م بين نظام الشاه في إيران وقادة الحركة الصهيونية في فلسطين وخارجها؛ وأن هذه الصلات أرست أسسها عبر علاقات رسمية عقب قيام دولة إسرائيل، التي حرصت على تبادل الزيارات الدبلوماسية وتنسيق المواقف السياسية مع إيران. وشملت هذه العلاقات الجوانب الاقتصادية والتجارية، حيث كان للرأسمالية الإسرائيلية دور فاعل في المشاريع الإنمائية في إيران.
من ناحية أخرى كانت هناك علاقات أمنية وعسكرية بين طهران وتل أبيب، فقد شاركت إسرائيل في إنشاء هيئة الشرطة السرية الإيرانية "السافاك" عام 1957م، عبر جهاز الموساد وتعاونه مع وكالة الاستخبارات الأمريكية "C.I.A"، كما عملت على تدريب يهود إيرانيين على الجاسوسية وتوزيعهم على دول الخليج العربي، كما قامت إسرائيل ببيع بعض أنواع الأسلحة إلى إيران، وجرى بين البلدين تبادل في الخبرات العسكرية([26]).
لقد كانت إيران واحدة من أوائل الدول التي اعترفت بقيام دولة إسرائيل([27]) وأقامت معها علاقات دبلوماسية وتجارية. وكان الشاه محمد رضا بهلوي يعتمد على إسرائيل كمصدر لاستمرار تدفق السلاح والمعلومات الاستخبارية، وحافظ في سبيل ذلك على موقفه المؤيد لإسرائيل في حروبها مع العرب، مواصلا تزويد إسرائيل بالنفط خلال فترة الحظر النفطي الذي فرضه العرب  في سبعينيات القرن الماضي (1973م) أثناء عدوانها على مصر وسوريا. في حين تواصلت هجرة اليهود الإيرانيين إلى فلسطين حتى عقب قيام دولة إسرائيل! بل وفرت إيران ليهود العراق طريق الهروب والهجرة إلى إسرائيل عقب عام 1948م.
وقد رحبت طهران بالوفود الصهيونية على أرضها، وقيادات الكيان الغاصب؛ ففي عام 1972م زارت "غولدا مائير" طهران. ومع انتهاء عهد جمال عبدالناصر ومجيء أنور السادات إلى الحكم، رحب شاه إيران بتصريح الرئيس المصري حول أن "حل قضية الشرق الأوسط بيد الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 99 %، وأن الوقت قد حان لإقامة تحالف إستراتيجي معها، وأن الحروب ضد إسرائيل قد ولت"؛ وتبادل الشاه مع السادات الزيارات، وأقامت الدولتان علاقات دبلوماسية كاملة؛ وظل هذا الوضع قائما حتى عام 1979م.
وكانت إسرائيل قد قدمت للشاه عرضا لمساعدة طهران لبناء مشروعه النووي الذي عزم على إقامته، حسبما كشف عنه الفيلم الوثائقي الإسرائيلي الذي حمل اسم "المبعوث"! حيث ظهر في هذا الفيلم السفير الإسرائيلي السابق في طهران "مئير عزري" -الذي مثل إسرائيل هناك مدة 17 عاماً وهو يدلي بشهادته حول هذه المسألة؛ حيث يظهر أن إسرائيل كانت قد أعربت عن استعدادها لمساعدة إيران في إقامة مفاعلات نووية!
ورغم ما أعلن من قطع إيران علاقاتها مع إسرائيل بعد الإطاحة بحكم الشاه عام 1979م، وإغلاقها سفارة تل أبيب في طهران وفتح سفارة فلسطينية مكانها قبل الإعلان عن الدولة الفلسطينية بنحو تسع سنوات، ورغم إعلان الخميني عن دعمه للفلسطينيين ووقوفه إلى جانبهم! إلا أن الواقع الفعلي كان خلاف ذلك. فهذه الشعارات والمواقف المعلنة ظلت رمزية وفي حدود الدعاية والتسويق. فلم يغير وجود الحكومة الإسلامية في إيران من واقع القضية الفلسطينية في شيء، وعوضا عن ذلك سعت طهران للتوسع جغرافيا على حساب وجود الدول السُّنِّية في الخليج والقومية العربية في العراق. فقد اتخذت من فتح القدس ذريعة للمرور من بغداد أولا! وقد استباحت إيران من أجل هذا الهدف –اجتياح البلدان العربية- التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية أو ما كانت تصفه بـ (الشيطان الأكبر)، وربيبتها إسرائيل، فيما عُرف فيما بعد بـ(إيران كونترا) أو (إيران غيت). وهي عمليات تسلح حصلت عليها طهران من الولايات المتحدة الأمريكية وعبر إسرائيل!
