بعد إنجاز مهمة التخريب والاختراق للساحة السنّية
أحمد الأيوبي - جريدة المستقبل ( باختصار) 25/11/2010
منذ توقيف الخبير في شؤون تنظيم "القاعدة" عمر بكري على يد فرع المعلومات في طرابلس، والذي أطلق سراحه أمس بكفالة مالية، اندلعت موجة من المواقف والتحليلات التي تذمّ أو تمجّد مسيرة بكري وتحولاته، وأفردت وسائل الإعلام لهذا "الحدث" مساحات زمنية وورقية، جعلت الناس يتساءلون عما إذا كان هذا التوقيف حدثاً جللاً له ما بعده، لاسيما بعد أن أصبح بكري في رعاية "حزب الله"، أم أنه مجرد توقيف يعلن نهاية مرحلة نموذج بكري في الالتباس وإثارة الجدل والتشويه؟
لا أعتقد أن الأهمية تكمن في جزئية ما حصل مع بكري مؤخراً، بل في تقويم هذه التجربة وما تركته من أثر على واقع العمل الإسلامي وصورته في لبنان، بالاستناد إلى حقيقة واحدة وحاسمة، وهي أن بكري لم يكن من النسيج الإسلامي اللبناني ولم يستطع أن يكون جزءاً طبيعياً من هذا النسيج، وأن ما حمله وطرحه من أفكار وممارسات، في كل مراحل نشاطه السابقة، كانت خلاف مصلحة المسلمين العامة، ولم تضف إلا مزيداً من الإرباك والإحباط والريبة، ولم تكن في النتيجة سوى محطة سلبية، نعتقد أن انتقال بكري إلى ضفة "حزب الله" وفريقه السياسي، سيشكل العامل الأساس في محو الكثير من آثارها.
بكري "البريطاني": توسّل التطرف من أجل النجومية
كان وجود بكري في بريطانيا ضمن المجموعة التي سمحت لها الحكومة البريطانية بالتواجد على أراضيها، وتسببت بالكثير من الأضرار لواقع المسلمين في أوروبا ولصورة المسلمين في العالم عموماً، وللأمن البريطاني والأوروبي خصوصاً.
اعتمد عمر بكري على اللعبة الإعلامية لضمان ظهوره، فعندما أسس أسامة بن لادن "الجبهة العالمية لمحاربة الصليبيين" أسس بكري واجهة باسم مشابه لجبهة زعيم "القاعدة" للإيحاء بأنه ينطق باسم هذا التنظيم.
وبعد إنشائه حركة "المهاجرين" التي كان يصفها الإسلاميون في بريطانيا بحركة "المهرّجين"، أطلق سلسلة مواقف استفزازية دعا فيها الملكة اليزابيث الى الدخول في الإسلام تحت شعار "أسلم تسلم" مهدداً برفع "راية الخلافة فوق قصر بكنغهام"، متسبباً في سلسلة تداعيات سلبية تجاه مسلمي بريطانيا أمنياً واجتماعياً وإعلامياً وسياسياً.
شكّل بكري مجلساً خاصاً من بعض المهاجرين المسلمين من أصول آسيوية ونصّب نفسه بموجبه "قاضياً" من منطلق رفض "الأحكام الوضعية"، من دون أن يحظى باعتراف أي جهة إسلامية ذات وزن، ومن دون أن يكلف نفسه عناء توضيح تعاطيه مع المؤسسات الأمنية والقانونية البريطانية.
ترك بكري أكثر من علامة استفهام حول طريقة مغادرته الأراضي البريطانية عبر الجو، وهو المطلوب من السلطات لأسباب تتعلق بالأمن القومي، وقد ظلّت الشبهات تحوم حول التحويلات المالية من بكري وإليه، وألقي القبض على نجله عبد الرحمن فستق في مطار هيثرو في 24 تشرين الأول 2006 للتحقيق معه، بعد أن ضبطت معه كمية من المال كان بصدد تسليمها الى والده، من دون أن نعرف عن السيد بكري قيامه بعمل واضح يبرّر له الخروج من دائرة سؤال: من أين لك هذا؟
في لبنان: مزيد من الشك والريبة
لم يستطع أحد من العاملين في الشأن الإسلامي اللبناني فهم الموقع الذي حاول بكري إيجاده لنفسه كداعية وقاض ومرجعية عالمية لطلاب في أنحاء العالم، ادعى أنهم سيقلبون أرجاء المعمورة وسيهزون العالم حتى خروجه من السجن، إلا أن هؤلاء "الطلاب" لم يظهروا إلا في تصريحات بكري.
