|
يوم السقيفة (4)
|
|
|
|
|
|
|
من مؤهلات أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه للخلافة
أنّه (الأول) في الأمّة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم
د. حامد الخليفة
خاص بالراصد
ومما أثلج صدور المهاجرين وأقر عيون الأنصار والتابعين يوم بيعة السقيفة، علمهم جميعاً أن أبا بكر الصدّيق كان هو الأول في المواقف التي تخدم الدين، وتسرّ سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وقد عددنا بعض ذلك في المقال الثالث السابق، ونكمل بعض مواقف أولية الصدّيق رضي الله عنه فهو:
أول من فاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بعد انصراف الناس عنه([1]).
وأول من كان المشركون يسألون عنه إذا أُشيعت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حصل في يوم أُحد حين نادى أبو سفيان: (أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ ثَلاثَ مَرَّاتٍ؟ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَال: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ ثَلاثَ مَرَّات، ثُمَّ قَالَ أَفِي القوم: ابْنُ الخطَّاب ثَلاث مَرَّات...؟)([2]) وهذا يبين أنّ المشركين كانوا يعلمون أنّ قادة المسلمين كانوا مرتبين على النحو الذي يسألون عنه، لما يشاهدون من مواقفهم، ومن التفاف المسلمين حولهم، وهذا ما يعمل أعداء الصحابة اليوم بمكرهم وكيدهم، على طمسه في ثقافة المسلمين وفي ضمائرهم، ليفصلوا بين الأمة وبين نبيها صلى الله عليه وسلم، وبين قيادتها الراشدة التي لن يصلح أمر الأمة إلا باتباعها وموالاتها، والبراءة من أعدائها رافضي خلافة أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه ذلك أنه فضلاً عمّا سبق ... هو:
أول من حمل راية رسول الله العظمى في أكبر جيش أعدّه وقاده رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الشريفة، وذلك في غزوة تبوك التي زاد جيشها على ثلاثين ألفاً من الصحابة رضي الله عنهم، قال ابن سعد: (ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رايته العظمى يوم تبوك إلى أبي بكر، وكانت سوداء)([3]).
وأول من قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوّة الإسلام ومودته)([4]).
وأول من قَال عنه رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)([5]).
وأول من أرشد النّبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى خلافته، يتضح ذلك في ما رواه جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَال: (أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْمَوْتَ قَالَ: إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ )([6]).
وأول من قال بعد وفاة النّبي صلى الله عليه وسلم:(أينقص الدين وأنا حي؟!)([7]).
وأول من حج بالمسلمين أميراً في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وافق حجه الحج الأكبر حيث كان المشركون لا يصيبون الحج في وقته إلا نادراً للنسيء الذي يؤخرون به وقت الحج، فلما حج أبو بكر وافق حجه الحج الأكبر، عن سمرة بن جندب قال: قال النّبي صلى الله عليه وسلم:(يوم الحج الأكبر يوم حج أبو بكر بالنّاس)([8]).
وأول من قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ)([9]).
وأول من أدرك الإسلام هو وأبوه وابنه وابن ابنه، قال موسى بن عقبة: (لا نعلم أربعة أدركوا النّبي صلى الله عليه وسلم هم وأبناؤهم إلا هؤلاء الأربعة: أَبُو قحافة، وأبو بكر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأبو عتيق بن عَبْد الرحمن بن أبي بكر، واسم أبي عتيق مُحَمد)([10]).
وأول من قال: (والله لقرابة رسول الله أحب أن أصل من قرابتي)([11]).
وأول من قال: (ارقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في آل بيته)([12]).
وأول خليفة لم يشرك أحداً من أولاده ولا أقاربه في أمر الخلافة، ولا في الإدارة، ولا في قيادة الجيوش، لا في حياته ولا بعد وفاته رضي الله عنه وكان ابنه عبد الرحمن وابن عمّه طلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما من أهل الكفاءات والمكانة بين المسلمين.
وأول من كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، يحلف أنّ: (الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق)([13]) قال تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (الزمر: 33).