وهنا يجب على القارئ الكريم أن يقرأ بتمعن شهادة أبي الحسن بني صدر، أول رئيس منتخب للجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1980م، في حوار له مع قناة "الجزيرة"، في 17/1/2000م، كما يجب عليه الرجوع إلى كتاب (وجاء دور المجوس)، والكتب الغربية التي تحدثت عن صلة واشنطن بطهران قبل قيام الثورة وبعدها، وقبل حرب الخليج الأولى وبعدها.
ليس هذا فحسب، بل لقد عملت إيران مع نظام الحكم السوري النصيري وبالتعاون مع حركة (أمل) اللبنانية على إضعاف الوجود الفلسطيني في لبنان وتجريده من قواه العسكرية، ويكفي أن يقرأ الشخص كتاب (أمل والمخيمات الفلسطينية)([28]) ليعرف حجم معاناة الفلسطينيين من قبل شيعة لبنان بدافع من إيران خلال الحرب الأهلية في لبنان.
لقد ارتكب الشيعة الموالون لإيران في لبنان مجازر دموية في حق الفلسطينيين العزل، ووقفوا إلى جانب القوى الإسرائيلية التي توغلت إلى بيروت، ووقفوا إلى جانب القوى المسيحية (بقيادة سعد حداد) العميلة لإسرائيل والمحاربة للوجود السني الفلسطيني! وقد سبق أن تحدثت شخصيات من قيادة حركة الإخوان المسلمين عن هذه الحقائق. يقول الشيخ سعيد حوى: "كنا نتصور أنه بعد انتصار الخميني في إيران أن الشيعة قد تجاوزوا التقية، لكننا من خلال الواقع وجدناهم يستعملون التقية مع البندقية"، ويضيف: "سواء في ذلك النظام الحاكم في سورية أو حركة أمل أو إيران، يتعاونون مع إسرائيل سرا ويعطونها الذي تريد، ويتظاهرون بخلاف ذلك، وهم يحاربون حربا طائفية في كل مكان ويتظاهرون بشعارات سوى ذلك"، ثُمَّ يأسف الشيخ لكون أن "بعض شباب أهل السنة والجماعة خُدعوا بذلك وغُرر بهم، لأن عندهم فراغا استغله هؤلاء المخادعون، فحاولوا أن يقدموا لهم الخمينية على أنها تمثل الأصالة والحيوية وما هي إلا مقبرة للإسلام الصحيح ومحاولة لدفن الإسلام وأهله.. فيا شباب الأمة الإسلامية انتبهوا...."([29]).
الشيء ذاته يقال عن موقف الشيعة من الفلسطينيين في العراق. فقد لاقى اللاجئون الفلسطينيون المقيمون في العراق عقب سقوط بغداد عام 2003م أعتى أصناف التعذيب والتنكيل والقتل على أيدي الميليشيات الشيعية المسنودة من قبل إيران أو المدعومة من حكومة الاحتلال التي يتولاها شيعة العراق منذ ذلك التاريخ. وتأتي هذه الجرائم -التي تحدثت عنها وسائل أعلام مختلفة ونقلت صورها- تحت دعوى حرب (الوهابية) و(النواصب) الكفرة في نظرة الإثنى عشرية المذهبية! وقد ألحقت هذه الأعمال بالفلسطينيين أبلغ الأذى حيث خلفت قتلى ومصابين وأرامل وأيتاما ومشردين أغلقت أمامهم أبواب الدول المجاورة وتركوا فريسة للميليشيات الطائفية الدموية. ويكفي الاطلاع على كتاب (فلسطينيو العراق.. بين الشتات والموت)([30]) والذي يلخص الانتهاكات التي تعرض لها الفلسطينيون على أيدي الميلشيات الطائفية بالصورة والوثائق، ليتأكد من حجم الجريمة.
