التشيع الطائفي
الأحد 22 مارس 2009
التشيع الطائفي
وكيف يستغل الدولة الوطنية وشعاراتها للتمدد في مناطق السنة
د. طه الدليمي[1]
 
في نيسان الماضي كنت في مجلس ضم نخباً كثيرة: عراقية وعربية. كان أحد الأشخاص العراقيين المعروفين يتحدث بحماس عن الأخوة السنية الشيعية، والشيعة العرب ولا فرق بين سني وشيعي، والبلد الواحد، والوشائج والمصاهرات والدين الذي يشد الجميع بحبله المتين. قلت له: حضرة الشيخ! يذكر المؤرخون أن بغداد تعرضت منذ تأسيسها على يد المنصور حتى الآن إلى (16) احتلالاً، أي بمعدل احتلال واحد كل (80) سنة. وإذا كانت معركة الشيعة معنا في الاحتلال الأخير دارت في العاصمة بغداد، ووصلت أطرافها إلى الفلوجة: فإننا - إذا بقينا على هذا التثقيف - سنصحو على الشيعة عند الاحتلال القادم أو قبله بعد أقل من خمسين سنة - لا سمح الله - وهم يقاتلوننا في الفلوجة والأنبار.
وإلى من يستغرب مني هذه اللهجة (الطائفية) والرؤية (التشاؤمية) الحقيقة التالية:
كل الدول ذات التنوع الأثني (دينياً أو عرقياً أو غيره) يقوم كيانها على أساس العقد الوطني، الذي يعلو على هذه المكونات الاجتماعية، التي لا تكاد تخلو منها دولة في العالم في العصر القديم والحديث. وعلى هذا الأساس قامت الدولة الحديثة في العراق سنة 1921. يمكننا القول إن الحكومات المتعاقبة على حكم هذه الدولة كانت في غالبها ذات انتماء سني: فالملوك الذين حكموا من سنة (1921-1958) كانوا من أهل السنة، ورؤساء الوزارات الذين تداولوا السلطة في تلك الفترة أكثرهم كذلك. والثورة التي قلبت النظام من ملكي إلى جمهوري قادتها سنة، وهكذا دولة البعث - التي استلمت زمام الحكم (35) سنة - حكمها رئيسان كلاهما سني من تكريت في غربي العراق.
والسؤال الذي أريد طرحه هنا: ما الذي حصل على صعيد ديموغرافية العراق فيما يخص الطائفتين: السنية والشيعية في هذه الحقبة (السنية) التي امتدت (80) سنة؟
دولة (سنية) وطنية وتمدد شيعي طائفي..!!!
لنأخذ العاصمة بغداد، والبصرة ميناء العراق مثالين على ما أقول. في سنة (1921) كانت بغداد مدينة سنية بامتياز لا تزيد نسبة الشيعة فيها إلى السنة على (10%)، أو أقل من ذلك. وكذلك كانت البصرة. وانتهت هذه الدولة الوطنية (السنية) في سنة (2003) - أي بعد اثنتين وثمانين سنة - فما الذي طرأ على هذه النسبة؟ هل تغيرت؟ أم بقيت ثابتة؟ وإذا تغيرت فلصالح مَن: أهل السنة أم الشيعة؟ طبيعة الأمور تقضي بأن النسبة إما أن تبقى كما هي، أو تتغير ولكن لصالح السنة؛ على اعتبار أن انتماء الدولة في هذه الحقبة كان سنياً. لكن المفاجأة أن الحاصل هو العكس!!! العكس تماماً وبفرق كمي ونوعي خطير!
أما بغداد فقد تعرضت إلى موجات متلاحقة كبيرة من هجرة أهل الجنوب سيما في بداية عهد الجمهورية، واستمرت هذه الهجرة بشتى الأشكال والأسباب دون أن يحس بخطورتها أحد - إلا القليل الذي لا تأثير له -  أو يعترض، أو يحاول إيقافها. كيف؟! والشعب العراقي شعب واحد لا دين يفرقه، ولا مذهب يميزه. ما الفرق بين سني وشيعي؟ أليس الدين واحداً؟ والدم واحداً؟ حتى وصلت نسبة الشيعة في العاصمة نهاية المطاف إلى قريب من (40%)!!! هذا بالمقياس الكمي. أما بالمقياس النوعي فبغداد تحولت إلى مدينة شيعية فيها طائفة سنية مغلوبة على أمرها، ذبح أهلها أمام الكاميرات والفضائيات دون أن يغيثهم أحد. المضحك المبكي أن سكينة الذبح تجز من رؤوسهم في كل يوم مئة أو مئتين وأكثر وأقل، وتجتث عوائل بكاملها، وتهدم بيوت ومساجد حتى لم يعد سني يستجرئ على أن يراجع مستشفى حكومي وإلا كان مصيره الذبح: ومع هذا تتعالى أصوات من هنا وهناك أنه لا فرق بين الشيعي الجلاد الذي يجزر في وضح النهار، وبين السني الضحية التي تنحر ولا من دمعة يسكب عليها! 
وأما البصرة فقد زادت نسبة الشيعة فيها حتى تجاوزت الـ(60%)! أحد أقضيتها مدينة الزبير على الحدود مع الكويت الشقيق، التي كانت إلى سنة (1970) سنية صافية بنسبة (100%) زرتها سنة (1997) فوجدت أهلها يتحدثون عن أن نسبة الشيعة فيها تجاوزت الثلث! ولا أدري إلى أين وصلت الآن؟ سوى أن أهل السنة في البصرة تعرضوا بعد الاحتلال إلى موجة اجتثاث كادت تأتي عليهم وسط صمت العالم من حولهم، وتحت شعار (إخوان سنة وشيعة وهذا الوطن ما نبيعه). نعم! لأن المباع لا يباع مرتين.
هذا كله جرى ووقع وصار حقيقة ماثلة تحت ظل الدولة الوطنية، وأمام عيون مسؤوليها السنة، الذين لم يترك لهم العقد الوطني وشعاراته من وصف السنة والشعور بالذات إلا انتماء ظاهري مهين لا يكاد يعبر عن نفسه أو يبين!
 