أول من قال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه متمسكاً بإمامته وخلافته، حين قال أبو بكر رضي الله عنه للمسلمين: أقلتكم بيعتكم، قال علي: (لا والله لا نقيلك، ولا نستقيلك، قدّمك رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذا الذي يؤخرك)([14]).
وأول من قال عنه علي: والله لئن أُصبت لا يقوم للإسلام نظام، وذلك (لمّا ولي الخلافة وارتدت العرب، خرج شاهراً سيفه إلى ذي القصة، فجاءه علي بن أبي طالب، وأخذ بزمام راحلته، وقال له: أين يا خليفة رسول الله؟! أقول لك ما قال لك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم أحد: شم سيفك لا تفجعنا بنفسك، فوالله لئن أُصبنا بك لا يكون للإسلام نظام؛ فرجع وأمضى الجيش)([15]).
وأول من قال عنه علي رضي الله عنه: (كنت كثيراً ما أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما)([16]).
وأول من أعلن علي رضي الله عنه أنه سيجلد من يفضله على أبي بكر الصدّيق، قال الحكم بن حجل: سمعت علياً يقول: (لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري)([17]).
وأول من قال عنه علي وهو مسجى قبيل دفنه: (رحمك الله أبا بكر كنت إلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنيسه ومستراحه وثقته وموضع سره ومشورته)([18]).
وأول من توفي من الخلفاء (فما ترك ديناراً ولا درهماً، وكان قد أخذ قبل ذلك ماله فألقاه في بيت المال)([19]) وروي أنه قال لما حضرته الوفاة: "ردوا ما عندنا من مال المسلمين فإني لا أخلف في منزلي من مالهم شيئاً. وأرضي التي بمكان كذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم، أي بدل تفرغه لأعمال الخلافة، فدفع ذلك إلى عمر رضي الله عنه.
وأول من كان ينفق كل ما في بيت المال على الرعية: (فلما توفي أبو بكر ودفن رضي الله عنه، دعا عمر بن الخطاب الأمناء، ودخل بهم بيت مال أبي بكر، ومعه عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وغيرهما، ففتحوا بيت المال فلم يجدوا فيه ديناراً ولا درهماً ووجدوا خيشة للمال فنقضت؛ فوجدوا فيها درهماً! فترحموا على أبي بكر، وكان بالمدينة وزّان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يزن ما كان عند أبي بكر من مال، فسئل الوزّان كم بلغ ذلك المال الذي ورد على أبي بكر؟ قال: مائتي ألف([20]).
وهكذا تستمر القيادة الراشدة في تقديم دروس القيادة المسددة، المبنية على الحوار والشورى، التي تتفانى في خدمة الأمة، ولا ترتجي جزاء على عطائها إلا من الله تعالى، لقد قام الخلفاء الراشدون بنشر العدل والرحمة، فحصدوا الأمن والوحدة، والرفاه والعزة، ولعل في هذا من الدروس والعبر التي يجب على كل مسلم أو داع إلى الإصلاح أن يجعلها نصب عينيه، يزن بها الأحداث والشعارات، ويعرف بها المناهج والمسارات، فمن معين الخلافة الراشدة تنبع موارد الإصلاح، وعنها تصدر مناهج البناء والاستقرار والفلاح، فلا ترتوي الأمّة إلا من الأيدي الطاهرة التي تستقي من معين الراشدين، وتنسج على منوالهم وتهتدي بهديهم، ولا سيما الأول منهم رضي الله عنهم...
([1]) المستدرك: ح (4315)، زاد المعاد: 3 /205.
([7]) مشكاة المصابيح، 3/ 1700 .
([8]) المعجم الكبير: (6894).
([10]) الآحاد والمثاني: ح (22).
([11]) البخاري: ح (3712) (3435).
([12]) البخاري: ح ( 3713).
([13]) المعجم الكبير: ح (14) (15).
([14]) الشريعة للآجري ، (1169).
([15]) الكامل في التاريخ: 1/396.
([16]) البخاري: ، ح (3685).
([18]) الضياء المقدسي: أحاديث مختارة، ح (397).
([19]) الطبقات الكبرى، 3/195.
([20]) الطبقات الكبرى: 3/213.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|