وقد وجهت وزارة شئون اللاجئين الفلسطينية وهيئات فلسطينية أخرى مناشداتها للمرجع الأعلى للشيعة في العراق علي السيستاني بضرورة إصدار فتوى أو تصريح يمنع التعرض للفلسطينيين المقيمين في العراق ويضمن حمايتهم. وجاء رد مكتب السيستاني في العراق على هذه المناشدات في 1/5/2006م في رسالة موجهة إلى وزارة شؤون اللاجئين أن السيستاني "أصدر فتوى لا تجيز التعرض للاجئين الفلسطينيين المقيمين في العراق منذ عقود، بأي سوء أو أذى، وتطالب بحمايتهم".. وهو رد لم يشر إلى الوضع القائم الذي تحدثت عنه المناشدات!
وفي شأن "حزب الله" اللبناني تكفي الإشارة هنا إلى أن أحداث مخيم "نهر البارد" عام 2007م التي هاجم فيها الجيش اللبناني حركة "فتح الإسلام" بشكل أدى إلى تدمير المخيم وتشريد أكثر من ثلاثين ألف لاجئ فلسطيني لم تحرك للحزب ساكنا!!
 
حماس في السياسة الإيرانية:
يقول المحلل الإيراني - المقيم في لندن - باقر معين: "الرسالة من الإيرانيين إلى واشنطن هي أن هناك أخذ وعطاء. نستطيع أن نساعدكم في أفغانستان، نستطيع أن نساعدكم في العراق، نستطيع مساعدتكم في لبنان وفلسطين.. إذا كانت بيننا وبينكم علاقات جيدة". وأضاف أن الرسالة مفادها أيضا: أننا "قوة إقليمية، ويجب أن تعترفوا بهذا، وأن تتحدثوا معنا على هذا المستوى إذا كنتم تريدوننا أن نكون متعاونين في القضايا التي تحتاجون إلينا فيها". الشيء ذاته قاله دبلوماسي غربي -رفض ذكر اسمه: "يشعرون في إيران أن الطريقة للحفاظ على النفوذ في هذه المنطقة عن طريق حزب الله قوي وحماس قوية"، مستدركا "إذا تم حل صراع حماس أو حزب الله اللبناني مع إسرائيل ستكون هذه كارثة إستراتيجية لإيران"([31]).
هذا التحليل الذي يتطابق مع مجمل سياسات إيران في المنطقة امتدادا من أفغانستان إلى العراق ولبنان، ومع أسلوب تعامل الولايات المتحدة الأمريكية معها..
فقد أعلن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد -في كلمة له في الذكرى الثلاثين للثورة الإسلامية الإيرانية، ألقاها أمام ضريح الخميني- أن الثورة ليست محصورة بالأراضي الإيرانية؛ وقال: "إن كانت هذه الثورة جرت في إيران، إلا أنها ليست محصورة بالحدود الإيرانية"([32]).
وهذه النظرة الإقليمية لبعد التأثير الإيراني هو ما دفع وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي للقول: إن التغيُّر الحقيقي في سياسة واشنطن في الشرق الأوسط سيمكِّن طهران من تبني "موقف متعاون" مع الولايات المتحدة، مضيفا بأنَّه "لا يمكن استبعاد إيران من الفهم العام لمنطقتنا"!
ويقول المتحدث باسم البيت الأبيض "روبرت جيبس": إن "لدينا العديد من القضايا التي نحتاج أن نعمل عليها، فالبرنامج النووي، ورعاية الإرهاب، وتهديد السلام في إسرائيل، هي مجرَّد بعض هذه القضايا التي يعتقد الرئيس أن على القيادة الإيرانية التعامل معها"([33]).
ولأن إيران تحاول توظيف ورقة المقاومة لصالحها من خلال تقديم الدعم والسند لها في حين تخلت عنها الدول العربية بمن فيها مصر والسعودية والأردن، نجد تصريحات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد تحمل طابع السخرية وإحراج هذه الدول بمواقفها المتخاذلة. يقول الرئيس الإيراني: إن على جامعة الدول العربية -التي انعقد اجتماع وزراء خارجيتها بالقاهرة لمناقشة الأوضاع في غزة- التحرك سريعا لإنهاء الهجمات الإسرائيلية على الفلسطينيين في قطاع غزة؛ مضيفا بأن تشكيل لجنة أو إلقاء كلمات ليس كافيا. وقال في اجتماع حاشد في زاهدان بجنوب شرق إيران: "إذا لم ترغب الجامعة العربية في القيام بأي شيء اليوم فمتى ستفعل شيئا..". وتابع في الكلمة التي أذاعها التلفزيون الإيراني: "أليس هؤلاء المضطهدون فلسطينيون عرب.. متى إذن ستستخدم جامعة الدول العربية قدرتها.. يجب أن تتحرك الجامعة العربية سريعا"([34])!
