(هذه مقتطفات عن نشاة القذافي نشرها د. محمد يوسف المقريف وهو أحد كبار المعارضين الليبيين في المنفي، قد تفسر كثير من تصرفات هذا الطاغية المجنون، كما أنها تلتقى مع التصريحات المتداولة بخصوص يهودية القذافي أو والدته !!) الراصد.
لا يعرف أحد على وجه التحديد متى وُلد معمر القذافي؟
أفي عام 1940م؟ كما ورد في كتاب الدكتور محمد سعيد القشاط الصادر في عام 1989 تحت عنوان " جهاد الليبيين ضد فرنسا في الصحراء الكبري ", وكما يردّد رفاق القذافي من أعضاء مجلس قيادة الثورة, ووفقاً لما ذكره صلاح الدين السعدني سفير مصر في ليبيا بعد الانقلاب في الحلقة السابعة من مذكراته التي نشرتها صحيفة " الرأى العام " الخليجية الصادرة يوم 7/10/1997م.
أم في عام 1941م؟ وفقاً لرأي القذافي نفسه في عام 1975، وحسبما ورد في شهادة التعريف الصادرة من بلدية سبها بتاريخ 10/8/1961, ووفقاً لرأي الطبيب المختص الذي أحيل الطالب معمر إليه في عام 1958 من قبل المحكمة التي مثل أمامها الطالب معمر متهماً بالسطو على مكتبة المدرسة المركزية بسبها وسرقة بعض الكتب منها.
أم في عام 1942م؟ كما ورد في " البيبلوغرافيا الليبية" الرسمية وفي كتاب السير المعاصرة ( Current biographies ) وفي كتاب " القذافي رسول الصحراء" لمؤلفته ميريلا بيانكو الصادر عام 1973 ( الطبعة العربية الأولي"دار الشورى" بيروت/لبنان).
أم في عام 1943م؟ كما يزعم موسى كوسه في رسالته للحصول على درجة الماجستير في عام 1978 من جامعة ميتشجان بالولايات المتحدة الأمريكية والتي اختار لها عنوان "القائد السياسي وخلفيته الاجتماعية: معمر القذافي القائد الليبي".
كما لا يعرف أحدٌ على وجه اليقين مسقط رأسه؟
أهو منطقة " بو هادي" بوادي جارف التربية من بلدة " سرت" كما يؤكد القذافي نفسه؟
أم هو منطقة " ترهونة "؟ كما يُستنبط من " المدخل" الذى أوردته مؤلفة كتاب " القذافي رسول الصحراء"؟
أم هو منطقة " الفيوم " بمصر؟ كما ورد في الحلقة السابعة من مذكرات السفير المصري الأسبق في ليبيا صلاح السعدني والذي بقي في ليبيا منذ قيام الانقلاب وحتى عام 1976 ؟
وأيا ما كانت سنة ولادة معمّر القذافي ومسقط رأسه فمن المؤكد أنه ترعرع في أسرة فقيرة معدمة, وكان والده يشتغل بالرعي ويكثر التنقل بين سرت ومناطق جنوب ليبيا.
وبسبب فقر أسرته, وعدم إنتشار التعليم على نطاق واسع - وبخاصّة في الدواخل خلال السنوات المبكرة من استقلال البلاد – لم يتمكن الطفل معمّر من الالتحاق بالمدرسة الإبتدائية ببلدة " سرت" إلا في عام 1954 ( أى عندما بلغ من العمر ما بين 11 و 14 سنة ).