والسؤال الذي يحضر في هذا السياق: هل تكفي شهادة دبلوم في أصول الفقه من كلية الشريعة في جامعة دمشق لينصّب بكري نفسه داعية، وهو الذي فشل في تحصيل أي درجة علمية أخرى من الأزهر أو من سواه؟ وهل يكفي أن يجتمع بضعة أشخاص في لندن ويعلنوا بكري قاضياً خارج أي إطار إسلامي مرجعي جامع أو صالح لعموم المسلمين.. ليصبح مفتياً؟
كيف يمكن استيعاب حفلة التناقضات التي نظمها بكري منذ وصوله إلى لبنان، بدءاً من تأييد اعتداءات 11 أيلول وتبنّيه لها "من الناحية الشرعية" رغم الرفض والإنكار لهذه الهجمات من كبار العلماء المسلمين، واستمراره في تشجيع هذه الهجمات في أوروبا، وتحديداً في كانون الأول 2004 يوم دعا إلى "تسديد 11 أيلول تلو 11 أيلول ضد الحضارة الغربية يوماً بعد يوم".. ثم ادعاؤه الوقوف إلى جانب أهل السنّة والجماعة في لبنان فيما يدعو إلى رفض الالتزام بمشروع الدولة الذي هو مشروعهم ؟
وكيف يمكن فهم ادعائه دعم أهل السنّة، وهو الذي أعلن شماتته باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري كما قال في حديث له الى برنامج لفضائية الـ"بي بي سي" الناطقة بالعربية، أنه "من وجهة نظر اسلامية، فإن اغتيال الرئيس الحريري يخدم الدعوة الإسلامية، أي أنه سقط حاكم يحكم بغير ما أنزل الله. وللأسف فالناس يخلطون بين الحكم بغير ما أنزل الله وبين طريقة تنفيذ الحكم". وتابع:"عندما كنت في لندن سمعنا الخبر. فكان أول خبر ورد الينا، لأنه انتشر بين الإسلاميين على مواقع الإنترنت، أن من قام بالعملية رجل من أصول التوحيد يدعى أحمد أبو عدس، وبالتالي بدأت عملية ارسال التبريكات بين من يدعو لأبو عدس بالجنة وبين من يبشّر الناس بأنه تم القضاء على أحد الطواغيت".
خطاب مذهبي يدعو الى الفوضى والتفجير
بتاريخ 2/4/2009 أعلن بكري تبريره للاشتباك الذي خاضته مجموعة مسلحة في محلة أبي سمراء طرابلس، مثنياً على أعضائها، معتبراً أن ما حصل "إنما هو نتاج للشحن السياسي الطائفي والمذهبي الذي أدى الى أن يقوم بعض الأفراد من الطائفة السنية بجمع السلاح الخفيف للدفاع عن طائفتهم في حال وقوع أي طارئ، وذلك بسبب التسلح الكبير لدى بعض الطوائف الأخرى، وعلى وجه الخصوص "حزب الله"، وحركة أمل، وحزب البعث، والحزب القومي السوري وغيرها من الأحزاب المسيحية.. ولذلك نستطيع أن نصف ما وقع بأنه مأساة أصابت أهل السنة في طرابلس بسبب الشحن المتبادل بين السياسيين من موالاة ومعارضة، وبعد أن برّأهم من أي علاقة بتنظيم "القاعدة" أو "فتح الإسلام" أثنى عليهم لأنهم "من أبناء طرابلس الفيحاء الذين عرفوا بحسن السيرة والأمانة والغيرة على الإسلام والمسلمين.
في الحديث نفسه، استمر عمر بكري في تبريره لحمل السلاح والخروج على الدولة، بناء على خطاب مذهبي واضح، ومن ذلك قوله: "إن الظروف الدولية إبان أحداث 11 من سبتمبر، وتداعيات الحملة الأميركية التي تقودها أميركا في حربها على ما يسمى الإرهاب، مرورا باحتلال العراق وتقوية شيعته، وما صاحبه من اعتداءات ضد أهل السنة في العراق، مما جعل إخوانهم في لبنان يشعرون بأنهم مستهدفون للاعتبارات التالية :أن معظم الحملات الأمنية في لبنان منذ عام (1975) هي ضد الطائفة السنية، حرب طرابلس عام (1985)، حرب المخيمات والمرابطون من قبل حركة أمل، اعتقالات واسعة لشباب أهل السنة دون غيرهم، مقتل رئيس الحكومة اللبناني رفيق الحريري، نزول "حزب الله" وملحقاته الى احتلال ساحة رياض الصلح، فتنة جامعة بيروت العربية، وما صاحبها من ظهور مسلح منظم لدى الطائفة الشيعية، أضف اليها بقاء موضوع سلاح "حزب الله" من دون علاج حتى بعد دخول "اليونيفيل" الى الجنوب.