وقد أشار الأمين العام للجامعة العربية عمر موسى، في مؤتمر صحافي عقده في 25 ديسمبر بمناسبة حصاد عام 2008م: إلى أن "حزمة الحلول التي قدمها الغرب لإيران في شأن ملفها النووي تتضمن دورا إقليميا لإيران"، مشيرا إلى أنه "ليس من حقهم أو من حق إيران الحديث عن المنطقة وأمنها من دون وجود العالم العربي في هذا الموضوع"؛ محذرا من أن "ما يحدث يشكل طعنة للقضية الفلسطينية وربما قد يؤدي إلى أن القضية لن تقوم لها قائمة"؛ ومعترفا بوجود "تقصير عربي" تجاه الحصار المفروض على قطاع غزة، الذي وصفه بأنه "أسوأ صور العدوان"؛ وبأن العرب لن يصلوا إلى "نتائج حاسمة في كثير من القضايا"، لأنهم ليسوا "اللاعب الوحيد فيها" ونتيجة "للضعف العربي".
وأنا هنا لا اتهم (حماس) لا قدر الله بأنها لعبة أو ورقة بيد إيران، فظننا بهم أنهم أغير على شعيرة الجهاد من أن تدنسها عقائد (الاثنى عشرية) الباطلة.
لكننا نريد التأكيد على المعنى ذاته الذي تحدث عنه الشيخ العلامة يوسف القرضاوي عن هزيمة نظام جمال عبدالناصر الذي طالما تغنى بنصرة القضية الفلسطينية أمام إسرائيل. ففي حديث له عن نكبة (حزيران 1967م) ذكر الشيخ أن منظمة التحرير الفلسطينية بالدوحة استقبلت آلاف الناس الذين وقفوا في طوابير طويلة، يريدون تسجيل أسمائهم في المتطوعين لإنقاذ فلسطين، وكان أكثر هؤلاء حماسا الباكستانيين والأفغانيين حسب حديث الشيخ. ويضيف: "أذكر أننا أقمنا مهرجانا في منظمة التحرير، وكان ممّن تكلم فيه العالم القطري الغيور المعروف الشيخ عبدالله بن إبراهيم الأنصاري، فكان مما قاله للشباب الفلسطيني: اعتصموا بحبل الله، وتمسكوا بالدِّين ينصركم الله على عدوكم. فما كان من بعض الشباب الطائش، إلا أن صاحوا وهتفوا في وجه الشيخ: لا دين إلا السلاح!".
ويعلق الشيخ على هذه الحادثة بالقول: "إن إخراج الدِّين من المعركة هو الذي أضر بهذه القضية أبلغ الضرر، لأننا نجرد أنفسنا من أمضى سلاح يحاول عدونا أن يضربنا به. فهو يستغل الدِّين ويوظفه في تعبئه قواه، وتجنيد رجاله، وهو غير مؤمن به. فكثير من الصهاينة (علمانيون) لا دين لهم، ولكنهم -وإن لم يؤمنوا بالدين- يؤمنون بقوة الدين، وأهمية توظيف الدين في معركتهم".
ويضيف الشيخ القرضاوي: "وكم نادينا قومنا.. إننا يجب أن نحاربهم بمثل السلاح الذي يحاربوننا به، فإذا حاربونا باليهودية، حاربناهم بالإسلام، وإذا قاتلونا بالتوراة، قاتلناهم بالقرآن، وإذا قالوا: التلمود، قلنا: البخاري ومسلم، وإذا قالوا: نعظم السبت، قلنا: نعظم الجمعة، وإذا قالوا: الهيكل، قلنا: المسجد الأقصى. ولا يفل الحديد إلا الحديد، وحديدنا أقوى من حديدهم، لأن ديننا أقوى من دينهم، إذ كيف يكون المنسوخ في قوة الناسخ، وكيف يكون المحرف والمبدل في قوة الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟".
