ضمانات مهمة في العلاقات العربية الإيرانية لا تستطيع واشنطن تقديمها..!!
مكرم محمد عبيد - الاهرام المصرية 9/5/2009 ( باختصار)
لا أعرف ما هي الضمانات الأمريكية التي قدمتها الولايات المتحدة لكل من القاهرة والرياض خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس تأكيدا علي أن التقارب الأمريكي ـ الايراني لن يمس المصالح الحيوية والأمنية للعالم العربي, ولن يطلق يد طهران كي تلعب مرة أخري دور الشرطي في منطقة الخليج, وبرغم أهمية هذه الخطوة الأمريكية فربما يكون من المفيد ألا يركن العرب لهذه الضمانات, وتأخذهم الثقة المفرطة في أن الآخرين يمكن أن يقوموا عنهم بمهمة أساسية تتعلق بالأمن العربي, يحسن بل يجب أن يتحملوا بأنفسهم مسئوليتها ليس فقط بسبب سوابق عديدة هزت الثقة في الموقف الأمريكي الذي تسبب في هذا الخلل الخطير في توازن القوي الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط والخليج الذي عزز قدرات طهران وأغراها علي النزوع إلي الهيمنة الفارسية مرة أخري, ولكن لأن العرب يملكون أدوات قوة عديدة ربما تكون أكثر تأثيرا في الموقف الايراني لو أحسنوا استخدامها, كما يدخل في نطاق مسئوليتهم وليس مسئولية غيرهم ملء فراغ القوة الذي تسارع إيران إلي استثماره لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة لصالحها, وتقليم قدرتها علي استثمار عوامل الضعف داخل الكيان العربي, وبينها العامل الشيعي الذي تعتبره طهران أهم قدراتها الاستراتيجية في المنطقة.
ولا أظن أن الضمانات الأمريكية التي حملها وزير الدفاع الأمريكي يمكن أن تغني وتكون بديلا عن حوار جاد ومباشر مع طهران ينهض بمسئولية العرب في الوقت المناسب, يحدد مناطق الاختلاف ومناطق الاتفاق في المصالح الايرانية العربية انطلاقا من رؤية عربية مشتركة يتفق العرب علي خطوطها الأساسية.
وتخلص أهم أهداف الحوار المباشر مع طهران في تعزيز أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط والخليج, ودفع التسوية العادلة للصراع العربي ـ الاسرائيلي إلي نهاياتها الصحيحة بقيام دولة فلسطينية مستقلة إلي جوار إسرائيل علي أرض الضفة والقطاع, عاصمتها القدس الشرقية, وتنظيم الجهد العربي الايراني لجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية مادامت ايران تؤكد كل يوم أن برنامجها النووي برنامج سلمي لايستهدف صنع سلاح القوي, ووقف كل صور الاستفزازات الايرانية لدول الخليج التي تعكر صفو استقرار المنطقة والنأي عن استخدام العامل الشيعي لإضعاف الجهات الداخلية لدول المنطقة قبل أن يشتعل أوار الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة وتجد المنطقة نفسها بما في ذلك إيران في مواجهة حريق ضخم يصعب حصار آثاره ونتائجه.
وما يثير الدهشة في قضية الصراع العربي ـ الايراني أن يسعي البعض إلي قلب حقائق الصورة واتهام العرب بالعداء المسبق لطهران وإهدار عوامل الجيرة والأخوة الدينية والمصالح العديدة المشتركة بين الجانبين في وقت ينبغي أن تتكتل فيه كل الجهود لمواجهة العدوان الاسرائيلي المستمر علي الحق الفلسطيني, علي حين تؤكد الوقائع, أن العرب لم يبادروا إيران بالعداء ولم يصطنعوا لأنفسهم عدوا بديلا عن اسرائيل, كما يردد البعض, ولم يحدث منذ الحرب العراقية ـ الايرانية أن حاولت أي دولة عربية التدخل في الشأن الايراني, علي العكس حاول العرب جهدهم الحفاظ علي علاقات حسن الجوار مع ايران باعتبارها دولة مسلمة ترتبط بعلاقات جوار لصيق ومصالح ضخمة مع سبع دول عربية هي العراق ودول الخليج الست, كما أكد العرب مرارا وتكرارا اعترافهم بأن لإيران مصالح مشروعة في منطقة الشرق الأوسط والخليج ينبغي احترامها, وأن هناك مساحة واسعة من المصالح المشتركة المتعلقة بالبترول والتجارة الدولية وتنظيم العلاقات بين الدول المنتجة والدول المستهلكة للطاقة, والمرور عبر المضايق التي تربط بين العرب والفرس, وأظن أنه من قبيل القول المعاد إثباتا لحسن النيات العربية تأكيد العرب المستمر علي رفض استخدام القوة حلا للملف النووي الإيراني منذ بزوغ الأزمة وحتي اليوم.