وقد واصل بكري الدعوة الضمنية لحمل السلاح، بالقول إنه "طالما أن السلاح متواجد في أيدي "حزب الله" وملحقاته، إلى جانب الممارسات غير الإنسانية والمنافية للأخلاق التي يمارسها بعض المحققين سواء من الجيش أو من الأمنيين، مما يشحن نفوس المعتقلين والمطلوبين ويحول دون أن يحضروا من أجل التحقيق معهم خشية التعذيب، ومما قد يدفعهم إلى تأليف مجموعات للدفاع عن أنفسهم بل والتعرض للجيش والأمنيين".
ويستمر بكري في التلاعب بالكلمات والأفكار، فيضع الشباب من جديد في تناقض بين الشرع والقانون، حين يقول:"من الناحية الشرعية لا شك بأن حكم اقتناء السلاح في الإسلام جائز شرعاً، وقد يكون مندوباً أحياناً أو واجباً بحسب الحاجة للدفاع عن النفس أو العرض أو المال، أما من الناحية القانونية اللبنانية، فإن اقتناء السلاح من دون رخصة، من المخالفات التي يعاقب عليها القانون، وأنا أنصح شباب أهل السنة بعدم الانشغال في اقتناء السلاح عن طلب العلم الشرعي، والدعوة الى الله عز وجل، ولكن ماذا نقول للسلفي السني أو لأي أحد في لبنان إذا أراد أن يحمل السلاح أسوة بغيره من الطوائف بحجة تحرير مزارع شبعا أو للدفاع عن الوطن؟".
إلا أن أخطر ما أدلى به بكري كان لدى سؤاله "هل يجوز للمسلم تفجير نفسه كما حصل من بعض أفراد خلايا المئتين؟"، فجاء جوابه كالآتي:"بغض النظر عن حقيقة ما حصل في المئتين، إن الانتحار في الإسلام لا يحل شرعاً، بخلاف القيام بعمليات استشهادية في سبيل الله للذود عن الدين والبلاد والعباد، من عدو خارجي أو صائل داخلي".
يعتبر هذا الموقف من بكري "إجازة" بل حضاً على القيام بعمليات تمتعت بطابعها الاستشهادي عندما قامت بها حركات المقاومة في لبنان وفلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي، لكنها خسرت شرعيتها مع انتقالها إلى العراق واستخدامها ضد المسلمين المعارضين لتوجهات تنظيم "القاعدة"، سواء من أهل السنة والجماعة، أو من شيعة آل البيت، لينحسر استخدامها ضد قوات الاحتلال الأميركي.
في هذا السياق لا بد من التوقف عند خروج خمسة لبنانيين من طرابلس وعكار قبل بضعة أشهر إلى العراق، إلا أن بعضهم وقع في أيدي السلطات السورية أو التركية، والنتيجة الأكيدة اعتراف من وقع بيد السلطات الأمنية بأسماء بقية رفاقه، ولدى انكشاف هذا الأمر، تحدثت معلومات عن وقوف عمر بكري وراء خروج هذه المجموعة، غير أنه نفى الأمر مؤكداً أنه لا يعرف منطقة التبانة أصلاً، وهذا أمر يصعب تصديقه نظراً الى امتداد حركته إلى كل مناطق المدينة، ولأن بكري عاد فقال في مقابلة صحافية بتاريخ 3/11/2010 ان "هناك الكثير من الشباب المسلم الذي اتهم بالأصولية ولاسيما في منطقة التبانة، وهم أشدّ الناس التزاماً بالموقف الشرعي، يرفضون رفضاً قاطعاً خوض أي نوع من أنواع المعركة مع جبل محسن، انطلاقاً من المواقف التي أعلنتها"، وفي هذا الموقف تأكيد لمعرفته بالتبانة فيما لم يضف هذا الشكل من الدفاع عنها إلا مزيداً من الالتباس، لأن الموقف الشرعي بمفهوم بكري ليس الموقف الشرعي الذي يجمع عليه المسلمون في لبنان.