ثُمَّ تحدث الشيخ عن نكسة عام 1967م لنظام جمال عبدالناصر بقوله: لقد "رأى بعضهم في هذه الهزيمة أو النكسة درءا لفتنة عارمة، كادت تخلع الناس من إيمانهم، وتفسد عليهم دينهم، حين استسلموا للطاغوت، وأعرضوا عن الله. وكان الداعية الكبير والمفسر الشهير الشيخ محمد متولي الشعراوي من هؤلاء، الذي نشرت عنه الصحف أنه سجد لله شكرا عندما وقعت الهزيمة! ولم يكن ذلك لأنه يؤيد الصهيونية ويكره وطنه مصر، أو يتمنى له الخذلان، ولكن يبدو أنه رأى الهزيمة المؤقتة لإيقاظ الأمة وردها إلى دينها ومرجعيتها وأصولها خيرا من نصر كاذب يؤدي في النهاية إلى دمار الأمة وهلاكها. فرأى الشيخ في هذه المصيبة نعمة من وجهة أخرى، وهي إذلال الطاغية المفتون بسلطانه، المغرور بقوته، الذي أصبح صنما معبودا لدى الكثيرين؛ فعرفته هذه الهزيمة قدره وألزمته حده فوقف عنده. لقد رأى الشيخ الشعراوي أن تحرير الشعب من الفتنة بالطاغوت أهم من نصر سريع يتحقق في معركة ثم تعقبه مآس لا تنتهي وويلات تجر ويلات إلى ما شاء الله"([35]).
إن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) امتداد طبيعي لحركة (الإخوان المسلمين) على أرض فلسطين التي كانت من أوائل القضايا هدفا للحركة مع نشوئها في عهد المؤسس حسن البنا رحمه الله تعالى، وهي بذلك تمثل صورة حية وناصعة لجهاد المسلمين السُّنة لليهود الغاصبين. فحماس حركة سنية من منظور خلفيتها ومنطلقها وبيئتها الحاضنة. وهذا أمر يلمسه كل من يعرف الحركة عن كثب. ولا جدال أنها حركة جهاد ومقاومة منذ تأسيسها.
وهذه الحقيقة تقابلها أيضا حقيقة أخرى وهي أن حركة الإخوان المسلمين كانت من أوائل الحركات التي استبشرت بقيام الثورة الإسلامية في إيران واتصلت بها، على اعتبار أنها تنتمي للأمة وعقيدتها وأنَّ بالإمكان تجاوز الخلافات المذهبية لتحقيق تلك الشعارات التي أعلنتها الثورة الإسلامية في طهران ومثلت حلما للمستضعفين والمصنفين في خانة العداء لأمريكا وإسرائيل.
وكانت الحركة ولا تزال تقف من الثورة الإسلامية موقفا حياديا في الغالب الأعم، كما أنها لا تعلن بشكل رسمي موقفا صارما من عقائد الثورة المعلنة والقائمة على رؤية مغايرة لعقيدة الأمة والمعبرة عن نظرة تكفيرية لها. وهذا بلا شك يختلف بين التيارات الداخلية للحركة ومواقف بعض الشخصيات فيها.
وحيث أنَّ حركة الإخوان المسلمين وجدت منذ نشوئها حربا ضروسا عليها من قبل الأنظمة العربية القومية منها واليسارية والعلمانية فقد حاولت أن توجد لها سندا في ظل ما عانته من قتل وتعذيب وتشريد ومضايقات أمنية وسياسية ودينية. وبالتالي تواصلت مع أطراف مختلفة وحاولت بناء تحالفات مع قوى محلية ودولية عبر التواصل معها وبناء علاقات بينية.
ولأن إيران كانت تخطط من أجل تثوير المنطقة والعمل على تصدير ثورتها فقد وجدت في هذا التواصل سبيلا لتمرير أفكارها ومبادئها ومخططاتها؛ غير أنَّ ما جرى من حرب تجاه العراق وما أعقب ذلك من تصرفات أيقظ التيار السُّني وجلى طبيعة النظام الإيراني الجديد ورؤيته الإستراتيجية تجاه المنطقة.