لم يفكر العرب يوما في استخدام قضية عرب الأهواز الذين لايتمتعون بأي من حقوق المواطنة داخل إيران للمساس بأمن طهران, ولم يسعوا للتشهير بإيران التي أصدرت في غضون محاكمة سريعة لم تستغرف24 ساعة أحكاما بالإعدام علي35 من الأهواز العرب لمجرد الشكوك في ولائهم, ولم يعترض العرب علي خطط إيران التي تعمل لتهجير سكان قري الأهواز إلي داخل إيران بعيدا عن مناطق التخوم العربية,
كما اعتبر العرب ذلك شأنا إيرانيا داخليا لايجوز التدخل فيه, ولم يحاولوا إستثمار علاقاتهم الطائفية بأكثر من20 مليون مسلم سني يعيشون داخل إيران مواطنين من الدرجة الثانية, لايحق لهم الحصول علي أي من المناصب المهمة, ولايجوز أن يبرز من بينهم وزير أو حاكم إقليم أو ضابط كبير, يعيش معظمهم تحت خط الفقر ويعانون أسوأ صور التمييز العرقي والطائفي, علي عكس ما تفعل ايران مع عدد من دول الخليج, لم تكف طهران عن تهديدها والتدخل في شئونها الداخلية بصورة تكاد تكون يومية, خصوصا دولة البحرين إلي حد جعل من العلاقات الايرانية ـ البحرينية حالة خاصة, يتابعها المهتمون بأمن الخليج تحت اسم الحالة البحرينية التي تكشف عن نموذج غاية في السوء لعلاقات إيران بدولة عربية جارة مسالمة, تقوم علي الغموض والاستعلاء وعدم التفهم وإنكار عروبتها وتهديد وحدتها الداخلية, وتتبني إزاءها سياسات متنافرة غير صديقة تجعل علاقات البلدين في حالة أزمة مستمرة دون مبرر موضوعي بسبب حرص إيران المتواصل علي تصدير مفاهيم الثورة الاسلامية إلي البحرين, وتشجيع بعض فرق الشيعة الداخلية علي تبني أفكار ولاية الفقيه بديلا عن نظام حكم ديموقراطي يسعي إلى تحسين صورة الحياة في البحرين, إضافة إلي تصدير العنف إلي المملكة بصورة منتظمة, حتي انه لا تكاد تغيب شمس يوم الجمعة من كل أسبوع دون أن يقع نوع من الإخلال بالأمن, يتمثل في صدام مفتعل مع الشرطة وإشعال إطارات السيارات وسط الشوارع, والقيام بعمليات تخريب صغيرة يتم فيها استخدام متفجرات محلية الصنع, تقوم بها بعض التنظيمات غير الشرعية الخارجة عن سياق التيار الوطني العام التي تنحاز لطهران وتنتصر لأفكار ولاية الفقيه.
وغالبا ما يعزز هذا الشغب المحلي بين الحين والآخر تصريحات إيرانية غير مسئولة, تصدر عن شخوص مهمة في النظام الإيراني, أبرزهم ناطق نوري, كبير مستشاري مرشد الثورة علي خامئني ورئيس مجلس النواب السابق, الذي لم يتورع عن وصف البحرين في ذكري انتصار الثورة الايرانية الأخيرة بأنها الأقليم الرابع عشر من دولة إيران, ومن قبله تصريحات عضو البرلمان الايراني داريوس فنيري في حضور وزير خارجية ايران أثناء اجتماعات لجنة الأمن التي أعلن فيها داريوس أن غالبية سكان البحرين سوف يختارون الانضمام إلي إيران إذا تم استفتاؤهم الآن, برغم أن أجداد البحرانيين حسموا خيارهم عام1970 عقب الاستقلال عندما قرروا عروبة انتماء البحرين, التي لم تكن أبدا موضع شكوك أو تساؤل منذ أن سكنت قبائل قضاعة وعبدالقيس العربية هذا الإقليم الممتد مابين ساحل الخليج الغربي في المنطقة الواقعة بين البصرة وساحل عمان قبل أكثر من ألفي عام.
يحدث ذلك برغم أن البحرين دولة مستقلة عضو في الجامعة العربية وعضو في الأمم المتحدة, ترتبط بعلاقات دبلوماسية مع طهران, وبرغم أن البحرين لم تحاول يوما أن تمس طرفا لإيران, التي لا تتورع عن استخدام بعض فرق الشيعة الخارجة عن السياق الوطني لتمرير مخططاتها. التي يبدو أن من صالحها دفع دول الخليج إلي تعزيز أمنها الوطني عن طريق تأكيد تحالفها مع الولايات المتحدة وإسقاط كل المحظورات أمام توثيق علاقاتها مع اسرائيل, دفاعا عن أمنهم الوطني ضد محاولات الهيمنة الفارسية التي تسعي لاستغلال العامل الشيعي في إثارة القلاقل وعدم الاستقرار في المنطقة فيما أصبح يسمي بالحالة البحرينية.
ويعني مصطلح الحالة البحرينية سعي طهران الدائم إلي تمديد نفوذها في دول الخليج والعمل علي تغيير هويتها العربية عبر ما يسميه البعض القوة الناعمة اعتمادا علي علاقاتنا الثقافية والروحية والسياسية مع بعض الحركات الشيعية في المنطقة التي تتبني فكر ولاية الفقيه وبرغم أن هذا التوجه الذي استمر منذ بدأت طهران تصدير مفاهيم ثورتها عقب حكم خامنئي لا يزال مستمرا حتي اليوم باعتراف مرشد الثورة علي خامنئي, الا أن التغيير المهم الذي وقع في العراق عقب سقوط حكم صدام حسين حقق فائدة استراتيجية كبري لإيران, مكنها من أن تصبح أكبر الأطراف تأثيرا في المنطقة اعتمادا علي علاقاتها الوثيقة مع شيعة العراق التي أصبحت مصدر نفوذ طبيعي ضخم لطهران يفوق النفوذ الأمريكي, أحال إيران إلي قوة ضخمة تسعي لاستثمار العامل الشيعي في المنطقة لتغيير معادلة السلطة الوطنية داخل الدول الخليجية وتغيير موازين القوي في كل منطقة الخليج.
وفي سياق هذا التوتر المتصاعد, تكبر الأزمة الطائفية وتزداد خطورتها, لأن الرؤية الاستراتيجية لعلاقة طهران بشيعة الدول العربية تظهرهم وكأنهم علي استعداد للتخلي عن مصالح أوطانهم في سبيل إرضاء النزعة الفارسية للسيطرة علي دول الخليج, والأكثر خطرا من ذلك ما يمكن أن يترتب علي إفراط إيران في استخدام العامل الشيعي من زيادة شكوك الدول العربية في حقيقة انتماء سكانها من الشيعة, وحرمانهم من بعض الوظائف المتعلقة بالأمن والادارة العليا.., ولولا أن أغلبية شيعة الخليج لاتزال تساند إنتماءها العربي لاشتعلت حرائق الفتنة الطائفية بين الشيعة والسنة علي نحو لا يقدر أحد علي حصار آثاره ونتائجه!
وأظن أن هذا هو مكمن الخطر القادم خصوصا بعد أحداث فتنة العراق, الذي يحتاج الي رؤية عربية عاقلة تحفظ لشيعة العرب كل حقوق المواطنة, وتحميهم من تدخلات فارس التي لاتزال تصر علي تصدير نزعة الهيمنة واستعداء شيعة العرب علي دولهم ونظمهم في الوقت الذي تحرم فيه سنة إيران الذين يتجاوز عددهم20 مليون نسمة في البلوش والأهواز من أبسط حقوق المواطنة!
والأمر المؤكد أن تجاوز عوامل الفتنة الطائفية والعمل علي حصارها وتصفية آثارها يدخل ضمن المهام المحض عربية, التي لا تستطيع الضمانات الأمريكية التي جاء بها وزير الدفاع الأمريكي أن تفعل إزاءها شيئا, خصوصا أن الأمريكيين هم الذين ابتدعوا هذه الفتنة, وأطلقوا أفكارها في إطار خطتهم الشيطانية لتفكيك دولة العراق وليس مجرد التخلص من نظام صدام حسين, وما يحدث في العراق الآن من تجدد أحداث العنف ومحاولة بعث الفتنة الطائفية من جديد, يؤكد أنه ما من حل حقيقي يضمن أمن العراق واستقراره سوي تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة, ونبذ الطائفية التي دمرت نسيج الوطن الواحد, لأن العراقيين قبل الغزو الأمريكي للعراق لم يكونوا يعرفون التمييز بين السنة والشيعة, الذين كانوا يتجاورون ويتصاهرون ويعيشون معا في أحياء سكنية واحدة دون أية مشاكل.