التزام بالعقد من طرف واحد
لقد حافظ حكام الدولة على مستحقات العقد الوطني الذي جرى التصالح عليه أساساً للعلاقة التي تربط مكونات الشعب ببعضها، ولم يكن هناك أي قانون أو تشريع يميز طائفة على أخرى. وكان مسؤولو الدولة التي أدركناها يتطيرون من أي إشارة إلى أن هذا من طائفة كذا وهذا من طائفة كذا، ويرددون دائماً: شعبنا واحد لا فرق بين عراقي وعراقي. ومن تكلم فجرى على لسانه في حضرة مسؤول كلمة "شيعي" أو "سني" قوبل بالاعتراض والاستهجان. هذا واقع عشناه ولمسناه. وإذا تجرأ أحدنا وحاول أن يشخص بعض الظواهر التي لا يمكن فصل نسبتها عن الطائفة الأخرى فلا يمكنه أن يتحدث عنها إلا تحت عناوين أخرى مثل "الشعوبية" وما شابهها.
بينما في الجانب الآخر كانت القيادات الشيعية: السياسية والدينية وغيرها في الوقت الذي ترفع شعار الوطن والمواطنة، لا تتعامل معه إلا على اعتباره ستاراً تنفذ تحت ظله ومن خلاله أهدافاً طائفية بحتة، وتستغل كل فرصة للتمدد والتغيير ومحاصرة وتهميش أهل السنة.
لم يلتزم بالعقد الوطني حقيقة وجدياً إلا من جانب واحد هو الجانب السني، الذي تغلبت عليه العلمانية بحيث قضت على أي شعور أو إحساس بالذات، وكان المسؤول السني يعمل للجميع. أما الجانب الشيعي فلم يلتزم بشروط العقد، كان الإحساس الحاد بالذات، والشعور بالمظلومية والأقلوية يمنعه من ذلك، ويدفعه - في الوقت نفسه - للعمل بكل ما أوتي من قوة من أجل الطائفة. فكان المسؤول الشيعي يعمل لطائفته. والذي يعترض يتهم بالطائفية من الجميع. ولقد استشرى هذا الخلل في المجتمع العراقي حتى وصل بنا الحال إلى المعادلة الظالمة التالية التي عشناها ولمسناها في السنين الأخيرة لدولة البعث المحسوبة على أهل السنة:
الشيعي يصير مسؤولاً ليخدم الشيعة، والسني يخدم الشيعة ليصير مسؤولاً..!!!
وهكذا فقدنا بغداد والبصرة، ومناطق عديدة أخرى.
 