تحولات عمر بكري
مع اقتراب صدور الحكم القضائي بحقه في عدد من القضايا المتهم بها أمام القضاء اللبناني، أكمل عمر بكري التفافه الذي بدأه تدريجياً قبل بضعة أشهر، باتصالات مع "حزب الله" ومع الشيخ بلال شعبان لترتيب وضعه الأمني في سوريا ولبنان، وخرج على الرأي العام في المقابلة الصحافية المنشورة بتاريخ 3/11/2010، ليعلن أنه "من شيعة الحسين" وليعيد صياغة دعواته السابقة للخروج على النظام العام، مضيفاً هذه المرة استهداف المحكمة الدولية، واضعاً نفسه في موقع الناطق باسم المسلمين وموغلاً في الانحراف السياسي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.
باشر بكري مهمته في الهجوم على "تيار المستقبل" محاولاً دق إسفين داخل الصف الإسلامي عندما قال إنه "لا يجوز اختزال اهل السنّة في لبنان بـ"تيار المستقبل"، سواء زعاماته السياسية أو الدينية، وآن الأوان أن يسمع الناس الرأي المستقل لأهل السنّة في القضايا المصيرية. وفي الموقف الشرعي من العدو الاسرائيلي ووجوب مقاومته ونصرة المقاومة سواء في فلسطين أو في لبنان"، واضعاً أغلبية المسلمين السنة في وضعية الشك بدينها عندما قال "نحن نصطف وراء الكتاب والسنة ونلتزم بالأحكام الشرعية"، وكأن كل من هو خارج "النحن" الخاصة ببكري هم خارج الإسلام، وفي موقع الطعن بعروبتها بتصوير قوى 14 آذار في موقع العمالة والتآمر على المقاومة.
وحول المحكمة الدولية، توصل بكري الى نتيجة مفادها أن "الموقف الشرعي يقضي بأن لا يتحاكم المسلم الا الى شرع الله، لذلك نطالب بتشكيل محكمة اسلامية تشارك فيها نخبة من العلماء المستقلين من السنّة والشيعة للبحث في القضايا المصيرية وفي قضية شهود الزور وغيرها". وتابع:" كما ان موقفنا الشرعي من العدو الاسرائيلي انه وخلفه اميركا وحلفاؤها هم وراء سلسلة الاغتيالات في لبنان، بل هم وراء الاضطراب الأمني في كل المنطقة، ولذلك وجدنا انفسنا بعد دراسة متأنية لخطاب السيد حسن نصرالله وبعد الاستماع وقراءة تصريحات الرئيس بشار الأسد، انها تصبّ في خانة مقاومة العدو الاسرائيلي وحلفائه وأنصاره، وان هذا ينسجم مع الموقف الشرعي من الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين والغزو الأجنبي لأفغانستان والعراق".
ردود وتوضيحات
* في الموقف من النظام اللبناني والاحتكام إلى الشريعة الإسلامية:
يتحدث بكري بصيغة "النحن" وكأنه ينطق باسم المسلمين أو يحدد موقفهم الشرعي، والسؤال "إذا كان لبكري هذا الثقل الوازن والحضور الجارف في الساحة الإسلامية، فلماذا لم نجد التظاهرات الجارفة تهدر بعد اعتقاله، ولماذا مرّ هذا الاعتقال وكأنه حدث عابر لم تعبأ به طرابلس ولا أهلها؟!".
إن الرؤية التي لا يزال بكري يحتفظ بها، والمبنية على تكفير النظام اللبناني والمشاركين فيه، منذ مرحلة انتمائه إلى "حزب التحرير" تخالف بشكل حاسم الرؤية الجماعية لمسلمي لبنان، بدءًا من دار الفتوى والمرجعيات والقيادات الإسلامية الرسمية والحركية منها على حدٍ سواء، بعد أن قرّر الجميع الانخراط في مشروع الدولة منذ اتفاق الطائف.. وأي محاولة للخروج على هذا الإجماع الإسلامي هي دعوة للفتنة ولشق الصف ولإحداث الصدام والفوضى.