هذا الواقع الجديد دفع بحركة الإخوان المسلمين إلى التحفظ (غير المعلن) تجاه إيران مع محاولة الإفادة منها كأي نظام قائم في المنطقة فلم تقطع الصلة به مطلقا ولم تندمج في فكره ورؤيته ومخططه التآمري على الأمة.
أما فيما يتعلق بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) فإن الأمر يختلف؛ فحماس كانت لا تزال تعمل بصمت في فلسطين؛ ونتيجة للحصار عليها عاشت أجواء من الانغلاق والحذر حيث كانت استراتيجيتها تقوم على البناء والتربية وتوسيع قاعدة الانتماء الفكري والحركي إلى صفوفها. وشيئا فشيئا نمت وترعرعت واشتد عودها وأصبحت حركة مقاومة مسلحة، لكنها بلغت الرشد في وقت هرمت فيه الأنظمة العربية وخارت، وحيث أنها تقاتل عدوا محاربا لديه من السلاح ما يفوق كل تصور، حتى أصبحت مكشوفة أمامه إلا من الخونة والعملاء..
فهي بين نارين.. لا تدري (حماس) بأيهما تستجير! أبالأنظمة العربية بما في ذلك السلطة الفلسطينية التي يرأسها عباس([36])؛ أم بإيران التي تقدم لها ما تحتاج علما بأنها ستجني من ورائه ما تريد؟! في حين تبدو الأمة الإسلامية فيه مكبلة بالأوزار والوهن والتفرق وخور العزائم.. إلا بقية باقية من الغيورين على دينهم وأمتهم.
 
(القدس) لنا و(حماس) لنا.. والله بقوته معنا:
يقول محمد باقر خرازي، أمين عام حزب الله الإيراني، الراعي لباقي التنظيمات المماثلة في المنطقة، في تصريح لصحيفة "عصر إيران"، وأعادت نشره وكالة أنباء "أخبار الشيعة" الإيرانية: (ما هي الفائدة التي جنيناها أو سوف نجنيها من دعم الحركات الفلسطينية. فإذا أردنا دعم الفلسطينيين يجب أن نكون متيقنين أن فلسطين ستكون سائرة على مذهب أهل البيت. وإذا لم تكن على مذهب أهل البيت إذن ما الفرق بين إسرائيل وفلسطين. وإلى متى تكون سفرة الشعب الإيراني ممدودةً للغرباء فيما الشعب الإيراني يتأوه جوعًا)!؟
 
أما نحن فيجب أن نقول أننا مع (حماس) وأن على (حماس) هي الأخرى أن تكون معنا فسفينتنا التي تحملنا هي ذاتها السفينة التي لحق بها (آل البيت) و(الصحابة) الكرام وأوصلتهم إلى بر الأمان؛ أما إذا خذلنا (حماس) وتركناها، فلنبكِ على أنفسنا (ضياع نصر لم نحافظ عليه محافظة الرجال).
 

[1] - رئيس مركز الجزيرة العربية للدراسات والبحوث بصنعاء.
 
[2] - أخرجه البخاري ومسلم.
[3] - الأنفال: 46.
[4] - الشرق الأوسط، عدد 10997، في 6/1/2009م.
[5] - العربية، في 8/1/2009م.
[6] - الحياة، في 6/1/2009م.
[7] - النهار اللبنانية، في 4/1/2009م.
[8] - في 29/12/2008م طالب الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله، مقاتليه في جنوب لبنان أن يكونوا متأهبين لاحتمال وقوع هجوم إسرائيلي على لبنان في ضوء ما يحدث من تصعيد إسرائيلي في قطاع غزة! متسائلا حول الأهداف من نصب صواريخ الكاتيوشا بالجنوب قبل بدء الحرب على غزة، ومنتقداً إشارة بعض القوى السياسية اللبنانية إلى حزب الله بأصابع الاتهام. وأضاف: "لسنا في موقع التهمة"، وأن ما جرى "مشبوه من زاوية أخرى"، وأن "وضع هذه الصواريخ ليس تضامناً مع الأخوة في فلسطين، بل لتقديم التبرير لإسرائيل لكي تشن هجوماً على لبنان"! (سي إن إن، في 29/12/2008م).
[9] - الشرق الأوسط، عدد 11000، في 9/1/2009م.
[10]  انظر كتابنا: (حزب الله من النصر إلى القصر).