يقول والد معمر القذافي في مقابلةٍ أجرتها معه مؤلفة كتاب " القذافي رسول الصحراء " (ص 34): " أرسلته إلى المدرسة، رغم ما كان ينطوي عليه ذلك من تضحيات ... لقد كنا فقراء جداً.."، أما معمر نفسه فيتطرق بمزيد من التوضيح إلى هذا الموضوع خلال المقابلة الصحفية التى أجراها معه كل من الدكتور أحمد صدقي الدجاني و إبراهيم الغويل ونشرت في صحف " البلاغ" الليبية و " كل شئ" اللبنانية ( العدد 894) يوم 1/9/1973 ( كان من بين الحاضرين لتلك المقابلة الرائد بشير هوادى والرائد عمر المحيشي عضوا مجلس قيادة الثورة)
ولم تكن في [النجع] مدرسة.. ولكن كان هناك الفقيه يتنقل بين النجوع، فيأتي ويمكث معنا فترة.. وعلى يديه تعلمت القراءة والكتابة والأرقام, وحفظت ما تيسّر من القرآن الكريم.. ولقد تأخر دخولي للمدرسة.. ذهبت إلى [سرت] أوّل مرة كي أدخل، فوجدت الطلاب يمتحنون في نهاية العام.. لم نكن نعرف متى يبدأ العام الدراسي ومتى ينتهي.. وجئنا للقصر [ منطقة قصر بو هادي ] في المرّة الثانية, وبعنا العنز ثمّ ذهبت إلى المدرسة.. كان ذلك حوالى [عام] 1954م.. وكانت المدارس تتساهل في القبول لقلة عدد من يدرسون, وأدخلت الصفّ الثاني لمعرفتي بالقرآن.."
ويصف القذافي خلال المقابلة نفسها بعض ما كان يعانيه من إزدراءٍ وسخرية داخل المدرسة (ص 35): " كان حافزي على التعليم كبيراً, خاصة حين جابهني طلاب المدرسة بتعليقات يسخرون فيها من العربي القادم من البادية.. كانوا يقولون: عربي كعكاص..لبَّاس مداس, خليك من القراءة.. وامش ارعى.."
ويبدو أن معاناة التلميذ معمّر لم تكن تقتصر على ما كان يواجه من تعليقات ساخرة من بقية التلاميذ في مدرسة سرت الإبتدائية، فقد كان لهذه المعاناة أوجه أخرى كشفت عنها مؤلفة كتاب" القذافي رسول الصحراء" من خلال ما نسبته إلى ابن عمه المدعو "مفتاح على السبيع القذافي" في وصف هذه المرحلة: (ص 38-41): ".. تعرفت على القذافي عام 1955 يوم كنا طالبين في مدرسة سرت الإبتدائية، كان هو في الخامسة وكنت في السنة الثانية، كنا ثلاثة أو أربعة من البدو ينظر إلينا الباقون على أننا بؤساء, وكنا فقراء لدرجة أننا لم نكن نتناول طعاماً أثناء الاستراحة.."
ومن الواضح أنّ مأساة التلميذ معمر لم تقتصر على تأخّر التحاقه بالمدرسة الابتدائية، فقد أضطرّ إلى الانقطاع عن الدراسة أكثر من مرّة بسبب ظروف والده أو ظروف عائلته، "وسجل بالصف الثالث فترة قصيرة ليترك الدراسة من جديد مضطراً لمرافقة والدته إلى فزان..."
من الواضح أنّ القذافي أراد أن يخفي جانباً مهماً في حياته وهو "التفكك العائلي" الذى كانت تعيشه أسرته يومذاك.. ويمكن للمرء أن يستنتج من الرواية كما أوردها زميل القذافي أن أم القذافي كانت على غير وفاق مع زوجها الأمر الذى اضطرّها للذهاب إلى مدينة سبها البعيدة مصطحبة معها ابنها الذكر الوحيد دون التفات لما يترتب على ذلك من قطع دراسته. ويبدو أنّ الأسباب التي دعت الأم للمجئ إلى سبها قد غابت بعد عدّة أشهر، ومن ثمّ فقد قرّرت العودة من جديد إلى "سرت" بصرف النظر عمّا يمكن أن تتعرض له أوضاع ابنها الدراسية.