د.أحمد نوفل – السبيل 2009/9/27 ( باختصار)
مسلسل يوسف أنتجته إيران وعرضه تلفزيون المنار، فهل نجيز تشخيص الأنبياء؟ وهل لمصلحة العقيدة وحسن التصور أن نشخص وهل نقرب المثل الأعلى من أذهان الشباب كما يزعم؟ أعتقد بعكس ذلك تماماً، فبقاء الشخصية الكريمة للأنبياء في مقام التصور الإنساني والمطلق خير من تجسيدها في شخصية ممثل معين.
فمن الذي يقرأ عن حمزة رضي الله عنه، ولا يقترن في ذهنه بالعمل السينمائي الذي جسد دوره انتوني كوين في النسخة الإنجليزية، وعبد الله غيث في النسخة العربية؟
وتذكرون فيلماً عن السيد المسيح وضعت صورة من جسد شخصية المسيح على غلاف الإنجيل، وجوز ذلك البابوات! هذا عندهم، فأما عندنا فالأمر مختلف وينبغي أن يكون مختلفاً، ولا شك أننا نقدر دور الفن في صياغة الوجدان ونحن مع العمل التاريخي، ولسنا بالمطلق مع تجسيد شخصيات الأنبياء.
فأمس جسدوا شخصية مريم، واليوم يوسف، وهل ترى في السنة القادمة شخصية أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلوات والتسليم وهل كل هذا تمهيد لما هو بعد وأبعد ؟
ولماذا عندما جسدت شخصية الحسين رضي الله عنه، وضعوا على وجهه نوراً فلم يظهر وجه الممثل، لماذا، هل لأن الحسين في نظرهم أكثر قداسة من الأنبياء، فهان عليكم تشخيصهم ولم يهن عليكم تشخيص الحسين؟ ونحن على كل حال ضد تشخيصه رضي الله عنه! وبعد الحديث عن موضوع التشخيص نعود إلى حلقة مسلسل يوسف التي شاهدتها، فقد رأيت عملاً مبنياً على الإسرائيليات، وهذا موهن جداً للعمل، وخلط بين الحق والباطل، لا يستساغ بحال.
وهو أيضاً عمل مبني على مغالطات تاريخية، فكل الرموز توحي بعصر الفراعنة، ومعلوم أن التوراة تسمي ملك مصر، فرعون، والدقة القرآنية البالغة، لمسناها من خلال عدم ذكره الا باسم "الملك". فهو من الناحية التاريخية عصر غير عصر الفراعنة ومغالطة أخرى أن يوسف ربي مع الملك ،وعندما تقابلا تذكرا كلاهما أنهما نشئا معاً! ومغالطة رابعة حسب النسوة، وهذا ما لم يشر إليه النص من قريب ولا من بعيد.
ثم تسمية يوسف ب "يوساسيف" لا أدري ما كانت حكمتها ،ومغالطة خامسة أو سادسة أو سادسة عشر أنهم جعلوا يوسف قائل النص الكريم : "وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي" وهذا خطأ من العيار الثقيل.
فمقام التواضع مقام، ومقام دفع الاتهام مقام، ولكل مقام مقال وكلام يليق به، ولا يليق بسواه!
فقولهم أن يوسف هو القائل يثبت التهمة.
ثم إنهم أظهروا يوسف بمظهر "البرجماتي"، وحاشاه فعندما راجعه المساجين: لماذا لا تذهب مع الساقي إلى ... قال: سيعودون، سيعودون! إشارة إلى أنه رفض الخروج مكيدة منه "وتعزز"، وليس موقفاً مبدئياً.
وقد ضربت مثلاً للجالسين كيف يخلطون حقيقة بخيال، فقلت: نحن الآن مجتمعون، هذا صحيح، ولكن قد يفسر بأن اجتماع مودة أو اجتماع تآمر! هكذا صنعوا مع يوسف؟ موقف مبدئي تحول في الدراما إلى براجماتية مصلحية!
هذه ملاحظات عابرة على مشاهدتي لحلقة واحدة من مسلسل يوسف، عمل ضخم لكن النتاج في ظني يقصر كثيراً عن ضخامة العمل. وليت هذه الإمكانات سخرت في اتجاه آخر يخدم قضايا الأمة أولى وأحسن من هذا.
نتناول الإفطار، فعرضت حلقة من المسلسل، وكنا جلوساً قرابة السبعة من الأشخاص، فساءني جداً ما رأيت وهالني حجم الإساءة، مع أني في إفطار في يوم سابق استمعت إلى نيابي من هناك، ومخرج سينمائي شهير، ثناء على العمل، وضخامته وحتى تجسيد شخصية النبي يوسف عليه السلام، أثني عليها باعتبار، أنها شخصت في الذهن وحددت صورة غير محددة في الذهن، ولا مؤطرة.
وهنا نختلف مع الأخوة، فمن الناحية الدينية والفنية أن بقاء الشخصية غير محددة أولى بكثير. فيوسف في الأذهان شخصية تساوي الكمال في الخلقة، فأنى يجسد هذا الكمال ممثل ومخرج؟
ودعك من الإسقاطات الشيعية على شخصية يوسف، من لبس العباءة بالطريقة النمطية للملالي. دعك من هذا، وأحياناً يلبسونه منديلاً كمناديل النساء، وحاشا لمقامه لقد شعرت بأن الإساءة بالغة جداً. ما زلنا في النقطة الأولى: تشخيص النبي أو الأنبياء.