[11]  العربية، في 8/1/2009م.
[12]  الشرق الأوسط، عدد 11004، في 13/1/2009م.
[13]  وكالة أنباء فارس، في 15/1/2009م.
[14] - العربية، في 3/10/2008م.
[15] - في 8/1/2009م.
[16] - وعتب خامنئي على حكومتي مصر والأردن وهما تحاصران الفلسطينيين، واعتبر الولايات المتحدة الأمريكية -التي شاركت بلاده في دعم احتلالها لأفغانستان والعراق- شريكة في العدوان الإسرائيلي!! (انظر: الجزيرة، في 28/12/2008م).
[17] - سي إن إن، في 12/1/2009م.
[18]  الرياض، عدد 14805، في 5/1/2009م، نقلا عن وكالة أنباء (مهر) الإيرانية شبه الرسمية.
[19]  العربية، في 29/12/2008م.
[20]  العربية، في 6/1/2009م.
[21] حددت الولايات المتحدة الأمريكية جائزة لمن يدلي بأي معلومات تقود لاعتقال أو إعدام زعيم الحزب الإسلامي قلب الدين حكمتيار.
[22]  العربية، في 13/1/2009م.
[23]  من المؤسف أن العرب لم يتخلوا عنها في آخر قمة لهم في الكويت، واكتفوا بالإشارة إلى أنها لن تظل طويلا "فوق الطاولة"!
[24]  الموقف الإسلامي من الدولة الفلسطينية، لقاء مكي، الجزيرة، في 17/7/2005م.
[25]  تشير بعض المصادر إلى أن الإسرائيليين من أصل إيراني يهودي يتجاوزون 200 ألف نسمة، في حين يتجاوز عدد اليهود المقيمين في إيران 25 ألف نسمة.
[26] - انظر: اليهود في إيران، مأمون كيوان، دار بيسان للنشر والتوزيع، بيروت، 2000م.
[27] - عقب انسحاب بريطانيا من فلسطين في 14 مايو 1948م أعلن "ديفيد بن غوريون" في اليوم نفسه قيام دولة إسرائيل وعودة الشعب اليهودي إلى -ما أسماه- أرضه التاريخية.
[28] - ومؤلفه هو الشيخ محمد سرور بن زين العابدين.
[29] - راجع: الخميني شذوذ في العقائد شذوذ في المواقف، سعيد حوى، دار عمار للنشر والتوزيع، عمَّان، ط1/1987م، بتصرف.
[30] - لمؤلفه أحمد اليوسف، اصدار موقع الحقيقة.
[31] - العربية، نقلا عن رويترز، في 6/1/2009م.
[32] - بي بي سي، في 1/2/2009م.
[33] - بي بي سي، في 29/1/2009م.
[34] - رويترز، في 31/12/2008م.
[35]  القرضاوي سيرة ومسيرة، موقع إسلام أون لاين، الحلقة الخامسة، في 26/12/2008م.
[36]  الذي رفض التجاوب مع نداءات المنظمات الحقوقية لرفع دعوى قضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد القادة السياسيين والعسكريين للاحتلال الإسرائيلي بتهمة ارتكاب جرائم حرب في حق الشعب الفلسطيني، كونه "المخول الأول" برفع أي قضية من هذا النوع حسب لوائح المحكمة الجنائية الدولية "التي لن تنظر في القضية دون موافقته". وقد شكلت أكثر من ثلاثين جمعية مدنية وحقوقية فرنسية جبهة لرفع دعوى لدى المحكمة الجنائية الدولية بهذا الشأن. وقد أكد محامون نرويجيون أنهم ناشدوا عباس التقدم بشكوى ضد إسرائيل، مبدين استياءهم من عدم تعاون عباس قائلين: إنه رفض الحديث معهم أو إعطاءهم فرصة للتنسيق من أجل رفع القضية أمام الجنائية الدولية. وقال عضو باللجنة المذكورة: إن احتمال أن تصل هذه القضية إلى القضاء الدولي هو بيد الرئيس عباس؛ مؤكدا أن اللجنة بعثت له العديد من الرسائل تطلب منه أن يقدم شكوى إلى المدعي العام بالمحكمة الدولية، لكنها لم تتلق منه ردا. الجزيرة، في 13/1/2009م.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: