العرب وإيران: الجيرة الصعبة
عبدالله خليفة الشايجي- الاتحاد الاماراتية 03/05/ 2009 ( باختصار)
استكمالا لمقالتي السابقة التي حملت عنوان: "إيران والعرب صداقة أم خصومة؟"، أتطرق الآن إلى المشهد العربي الإيراني. حيث تسعى إيران على الدوام بعقلية تاجر "البازار" الشاطر الذي يستغل ويوظف كل فرصة سانحة في المنطقة سواء بسبب أخطاء وتخبط واشنطن أو بسبب ضعف وعدم قدرة العرب على تشكيل وصوغ موقف واستراتيجية متماسكة على تسخير تلك الفرص إلى عامل قوة تستغلها طهران لزيادة أوراق قوتها وتعزيز رصيدها وتمكينها من الإمساك بمفاصل القضايا الرئيسية في المنطقة لتقايض وتساوم عليها.
ومن خلال تلك المواقف، تكسب إيران التعاطف الشعبي العربي والإسلامي. وتبرز بردائها الإسلامي لتقود محور "المقاومة والممانعة".
ماذا ننتظر كعرب حتى نتحول إلى رقم صعب في معادلة الأمن الإقليمي ونوقف تدخل وتكسب الآخرين جميعاً من قوى إقليمية على حسابنا وفي مناطق نفوذنا؟
ولكن إيران في سعيها إلى أن تصبح الدولة المحورية في المنطقة، ومن خلال ما تراه من فرصة مواتية بغياب إدارة بوش الأيديولوجية ومجيء إدارة أوباما الواقعية البراجماتية، التي تنهج الانفتاح على خصوم واشنطن مثل إيران وكوبا وفنزويلا، تحاول توظيف تلك المقاربة الأميركية الجديدة، لتجعل منها فرصة يجب أن تخرج منها بربح، وذلك رغم وصف التقرير السنوي للخارجية الأميركية إيران بأنها "الدولة الأكثر رعاية للإرهاب" في العالم. وأشار التقرير إلى دعم إيران لـ"حزب الله" و"حماس" وللمتطرفين في العراق ولـ"طالبان" في أفغانستان.
لا شك أن العلاقة بين إيران والعرب، كانت وتبقى علاقة مأزومة يعتريها الكثير من التنافس والشك وبحاجة إلى الكثير من عوامل الثقة. خاصة في السنوات القليلة الماضية من رئاسة نجاد والدور الإيراني المتعاظم في المنطقة.
وتكتسب تلك السياسة زخماً أكبر في ظل المتغيرات العالمية والإقليمية مثل حاجة واشنطن لدور إيراني بناء لتسهيل الانسحاب العسكري الأميركي من العراق، ولتلعب دوراً بناءً في أفغانستان، وحتى للسماح لقوات حلف شمال الأطلسي باستخدام الأراضي الإيرانية لنقل العتاد العسكري إلى أفغانستان. وهناك الدور الإيراني في الخليج ولبنان وغزة. وهكذا تسعى إيران للاستئثار الإقليمي، و"لملء الفراغ" الاستراتيجي وصولا بالمطالبة بإدارة العالم والظهور، كما لو كانت المدافع الأول عن القضايا الإسلامية والقدس و"المقاومة". طهران تهدف إلى إحراج الحكومات والأنظمة العربية المعتدلة، والتي تنتهج سياسات مغايرة للأسلوب الإيراني، الذي يسير في اتجاه تحقيق الأهداف التي تقلق أغلبية العرب، سواء الدور الإيراني في العراق وفلسطين ولبنان والتدخل في الشؤون العربية، والإساءة إلى أمن واستقرار العديد من الدول والمجتمعات العربية.
تبقى العلاقة بين العرب وإيران، علاقة مأزومة كما كانت عبر التاريخ. وبدلا من تطور هذه العلاقة لتصبح علاقة استراتيجية وموئلا للتعاون والتنسيق والتكامل الاستراتيجي والأمني والعسكري والتجاري، لتشكل عمقاً للعرب لنستقوي بإيران وتستقوي بنا بسبب رابطة الدين والتاريخ وحقائق الجغرافيا والاستراتيجية. نرى أنفسنا للأسف نتخندق ويغلب على علاقتنا الشك والريبة، وتسعى إيران، كما لو كانت الدولة المركزية الواحدة بمشروع وأهداف وخطط واستثمارات ودعم للقضايا العربية، لتبدو كأنها قادرة أكثر من العرب الذين يفتقدون لموقف عربي جامع- بعكس الموقف الإيراني الواحد- إلى التأثير في الداخل العربي، دون أن ينجح العرب ليس في وقف ذلك، ولكن يعجزوا مجتمعين على التأثير أو التدخل في الشأن الإيراني لإرساء علاقة متكافئة ندية بين الطرفين.
من المفيد أن نشير هنا إلى أن النظام الإيراني الذي يتحضر خلال هذه الآونة لانتخابات رئاسية مهمة في يونيو القادم، هو نظام بالرغم من طابعه الأيديولوجي، إلا أنه نظام فيه الكثير من البراجماتية. وهناك أمثلة عديدة على نمط سلوط النظام الإيراني عندما تصطدم الزيديولوجية بالاستراتيجية، فإن الاستراتيجية المرتكزة على المصالح تكسب. وقد لمح منظّر النظام الإيراني والشخصية الأكثر حنكة فيه علي رفسنجاني إلى أهمية المرونة في الأيديولوجية حتى لا تشكل الآخيرة خطراً على الدولة "وضع الدولة في مرمى الخطر تحت ذريعة مبادئ الشريعة الإسلامية ليس إسلامياً" كما أعلن رفسنجاني. وهذا ما لمح له أحد المشاركين الإيرانيين الإصلاحيين في برنامج تلفزيوني شاركت فيه الأسبوع الماضي عن العلاقة بين إيران والعرب عندما أعلن أن دعم إيران لـ"حزب الله" و"حماس" ليس نابعاً من أيديولوجية، بل يمكن التفاوض حوله وحتى المقايضة في المستقبل! وهذا هو الموقف الإيراني الذي لا تجهر به طهران. خذ فضيحة "إيران- جيت"، التي أظهرت التعاون الإيراني مع إدارة ريجان في الحرب ضد صدام. وقبله الصفقة مع ريجان وإطلاق سراح الدبلوماسيين الأميركيين الرهائن. وهناك الدور والتنسيق الإيراني- الأميركي في العراق وأفغانستان. ويُضاف إلى ذلك الصمت الإيراني على وحشية الروس ضد المسلمين الشيشان. وهناك الجزر الإماراتية المحتلة التي تذكرنا إيران على الدوام وآخرها قبل أيام بأنها "ستبقى إلى الأبد جزءا لا يتجزأ من الأراضي الإيرانية". والتقليل من شأن الاحتلال بوصفه أنه "سوء تفاهم بسيط سيتم حله عبر المفاوضات الثنائية"، لاسيما وأن الإمارات تطالب منذ أكثر من ثلاثة عقود بإنهاء الاحتلال الإيراني للجزر، دون استجابة من طهران.
كان ملفتاً خلال أسبوع توجيه تحذيرات وانتقادات من رئيس أكبر دولة عربية، الرئيس حسني مبارك في مناسبتين مختلفتين لإيران، دون أن يسميها وذلك بعد اكتشاف خلية "حزب الله" في مصر، حيث اتهم مبارك "قوى إقليمية" تعادي السلام وتدفع المنطقة إلى حافة الهاوية، وتحاول الإضرار بمصر وأمن المنطقة وبالمصالح والقضايا العربية وتسعى لبسط نفوذها وأجندتها على عالمنا العربي، واتهم تلك القوى باحتضان الإرهاب والتطرف والمجاهرة بعدائها للسلام.
وأتهم مبارك تلك القوى الإقليمية بالمتاجرة بالقضية الفلسطينية وتحقيق مكاسب سياسية وتأليب الفلسطينيين لإراقة دماء بعضهم البعض. وتغذية الخلافات على الساحتين العربية والفلسطينية... ونبه إلى "أننا واعون لمخططاتكم وسنكشف تآمركم ونرد كيدكم في نحوركم ."
هذا هو موقف الدولة الأكبر في العالم العربي المستهدفة من تلك القوى الإقليمية، التي بمجملها غير عربية. فماذا عن الدول العربية الأخرى وخاصة الصغيرة ومتوسطة الحجم؟ وأختم بالتساؤل كما تساءلت على الدوام: ماذا ننتظر كعرب حتى نتحول إلى رقم صعب في معادلة الأمن الإقليمي ونوقف تدخل وتكسب الآخرين جميعاً من قوى إقليمية ودولية على حسابنا وفي مناطق نفوذنا وفي مسرح عملياتنا؟ وإلى متى تبقى سياستنا ردات فعل دون مبادرات وبرنامج ومشروع جامع مانع؟