فضلاً عن إطلاقه فتاوى مثيرة للفتنة، مثل تحريمه تزويج المسلمين المنتسبين إلى جميع الأجهزة الأمنية اللبنانية ووجوب تطليق المسلمات المتزوجات من رجال الأمن اللبنانيين المسلمين!! على قاعدة اعتبار النظام اللبناني نظام طاغوت وكفر لا تجوز موالاته ويجب إعلان البراءة الشرعية منه!! وقد صدرت منه هذه "الفتوى" خلال عقد قران في أحد مساجد منطقة القبة في طرابلس، مما أدى إلى استدعائه من قبل أحد الأجهزة الأمنية.
* في دور "حزب الله":
يحق لـ"حزب الله" السعي الى تحقيق منجزات في اطار التنافس السياسي عبر الاستقطاب واستجلاب التأييد، كما أننا من دعاة التواصل بين اللبنانيين لا من دعاة القطيعة والتنابذ، ولاسيما بين الحزب والشرائح الإسلامية المتنوعة، لكن لهذا التواصل أصولاً وقواعد للنجاح، أهمها الاتفاق على الحق في الاختلاف، وعلى السعي الفعال لمواجهة الفتنة المذهبية وحفظ أصل فكرة المقاومة والسعي الى التوافق على إدارة آليات الصراع مع العدو الصهيوني..
أما أن يكون احتضان عمر بكري منطلقاً من الكيدية السياسية، وبناء على الانقلاب في المواقف واشتراط الانقضاض على الخصوم السياسيين، فإن هذه الخطوات لن تكون أكثر من محطة تجاذب اعلامي لا أكثر، وستسهم في تعزيز الهواجس لا في تعزيز التواصل.
وما فعله الحزب في قضية بكري يدفعنا الى التساؤل:
ـ هل يعتمد "حزب الله" الشريعة الإسلامية في حركته السياسية في لبنان، أم أنه يعترف بالقانون وبالقضاء اللبناني وباتفاق الطائف، وبالتالي أين يضع الحزب دعوة بكري لإقامة المحاكم الشرعية؟!
ـ هل الحكم في سوريا الذي كال بكري المديح له يحكم بالشريعة الإسلامية، كما ينظر لها، ولماذا يُغفر له عدم تطبيق الشريعة في حين يتم تكفير "تيار المستقبل"؟ من دون أن يعني هذا التساؤل إشارة سلبية إلى سوريا، بقدر ما هو توصيف للواقع.
ـ هل ترك بكري تنظيره لصالح تنظيم "القاعدة" وتخلى عن تأييده لتوجهاته التكفيرية، أم أن "حزب الله" اقتنع بنظرية بكري القائلة بأن المقاومة الحقيقية للعدو الإسرائيلي تتجسد في الحزب و"القاعدة" وهل يرضى الحزب بموقفه من الجيش اللبناني؟
من هنا نسأل: كيف يقوّم "حزب الله" أشخاصاً في وضعية بكري في الساحة الشيعية، وهل يعيرهم أي اهتمام، أم يزدريهم ويتركهم في حالتهم الهامشية؟ وكيف يمكن فهم احتضان الحزب لبكري عبر توكيل النائب نوار الساحلي محامياً للدفاع عنه؟
ـ أما سؤالنا الأهم فهو: أين كانت شجاعة بكري ووقوفه إلى جانب المقاومة يوم قرر أن يحاول العودة إلى بريطانيا في حرب تموز عام 2006 محاولاً التسلل إلى مكان تجمع الرعايا البريطانيين بثياب نسائية؟!
في الختام، نعود إلى نقطة البدء في ضرورة تقويم هذه التجربة، وندعو "حزب الله" إلى البحث عن أبعاد هذا التحوّل المفاجئ، وما يمكن أن يحمله انتقال بكري إلى ضفة المقاومة، وما يحمله ذلك من احتمال فتح القنوات المعلوماتية أمامه، لأننا نعتقد أنه أنجز مهمته في الساحة الإسلامية السنية وقرّر الانتقال والتفرغ للساحة الإسلامية الشيعية، وإذا كان من إيجابية في التطورات الأخيرة، فهي أن بكري لن يستطيع بعد الآن خداع أحد، لا باسم الشريعة ولا السلفية ولا طرابلس.. وما نأمله أن يعي الشباب المسلم والرأي العام أن المظاهر وحدها لا تكفي وأن التطرف قد يتقدم في بعض المراحل إلا أن الوسطية والاعتدال يبقيان الحالة الثابتة والراسخة والباقية بين المسلمين خصوصاً واللبنانيين عموماً.