نحن في مرحلة الحرب الناعمة
إن هذا التغير الديمغرافي الذي تم لصالح الشيعة في ظل الدولة الوطنية هو الذي جعلهم يشعرون بالقوة بعد الاحتلال، ويعتقدون أن البقية الباقية من أهل السنة يمكن القضاء عليها بواسطة الذبح والتهميش والتهجير، فشنوا حملتهم المعروفة حتى كادوا يصلون بها إلى هذا الهدف الخطير. لكنهم بعد خمس سنين توصلوا إلى أن أهل السنة قوم أولو بأس شديد، وذوو عنفوان وشدة ومراس، يستعصون به على الذوبان، ولا يمكن قهرهم بالقوة؛ فصاروا يغيرون من أسلوبهم، ليتحولوا إلى اتباع أسلوب آخر أخطر على المدى البعيد، يمكن تسميته بأسلوب (الحرب الناعمة). خطورة هذا الأسلوب تكمن في أن أهل السنة - كعرب تغلب عليهم الطبيعة والأريحية العربية - من الصعب أن تنتزع منهم شيئاً عن طريق التحدي والمحاولة المكشوفة، لكن المشكلة أنك تستطيع أن تسلب ماء عيونهم بكلمة. هذا ما اكتشفته القيادات الشيعية بعد خمس سنين من الفشل المتكرر والخسائر الجسيمة.
أيها القوم! إننا في مرحلة الكلمة السالبة، وهي أخطر أسلوب يتهدد كياننا، إنها الحرب الناعمة التي يخوضها الشيعي بكل قواه، في الوقت الذي ينام فيها السني على ظهره مسلماً إياه! فماذا تتوقعون النتيجة أن تكون؟ لا في ثمانين السنة القادمة، بل في ما هو دون ذلك بكثير! فالشيعة في ظل الحكومة الوطنية (السنية) انتزعوا منا بغداد والبصرة، فماذا سينتزعون منا في ظل حكومتهم الشيعية القائمة، والتي حتى لو افترضنا أن حكومات (سنية) ستتولى الوزارة مستقبلاً فإنها لن تعمل شيئاً لأسباب منها تمدد التشيع وتغلغله في كل شرايين الدولة بحيث أن المسؤول سيكون محاطاً بكادر من المرؤوسين الشيعة يقيدونه ولا يدعونه يصل حتى إلى أهدافه المرسومة طبقاً للعقد الوطني.
لقد بدأت بوادر هذه المرحلة الخطرة في الظهور، والذي يعرف ما يجري اليوم في سامراء يدرك ما أقول. بل الفلوجة نفسها اليوم - ومناطق عديدة من الأنبار - تتعرض إلى حرب شيعية ناعمة، إذا استمرت السنين العشر القادمة دون تصدٍّ أو علاج، فإن خطراً كبيراً يتهدد أهل السنة في العراق. وما يحدث في السعودية من تمدد شيعي يتوسع باستمرار شاهد آخر لما أقول.  
ستشهد المرحلة القادمة في العراق تواضعاً وطنياً بين السنة والشيعة يكسب فيه أهل السنة سياسياً، ويحققون خطوات متقدمة في هذا المجال، وربما وصلوا إلى رئاسة الوزارة، ما يعطي سياسيي السنة انطباعاً وشعوراً متضخماً بأن الشيعة يمكن التفاهم معهم، وأن المواطنة أساس مشترك جيد للتعايش بين الطرفين. كل هذا - وما هو أكثر - ممكن وورارد، لكن نقطة الخطر غير المحسوسة، أو التي سيغضون الطرف عنها من أجل هذه المكاسب هي أن التشيع الطائفي سيظل يكسب تحت هذه المظلة مواقع متقدمة باستمرار، وهي خطيرة جداً هذه المرة؛ لأنها ستتجاوز العاصمة بغداد إلى قلب المناطق السنية في غرب وشمال العراق.
لا تنظروا إلى التشيع السياسي وشعاراته الوطنية؛ فقد يكون ناعماً، ويبدو متساهلاً ومتفاهماً، ولكن انظروا إلى داخله وما يحمله في باطنه من جنين التشيع الطائفي، الذي ينمو في ظله، وتحت جناحه، ولا يرى ولا يخرج إلى العلن حتى يكون شاباً مفتول العضل، بيده سكين لا تبقي ولا تذر، وهنا مكمن الخطورة القاتلة، كما سبق له أن ولد هذه الولادة المشؤومة يوم احتلت بغداد، فإذا بالتشيع السياسي ينفرج عن هذا المولود الخبيث بكامل قوته وعدته وعتاده، وقصته معلومة للجميع؛ فلا تدعوها تتكرر مرة أخرى، وسنن الكون لا ترحم المغفلين، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.
لا مفر لنا إذن من أحد أمرين: إما أن يكون الالتزام بشروط العقد الوطني واقعاً من الطرفين، وإما أن نقابل الطرف الآخر بالمثل، فنقوي كياننا كأهل سنة كما هم يقوون كيانهم كشيعة. حتى لا تكون معركة الشيعة القادمة معنا في قلب الفلوجة والأنبار، وحتى لا يكون مصير أولادنا وجيلنا القادم الذبح بطريقة أشد وأبشع مما ذبحنا؛ فإن العمل جارٍ على قدم وساق لنذبح في السنين القادمة على هذا الأساس.
 
 

[1]- كاتب عراقي، ومشرف موقع القادسية.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: