دراسات\العدد الثانى والسبعون جمادى الآخرة 1430هـ
مُحرّكات السياسة الفارسيّة في المنطقة -4-
الثلاثاء 26 مايو 2009
مُحرّكات السياسة الفارسيّة في المنطقة -4-
الأستاذ عادل علي عبد الله[1]
 
[ هذه دراسة قيمة تتناول خلفيات ودوافع السياسة الإيرانية وسوف تصدر قريباً، آثرنا نشرها على حلقات لقراء الراصد حرصاً على تقديم كل جديد ونافع.ونحن نرحب بتعليقات القراء الكرام وتعقيباتهم حول ما طرحته هذه الدراسة من أفكار ونتائج. الراصد ]
 
ثالثا: البُعد الإستراتيجي المَصلحي
لا يُخفِي أيُّ معاصرٍ للثورة الخمينية أو مُراقبٍ للنشاط السياسي الإيراني إعجابَه بذكاء الإيرانيين وحصافتهم وصلابتهم، وهذا شأن الأمم التي تريدُ النهوضَ والتقدم، وهو شأن أيِّ أُمةٍ تَعتدُّ بماضيها، وتعتبرُه مَصدَرَ إلهام لمستقبلها؛ فلقد وَظَّفتْ إيرانُ الثوريةُ كُلَّ طاقاتها –كدولة ثيوقراطية (=دينية)-لخدمة أيديولوجيتها وأهدافها التي تؤمن بها، حتى لو انتهجت البراغماتية الميكيافيلية..
صحيحٌ أن المؤسسين الأوائل، وعلى رأسهم الخميني، استفادوا من الفكر التنظيمي الإخواني -الذي عكف السيد علي خامنئي على ترجمة كتب وأفكار الإخوان([1])-، لكنهم استفادوا أكثر من المنهجية الصهيونية في عملية الصراع من أجل البقاء، والإبقاء على قوتهم ونفوذهم في مُحيطٍ سياسي عَدَائي مُتحفِّز، وليس هذا عيبا لأي أمة تستنسخ منهجيةَ عَدُوِّها في النهوض والتسيُّد؛ خدمةً لأهدافٍ أسمى تعتقدها، وإن أعلى الدُوَلِ شأنا وأقواها شوكةً وأصلبَها عُودا تلك التي تتأسس على عقيدةٍ تَشُدُّ من قوتها، وتَشحذُ هِمَّةَ أفرادها، وتُحيل المجتمعَ كُلَّهُ إلى تسيجٍ مُتجانس يتحركُ بإيقاع واحد.. وهذا ما فعلته إيران بكل جدارة واقتدار.
تزخر المكتبة العربية والأجنبية والمواقع الإلكترونية بوثائقَ ومدونات عن خطط وأجندات وَضَعَتها حكومةُ ملالي قُمّ، لكن -على الرغم من الجدال الدائر حولها نفيا وإثباتا -كُلَّها تَصبُّ فيما قيل (أي أن المسألة ليست هنا منطقا وتحليلا، بل تحسسا لشواهد واقع وتتبعا لتاريخ)، فالسياسة -في عالم اليوم- لا تخدمُ الضعيفَ، ولا ترحَمُ القويَ، فما الظن بدولة ترى أن الواجبَ الديني يُحتِّمُ عليها التمهيدَ لخروج خليفةِ الأرض المنتظر، الذي سيملأ الأرض عَدلا بعدما مُلئت جَورًا، ويُقيمُ دولةَ آل البيت (رضي الله عنهم أجمعين) التي طال انتظارُها لأكثر من ألفٍ وأربعمائة سنة، ويُصحح خيانة الشَّيخين (أبي بكر وعمر) الأولى بسلب حقِّ الإمامة من علي بن أبي طالب، وتآمر العرب (أكثر الصحابة) على ذلك الظلم.
ولعل البُّعد المصلحي في الإستراتيجية الإيرانية اليوم يقترن بالوجود الأمريكي ونفوذه في المنطقة، فمعلوم أن للنظام الإيراني وجهين سياسيين في تعامله مع القضايا المُلحة، وجه للثورة وآخر للسياسة، يخضع الثاني للأول حتما، فسياسة إيران الخارجية تتسم بالبراغماتية، ومرونة مدهشة مع فن بارع في استثمار الوقت لصالحها في أي مفاوضات تخوضها، في حين تتسم سياستها الداخلية بالتزمُّت والتخشُّب المِفصَلي، إلى درجة تدعو للاستغراب، وخاصة أنها ترتكز على عامل الإدهاش في المواقف والعاطفة الدينية، لكسب تعاطف العالم الإسلامي، لكن وثيقة واحدة كفيلة بعامل إدهاش منقطع النظير، تكشفت فصولها في المرحلة الحالية في اللعب مع إدارة المحافظين الجدد الأمريكية..
 
محاولة فهم للتقارب الإيراني الأمريكي
إن إيران لا تستطيع تجاوز هذه الضرورة الحيوية لبقائها -كدولة لها وزنها الإقليمي وبُعدها العقائدي-، ومن ثم تصبح مسألة التقارب مع الغرب إحدى ضرورات السياسة الإستراتيجية لا التكتيكية في السياسة الإيرانية، ولهذه السياسة دوافعها المنطقية التي يفقهها الجانبان:
1.    أهمية إيران الإستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة؛ فهي من أكبر دول المنطقة سكانا، فضلا عن كونها دولة نفطية كبيرة، تملك ثاني أكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم، كما تتزايد هذه الأهمية بالنظر إلى الأهمية المتزايدة لنفط بحر قزوين ووسط آسيا في ضوء التقدير الأمريكي الرسمي لاحتياجات العالم من البترول، الذي يتوقع أن يرتفع الطلب العالمي عليه (من 73 مليون برميل يوميا عام 1997م إلى 105 ملايين برميل يوميا في عام 2015م)، سيكون استهلاك الولايات المتحدة منه 18 مليون برميل يوميا، ويُعد الطريق الذي يَمُرُّ بإيران -لنقل هذا البترول إلى الخارج- من أقل الطرق تكلفة من الناحية الاقتصادية، هذا من ناحية.
من ناحية أخرى تدرك إيران أن الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة في العالم حتى الآن، وبالتالي فإن موقعها الدولي والإقليمي سيواجه صعوبات كبيرة في ظل القطيعة الأمريكية المعلنة، فالولايات المتحدة مَعبَرٌ إلزامي في الطريق إلى مجلس الأمن وصندوق النقد الدولي وصولا إلى مرور أنابيب النفط، كما أنها تتحكم في ممرات مهمة لنقل التكنولوجيا المطلوبة بشدة لمشروعات التنمية وخطط التسليح الوطنية؛ وقد تأكد ذلك بعد نجاح ضغوطها -إلى حَدٍّ ما -على روسيا والصين لتقليل التعاون التكنولوجي والنووي مع إيران.
2.    عدم تحقيق السياسات السابقة للدولتين تجاه بعضهما البعض لأهدافها، فقد أخفقت السياسة الأمريكية (ربما كان المراد لها الإخفاق) في ضرب الثورة الإسلامية عسكريا من خلال دعمها للعراق، كما أخفقت في الحظر الاقتصادي عليها بدليل أن إيران حققت مستويات تنمية عالية خلال سنوات الحصار وبقدرات ذاتية، واستطاعت أن تخترق هذا الحصار الاقتصادي أوربيا وآسيويا، كما أخفقت الولايات المتحدة أيضا في نهج العزل السياسي لإيران وانهارت سياسة الاحتواء المزدوج، ولعل من الأمثلة على ذلك الحضور غير المتوقع من جانب الدول الإسلامية والعربية للقمة الإسلامية التي عقدت في طهران في أواخر عام 1997، والذي مثل إشارة على سقوط عزلة إيران.
وإذا ما أضيف إلى ذلك التطورات الإيجابية التي حدثت في علاقات إيران بدول الخليج العربي في الآونة الأخيرة وقيامها بتوقيع اتفاقيات تعاون متعددة الجوانب، يمكن تصور مدى إخفاق هذه السياسة؛ ومن ناحية أخرى لم تفلح الجهود الإيرانية التي أعقبت قيام ثورتها الإسلامية في سعيها لإرضاء عقيدتها التاريخية للسيطرة ومد النفوذ، تارة تحت شعار "تصدير الثورة" وتارة تحت شعار "نصرة المستضعفين" في لبنان وفلسطين وغيرهما، وبدأت تتبين أنه لا مناص من اتباع سياسة براغماتية تأخذ في اعتبارها المصالح الحيوية للغرب والولايات المتحدة ودورهما في المنطقة، وتغيير النمط الوحيد لتصدير الثورة.
3.    أصبحت الولايات المتحدة تدرك أن إستراتيجيتها للسيطرة على مناطق الطاقة في الخليج وآسيا الوسطى ستظل تفتقر إلى الاستقرار في غياب التفاهم مع إيران وحفظ دورها الإقليمي بذرَاعَيه الغربي (في الخليج والعراق) والشرقي الشمالي (في آسيا الوسطى)، فمن جهة لم تُثبت تركيا قدرتها على حسم الوضع في شمال العراق إلى الآن، بعيدا عن أي دور لطهرانَ ودمشق، كما لم تستطع قطع أوصال التحالف بين إيران وسوريا وإضعاف الأخيرة، بما يجعلها تتقبل السياسة الإسرائيلية في التسوية الشرق الأوسطية المأزومة، كما لم تثبت تركيا قدرتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية على إدخال الجمهوريات الإسلامية السوفيتية السابقة تحت جناحيها، ومن جهة أخرى لم تثبت باكستان قدرتها أيضا على حسم الأوضاع في أفغانستان ووزيرستان حتى بعد تنصيب زرداري وإسقاط مُشرَّف.
وعلى الجانب الآخر تشعر إيران بحاجتها إلى التنسيق مع الولايات المتحدة بشأن إقليم ناجورنوكارباخ المُتَنَازَع عليه بين أذربيجان وأرمينيا لتأثيره الشديد على الأوضاع الداخلية في إيران، فالولايات المتحدة تدعم الأذريين، الأمر الذي من شأنه أن يُحقق انتصارَهم، وهو ما تخشاه إيران لأن هذا الانتصار من شأنه إشعال الحمى القومية بين الأذريين المقيمين في إيران (نسبة إلى أذربيجان) والذين يَبلغ عددهم 15 مليونا تقريبا، ويشكلون حوالي 25% من السكان، وهو ما قد يكون شرارة تهدد بتفكك الدولة الإيرانية المكتظة بالقوميات والإثنيات المختلفة.
4.    إن إيران تعاني وضعا اقتصاديا مُتدهورا نَتَجَ عن الهبوط الحاد في أسعار النفط فترة التسعينيات (وصلت إلى معدلات تاريخية لم يَسبق لها مثيل من الانخفاض حيث هبط سعر البرميل من 22 دولارا في أغسطس إلى أقل من 14 دولارا في أكتوبر وإلى أقل من 10 دولارات في ديسمبر 98م) مما أدى إلى الإضرار الشديد بالاقتصاد الإيراني، ولا تكفي الشراكة التجارية مع أوروبا واليابان فقط لإنقاذ اقتصادها وسداد ديونها، وسيكون التقارب مع الولايات المتحدة مفيدا لإيران سواء في توفير الاستثمارات اللازمة لإحداث التنمية فيها، أو التنسيق بشأن تحديد سعر عادل للبترول؛ الذي لعبت بورقته في تكتيكاتها السياسية عندما لوحت أمريكا إلى إمكانية توجيه ضربة عسكرية تكتيكية منتصف 2007، فردت إيران بضربات تكتيكية سياسية، وكثفت حملة تصريحاتها بتوجيه صواريخها إلى مصافي النفط الخليجية وتحريك خلاياها النائمة (ميليشيات) هناك، والتهديد بغلق مضيق هرمز في وجه ناقلات النفط، فقفز سعر برميل النفط (صيف 2008) إلى أكثر من 150 دولارا للبرميل.
5.    لإيران والولايات المتحدة مصالح متوازية في المساعدة على إعادة الاستقرار في أفغانستان والعراق، وخاصة أن إيران أحسنت استثمار حماقات إدارة بوش في حربها العسكرية على البلدين، فقدمت لها التسهيلات الضرورية أولا، ومن ثم تغلغلت مخابراتها وميليشياتها في قلب العمل العسكري، ومن ثم السياسي، ما حوَّلها إلى رقم يصعب تجاوزه في أي تسوية تريد أمريكا التعاطي معها، كما تعرف إيران من جهتها أن اليد العليا في هذين الإقليمين للولايات المتحدة، وقد أهدرت المليارات لوضع اليد عليهما، ولا يمكن البتة التنازل عنها لعيون إيران أو الرضوخ لتهديداتها المتكررة، وخاصة مع عدم استقرار الإقليمين وتحوُّل إيران إلى عامل فشل لا نصر في الأجندة الأمريكية العسكرية.
 
فرصة اقتسام السلطة في الخليج
إن بوادر اقتسام السلطة (سياسية، عسكرية) الفعلية في الخليج بين الأمريكان والإيرانيين بادية، وهي فرصة ذهبية لا يَسَعُ إيران تضييعها؛ وكل التعنُّت والتهديد الإيراني باستخدام أوراقها النووية والإقليمية (في لبنان والعراق وفلسطين والخليج)، كان ردا على تجاهل الإدارة الأمريكية للمساومات الإيرانية منذ العام 2001م، وللعرض السري الذي تقدمت به إيران بُعيد سقوط النظام العراقي (2003م)، مقابل الخدمات "الجليلة" التي أدَّتها لأميركا في احتلال أفغانستان والعراق؛ التي تتلخص في: "صراحة الاعتراف بإسرائيل والتنازل عن النووي، ووقف دعم حزب الله، بمقابل مَنحِ الوصايةِ على الخليج لإيران، والاعتراف بها كقوة إقليمية شرعية"؛ وقد تم التكتم الشديد عليها من الجانب الإيراني والأميركي حتى لا تتحول إلى فضحية "إيران-غيت" ثانية، ويمكن رصد حركة تطوُّر العلاقات الأمريكية الإيرانية بعد 11/9 على النحو التالي:
1- كانت أمريكا تفكّر في فتح علاقات تعاون مع إيران منذ الانقلاب الخميني، وعمل خبراء سياسيون مُتعاقبون على استكشاف ذلك عبر تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة، كخطوة على طريق رسم سياسة جديدة تجاه إيران الثورية، لكن هجمات 11/9 بعثرت كل الأوراق المُعدّة..
2- بعد أسابيع قليلة اتصلت إيران بالولايات المتحدة بطريق غير مباشر عارضة مساعداتها في القضاء على القاعدة؛ وأبلغ الإيرانيون الأمريكان وقتها أنهم يكرهون القاعدة أكثر منهم، وأن لإيران مصلحة وثأرا في القضاء عليها، وأنه بإمكان طهران أن تساعد الولايات المتحدة -عبر القنوات والمصادر المهمة التي تمتلكها- في أفغانستان، والتي من الممكن أن تكون مفيدة لها في هذا الموضوع إذا أراد الأميركيون التعاون.
وقدمت إيران عَرضها في شكل بادرة حسن نوايا، فقد كانت من أوائل حكومات العالم التي دانت الهجوم، وسارع الرئيس الإيراني (محمد خاتمي) بإدانة التفجيرات بعد ساعات فقط من وقوعها, ولأول مرة منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979م، تم إيقاف شعار "الموت لأميركا" في خُطَب الجمعة، ومن ثمَّ قام 165 عضوا من أعضاء مجلس الشورى، البالغ عددهم 290، بالتوقيع على وثيقة أعربوا فيها عن تعاطفهم مع الشعب الأميركي, وطالبوا بحملة دولية لمكافحة الإرهاب!!.
3- تلتها سلسلة اجتماعات سرية مع مسؤولين رسميين إيرانيين في جنيف، بغرض الوقوف على ما يمكن لإيران تقديمه من مساعدة في الهجوم المرتقب على أفغانستان، وبالفعل قدمت إيران معلومات وبيانات وإحداثيات لأهم المواقع التي يجب عليهم قصفها في أفغانستان، كما عرضت على الأميركيين الكثير من النصائح بشأن التفاوض مع المجموعات الإثنية والعرقية الرئيسة في البلاد، فضلا عن المساعدات اللوجستية الإرشادية على طول الحدود.
4- ما أن بدأ الأمريكان مرحلة تنصيب حكومة جديدة للبلاد، أخذت تشعر بضغط الفصائل الجهادية وصلابتها، طرحت إيران نفسها – بلسان د. محسن رضائي، الأمين العام لمجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران، (في لقاء على الجزيرة)- كمُخَلِّص لأمريكا: "إن الخلاص منه (أي المستنقع الأفغاني) يجب أن يَمُرَّ عبر إيران, وإذا وصلت أميركا إلى طريق مسدود في أفغانستان، لابد وأن تحصل على طريق للخلاص من هذا الطريق المسدود, فإيران طريق جيد, وإيران يمكن بشتى الطرق أن تحُلَّ هذا الطريق, وتُخلِّصَ المنطقة من الأزمة الحالية, وتنتهي هذه الأزمة"...
5- نظرا للتعاون الإيراني المنقطع النظير في مرحلة تاريخية حرجة للولايات المتحدة, قام مكتب التخطيط السياسي الأميركي بإعداد تقرير في نهاية نوفمبر 2001، يقترح تبادلا للمعلومات وتنسيقا مشتركا على الحدود، خاصة أن إيران باستطاعتها تأمين معلومات استخبارية تكتيكية بشكل ممتاز؛ فنقلت الوكالات (15/3/2002) عن صحيفة "نَورُوز" الإيرانية، تأكيد نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني الإصلاحي، محسن أرمين، عن "وجود اتصالات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران, وأن هذه الاتصالات لطالما كانت قائمة في السنوات الماضية, وبحسب مصادر سياسية في إيران، تمت مثل هذه الاتصالات خلال الأشهر الماضية في عدد من الدول الأوروبية". وقبلها بقليل نقلت وسائل الإعلام (9/2/2002) عن رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، الرئيس الإيراني السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني قوله في خطبته بجامعة طهران: "إن القوات الإيرانية قاتلت طالبان, وساهمت في دَحرها, وإنه لو لم تُساعد قواتهم في قتال طالبان لغرق الأميركيون في المستنقع الأفغاني... يجب على أميركا أن تعلم أنه لولا الجيش الإيراني الشعبي ما استطاعت أميركا أنْ تُسْقط طالبان"..
6- أدارت إدارة المحافظين الجدد في البيت الأبيض ظهرها لإيران، فتبخرت كل خدماتها عندما وُضعت على لائحة "مِحوَر الشر"؛ وانعكس ذلك بشكل سلبي على القيادة الإيرانية، فأعلن آية الله علي خامنئي (المرشد الأعلى) في مايو 2002م، أن المفاوضات مع الولايات المتحدة أمر عديم الفائدة.
7- سنحت فرصة بإعادة اختبار الموقف الأميركي، الذي سيحتاج إيران في حربها المرتقبة على خصمها (صدام حسين), وإمكانية كسب صفقة مهمة مع الأميركيين على حساب العراق والمنطقة؛ وصدقت توقعاتها، ففي أواخر 2002 اجتمع السفير الأميركي في أفغانستان (زلماي خليل زاد) بمسؤولين إيرانيين في جينيف، طالبا المساعدة في نقطتين اثنتين مبدئيا: مساعدة إيران لأي طيار أمريكي تسقط طائرته في الأراضي الإيرانية خلال الهجوم على العراق، وعدم إدخال أي قوات أو ميليشيات إيرانية إلى العراق خلال الهجوم..
8- لتوجس إيران (الصائب) من نوايا الولايات المتحدة بعد سقوط العراق، وتفاديا لهذه النتيجة، طرحوا عقد "صفقة" مع الولايات المتحدة، وفي بداية 2003م، كانوا يمتلكون ثلاثة عناصر جديدة، تخولهم دفع أميركا للتفاوض، وهي: نفوذ ميليشياتهم وأحزابهم السياسية الكبيرة في عراق ما بعد صدام؛ وقلق الإدارة الأمريكية المتزايد من النووي الإيراني؛ ورغبة الأميركيين في استجواب عناصر تنظيم القاعدة، الذين قامت إيران باحتجازهم كرهائن في 2002م.
9- حصل مقترح الصفقة - ومسودتها الأولى- على موافقة مباشرة من القادة الإيرانيين، وعلى رأسهم المرشد الأعلى للجمهورية "علي خامنئي"، لكن إدارة بوش تباطأت في أخذه على محمل الجِد، معتبرة إياه مجرد "بالون اختبار" لابتزاز الولايات المتحدة مقابل الحصول على مكتسبات كبيرة جدا.. يقول غارثر بورتر([2]): "لقد عَرض الاقتراح الإيراني السري مجموعة مثيرة من التنازلات السياسية، التي ستقدم عليها إيران إذا تمت الموافقة على الصفقة الكبرى، وهو يتناول عددا من المواضيع منها: برنامجها النووي, سياستها تجاه إسرائيل, ومحاربة القاعدة... كما عرضت الوثيقة إنشاء ثلاث مجموعات عمل مشتركة أميركية-إيرانية بالتوازي، للتفاوض على خارطة طريق بخصوص ثلاثة مواضيع: أسلحة الدمار الشامل, الإرهاب، الأمن الإقليمي, والتعاون الاقتصادي...".
10-أهملت إدارة بوش النظر الجاد في الوثيقة السرية لسببين أساسيين: الأول: أن إيران منحت نفسها قدرا أكبر من الوزن والقوة والمكانة الإقليمية والدولية، عندما ساوت نفسها بالولايات المتحدة، وهو الأمر الذي ما كان يتم قبوله بالنسبة للاتحاد السوفيتي، فكيف بإيران!! وخاصة أن صقور الإدارة كانوا يرون أن الولايات المتحدة قادمة لتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط، بدءا من أفغانستان وليس انتهاء بالعراق، وقد يكون الدور على النظام الإيراني تاليا...
 
الثاني: وهو الأهم, أن المشكلة تكمن في المطلب الإيراني، بإعطائها الوصاية على الخليج، والاعتراف بها قوة شرعية؛ إذ إن الاستجابة لمثل هذا الطلب، يعني تحويل إيران إلى قوة عالمية تسيطر على نفط العالم عبر الخليج، وتتحكم بالممرات وعوامل القوة، وتبتز الآخرين متى تشاء, وهذا أمر مرفوض بتاتا في السياسة الأميركية، وخاصة أنها كانت قد حسمت أمرها في إخضاع منابع النفط لإشرافها مباشرة، لاسيما بعد تجربة الشاه وصدام، التي كادت أن تحوِّل هذين النظامين إلى قوة عالمية تتحكم بالدول العظمى.
11- امتعضت إيران من التصرف الأميركي -بعد تسريب العديد من السيناريوهات الرامية إلى إسقاطها عبر هجوم عسكري كبير- الذي لم يكافئها على دورها الإيجابي، فصرح محمد علي أبطحي (نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية آنذاك)، في ختام أعمال مؤتمر الخليج وتحديات المستقبل الذي نظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية بإمارة أبوظبي في 15/1/2004م، قائلا: "قدمنا الكثير من العون للأميركيين في حربيهم ضد أفغانستان والعراق...، ولولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة!!... لكننا بعد أفغانستان حصلنا على مكافأة وأصبحنا ضمن محور الشر, وبعد العراق نتعرض لهجمة إعلامية أميركية شرسة...".
12- كثـفت أمريكا اللعب بورقة النووي الإيراني (فترة إدارة بوش الثانية) وصعَّد جون بولتون (نائب وزير الخارجية لشؤون الرقابة على التسلح والأمن الدولي) جهوده في الأمم المتحدة لنقل الملف من وكالة الطاقة الذرية إلى مجلس الأمن، فأدركت إيران أن الولايات المتحدة تمتلك أوراق اللعبة في الشرق الأوسط، وأن هذا سيضعف الموقف الإيراني في أي مفاوضات مباشرة، وعليه قرر المرشد الأعلى للثورة الإيرانية إرجاء موضوع الوثيقة السرية إلى حين حصول تغييرات لصالح إيران، تمكنها من دخول أي مفاوضات مباشرة من موقع القوة, ومن أجل ذلك قام بالإيعاز إلى أجهزة الدولة الإيرانية من الباسيج و"الباسدران"، وحرس الثورة وعناصر حزب الله وأجهزة المخابرات والجيش، بالتصويت للمرشح الرئاسي أحمدي نجاد؛ لأن المرحلة تتطلب تصعيدا، وهاشمي رفسنجاني ليس رجل المرحلة، فدخلت إيران – منذ 2005- مرحلة التصعيد مع جيرانها ومع المنظومة الدولية، نتيجة لتشدد الرئيس الجديد.
 
التوقعات مع الإدارة الأمريكية الجديدة:
بسبب حماقات إدارة بوش المتتالية -عسكريا وسياسيا واقتصاديا- لم تعُد إيران مجردَ تهديد ينبغيمواجهته، بل تحولت إلى لاعب دولي يمكن إما أن يُلحقالأذى الشديد أو أن يدفع قُدُما أكثر الأهداف الإستراتيجية الحيوية؛ ولهذا السبب تحديدا يَرى المراقبون أن على الرئيس الأمريكي القادم أن يُغير جذريا سياسة بلاده تجاه إيران، واتِّباع نهجٍ إستراتيجي جديد تماما، وهذا يَعني إحياءَ المفاوضات على المقترح الإيراني السري، ووضع كل الخلافات بين البلدين على الطاولةفي وقت واحد، والاتفاق على حل لها كحُزمَة واحدة، بما يضمن للإيرانيين اليد العليا على المنطقة، وهذا ما يُفسر نشاط الدبلوماسية الإيرانية تجاه المنطقة الخليجية مؤخرا (نهاية أكتوبر 2008)، عبر زيارات د. علي لاريجاني رئيس البرلمان الإيراني، وإبرام حزَم من الاتفاقيات الاقتصادية والأمنية مع دول مجلس التعاون، في خطوة استباقية تضيف مزيدا من المكاسب الإستراتيجية لصالح إيران.
 
موقف إسرائيل من الوثيقة:
لم تكن الوثيقةَ الإيرانية مفاجئة للعديد من الأوساط الإسرائيلية البحثية؛ إذ إنهم يعرفون أن التهديدات الإيرانية لإسرائيل وإظهار العداء، أمرٌ مُصطنع مُوَجَّهٌ للاستهلاك المحلي (العالم الإسلامي)، بغرض كسب التعاطف والدعم, وليس أدل على ذلك من الرسائل التي تشير دائما إلى وجود علاقاتٍ سريةٍ وتعاونٍ بين إيران "الإسلامية" وإسرائيل "الصهيونية"([3]).
أهم مؤشرات التفاهمات على فرصة الإيرانية الذهبية (الوثيقة):
ولعل إعادة إحياء المبادرة العربية لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي من أهم المؤشرات في هذا السياق، فقبول إسرائيل العلني للمبادرة (أعلنها الرئيس شيمون بيريز الذي زار المنطقة في أكتوبر أيضا)، ومن ثم تصدر إيران (يُلاحظ هدوء في لغة خطاب الرئيس الإيراني ضد إسرائيل) بيانا ينص على أنه بحسب قرارات مجلسالأمن (242 و338 و1397)، فإنها لا تُعارض تسوية تفاوضيةً للصراع العربيالإسرائيلي، وأنها تؤيد مبادرة السلام العربية (حَلُّ الدولتين) التي تلتزم بالتطبيعمع إسرائيل بعد حَلِّ القضية الفلسطينية، كما ستبدأ تدريجيا رفع غطائها ودعمها عن الفصائل الفلسطينية الجهادية، وتحويل حزب الله وحماس إلى منظمتي مجتمع مدني، بمقابل منح ضماناتٍ أمنية أمريكية لطهران بعدم استخدام القوة لتغيير شكل الحكومة أو النظام القائم،وإلغاء العقوبات المفروضة عليها من جانب أمريكا أو المجتمع الدولي،والاعتراف بمكانة إيران في النظام الإقليمي والدولي([4]).
 
الفراغ العربي
الحقيقة التي أصبحت ظاهرة أن دول مجلس التعاون الخليجي عبارة عن دول مكشوفة سياسيا وعسكريا، فقرارها الإستراتيجي ليس بيدها سلما وحربا (الأمن القومي)، بل رسخ الفراغ العربي السياسي والعسكري النفوذ الإيراني في المنطقة بشكل كبير، فإيران بما تقدمه لحزب لله من دعم أوجدت لها دورا في المنطقة العربية؛ إذ أصبح الكلام الآن أن حزب الله هو امتدادٌ طبيعي لإيران، وما حدثَ في الجنوب اللبناني من انتكاسة إسرائيلية (الهراوة الأمريكية) مؤخرا أعطى إيران دفعة معنوية وإستراتيجية على المستوى العربي والإقليمي، فإذا شنت واشنطن حربا ضد إيران (وهو احتمال بعيد جدا) فإن الخاسر الوحيد في هذه الحرب هو دول الخليج، التي ستصطلي بتفوق أحد المشروعين: إما المشروع الأمريكي-الصهيوني أو مشروع النفوذ الإيراني الصفوي في المنطقة.
إن وجود مشروع إيراني فارسي إقليمي، لا يمكن إغفاله، استطاع جَرّ أمريكا، ومن ثَمَّ مساعدَتها إلى سَاحَتي أفغانستان والعراق، ونجحَ في وضعِ الجيش الأمريكي بين فكَي الكماشة في العراق، ثم استغل هذا الوضع وحرك أوراق ملفاته، ومنها ملفه النووي، ونجح أيضا في استقطاب محاور أخرى للاصطفاف معه عربيا، مثلما أمكنه صياغة علاقات إستراتيجية مع سوريا، واللعب بحرية تامة في الميدان العراقي، مستفيدا من حالتي التشرذم والفراغ العربيين، كما استطاع توظيف ورقة حزب الله ووضعه في خاصرة إسرائيل؛ ليستطيع بها ملاعبة أمريكا، التي ترقص على بأسها العسكري، وترزح تحت بؤسها السياسي، والضغط عليهم في الملفات الأخرى.
لقد أصبحت خلايا حزب الله اللبناني، مثالا ينتشر في العراق والبحرين والكويت، عن طريق التدريب العسكري والاستخباراتي، وقد سربت عدد من الجهات الصحافية أخبارا متنوعة عن هذا التوجه الإيراني، بتحويل "حزب الله" إلى ذراع عسكري واستخباراتي في المنطقة، فقد كشفت أجهزة استخبارية أوروبية في بروكسل (شهر نوفمبر 2008) أن استخبارات "حزب الله" وعناصر استخبارية تابعة "للحرس الثوري" الإيراني وعملاء للاستخبارات السورية في لبنان، قد شكلوا خلال الأشهر الأربعة الماضية خلايا استخبارية متحركة؛ لتصفية قادة تنظيمات أهل السنة في لبنان أو اعتقالهم على أقل تقدير.
وقالت صحيفة السياسة الكويتية([5]) التي نقلت الخبر:"إن تلك الخلايا مهمتها تعقب التنظيمات السلفية السُّنية في بيروت وطرابلس وصيدا والبقاع الغربي، وتصفية ما يمكن تصفيته من عناصرها وقادتها أو اعتقالهم وتسليمهم إلى السلطات اللبنانية، ...، القياديون البارزون منهم يجري نقلهم إلى دمشق أو طهران للتحقيق معهم وكشف خفاياهم وانتشارهم في لبنان وسوريا ودول عربية أخرى".
ونسبت الصحيفة إلى دبلوماسيٍّ خليجي في العاصمة البلجيكية أنه نقل عن جهات استخبارية أوروبية قولها: "إن نحو 200 من استخبارات الحرس الثوري الإيراني، المُجَرَّبين في العراق والبحرين ودولة الإمارات، وصلوا إلى لبنان عبر سوريا في أواخر يوليو الماضي، وباشروا إنشاء خلايا من استخبارات "حزب الله" و"حركة أمل" وعملاء للاستخبارات السورية من لبنانيين وسوريين"، بل أكدت الجهات الاستخبارية الأوروبية أنه "رغم أن دور هذه الخلايا الأساسي هو محاولة كشف الخلايا السنية في المدن اللبنانية الرئيسة وداخل المخيمات الفلسطينية، والجهات التي تؤويهم وتدعمهم بالمال والسلاح, إلا أن عملياتها (خلايا حزب الله والحرس الثوري والمخابرات السورية) المتوقعة قد تشمل الاغتيال والتطهير والتخريب".
إن المشروع الإيراني لملء الفراغ العربي حقيقة سياسية واقعة، ومن غير الموضوعية إنكارها أو التعامي عن نتائجها أو مظاهرها في دول المنطقة، فركائز هذا المشروع هي التحالف الإستراتيجي مع سوريا وحزب الله، بل المحاولات مستمرة لتطوير هذا التحالف ليشمل منظمات المقاومة الإسلامية في فلسطين (وهي التي لم تجد يدا عربية تمتد لها منذ الخيانات العربية الأولى في خمسينيات القرن الماضي)، ناهيك عن ركيزةٍ أساسية تعتمد اختراق العراق تماما، والسعي لفصل الجنوب عن الشمال والوسط، وصولا إلى سياسة اللعب بورقة "الأقليات الشيعية" في الخليج، التي تمَّ تدريب بعضها سياسيا وعسكريا في لبنان وإيران([6]).
 
ختـام
لا يجب أن تصنف هذه الرؤية ثلاثية الأبعاد على أنها ضد النظام الإيراني الحاكم، بقدر تصنيفها على أنها محاولة لفهم مُحركاته السياسية في المنطقة، المبنية – كما اتضح- على أسس عقائدية غنوصية، برصيد تاريخي ممتد إلى بداية القرن السادس الميلادي، كما لا تدعو هذه الدراسة إلى اعتبار الجمهورية الإسلامية الإيرانية عدوا، بل "قلقا" يمكن التعاطي معه بشروط خاصة، وربما احتواؤه بها؛ إذ النظام الإيراني يتميز ببراغماتية عالية، ومرونة واعية لمقتضيات مصالحه العقائدية في المقام الأول، والسياسية المنبثقة عن تلك العقائدية في المقام الثاني، ثم لابد من الأخذ بعين الاعتبار التراكم الثقافي والتاريخي المُختزن في العقلية الجمعية للنظام الإيراني، وخاصة مرجعيته، التي تتحرك بنبوءات تعتقد عصمتها، وتكفلت بشرحها وإسقاطها على الواقع، وبرؤية واضحة وبرنامج مُؤَصَّل، وتتخذ في سبيل تنفيذه كل الطرق والأدوات والطاقات التي تُؤمِّن قدرا عاليا من الانتفاع والتفوُّق؛ فالنظام بشقيه المرجعي والسياسي، مَسكون بعقيدة عودة "الغائب" على طريقتها، وترى في نفسها الدولةَ المؤهلة والوحيدة للتمهيد لمَقدَمه، وتوظِّف لأجله كل الإمكانيات الأيديولوجية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والتصنيعية، وترسم لنفسها موقعا مُتقدما في الخريطة الدولية بآلياته التي يَفهمها اللاعبون الكبار، وتتلوَّن بألوان مقتضيات السياسة الدولية، وتلعب بكل الأوراق المُتَعارَف عليها في منظمات الضغط السياسي.
إنه من المؤسف حقا أن يُصنِّف النظامُ الإيراني جيرانَه – شعوبا وحكومات- على أنهم العدو التقليدي، بحكم أنهم "نواصب" أو "وهابية"، ويرفع في وجههم شعارات تزيد من الشحن المذهبي، وهذا تقليد دأبت عليه الحكومات المتعاقبة الإيرانية، لكن لا يجب أن تؤخذ هذه الدعاية الإعلامية على عواهنها، فتلك تكتيكات السياسة، وأدوات اللعب ذات الحدين، التي تعود بالضرر على النظام الإيراني نفسه في أحيان كثيرة، كما حدث مع رئيس رابطة علماء المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي نهاية العام 2008م، بل من المؤكد أن أصواتا تختلف مع هذه الأجندة المأزومة في ظاهرها؛ وخاصة بعد أن تبيّن عمليا أن الغرب لن يرضى عن النظام الإيراني حتى لو خرج عن جلده، وقدّم الدعم والإسناد اللوجستي والاستخباراتي للجيوش التي احتلت جيرانه (أفغانستان والعراق)(54)، وعلى العقلاء من جيران إيران -السياسيين والمثقفين والعلماء- استغلال الفرصة لدعم هذا التوجه الرشيد، وعدم الانجرار وراء حمام الدم المذهبي الذي تحاول القوى المُتَصهيّنة، وبعض المهووسين بالثأر الكربلائي أو العملاء المأجورين، دفع شعوب المنطقة -قبل حكوماتها- للقفز فيه، وتحويل منطقة ما يُعرف بالشرق الأوسط إلى مقاطعات (=كنتونات) مذهبية متصارعة، ترسم بالدم حدودها المصطنعة.
ومن المحزن حقا أن يبقى الحال طيلةَ قرون مضت على النحو الذي دخل فيه الأسطول البرتغالي؛ فعلى شرق بحر الخليج هناك دولةٌ عظيمةُ المساحة الجغرافية من الشمال إلى الجنوب، تشكل أمةً وقيادة وتوجُّها عقائديا وسياسيا واحدا، في مقابل مجموعات من دويلات صغيرة الحجم والأثر على الضفة الغربية من بحر الخليج، تختلف أكثر مما تتفق، وقد أخفقت مشاريع وحدتها إلا من المظاهر البروتوكولية، وتَخَلَّف خطابها السياسي وثقلُها العسكري عن التناغم مع طريقة اللعب والكاريزما الإيرانية إقليميا ودوليا.
وبالميزان التاريخي، فالقوى المتصارعة على ضفتي الخليج تُعيد تحالفات الجاهلية مرة أخرى، ولكن بأساليب مغايرة، فبالأمس كانت تحالفات العرب تميل بحسب مَيَلان ميزان القوى على الأرض أو بحسب المَيل الديني، فـ"المناذرة" العرب الوثنيون في شمال شرق الجزيرة كانوا ضمن حِلف الفرس، و"الغساسنة" العرب النصارى في شمال غرب الجزيرة ضمن حلف الروم؛ واليوم تُعيد الأحلاف السياسية الذاكرةَ إلى الوراء؛ إذ تتحالف القوى السياسية الرسمية "العربية" السُّنية مع الروم المعاصرين، وتتحالف التكتلات الرسمية والشعبية الشيعية مع الفرس، في سيناريو قديم جديد، لايزال يُثير النعرات والأحقاد، بل الدماء والتشظّي المؤلم في لُحمة الأمة الإسلامية، وفي قلبها الجغرافي: الجزيرة العربية.
إن دول الضفة الغربية من بحر الخليج خاصة، ترزح تحت وطأة مشكلات اجتماعية وثقافية متعلقة بالهوية الثقافية المتصارعة بين البداوة والحضارة، أفرزتها حالة الاستعمار الأجنبي أولا، ثم نشوء ظاهرة ترف النفط غير المسبوقة في التاريخ؛ التي أفرزت اضراباتٍ خلخلت التركيبةَ المجتمعيةَ -المتعارف عليها منذ القدم-بين الحاكم والمحكوم، وأحدثت فوضى تحديدِ أدوار العلاقة في حال الأمن وحال الاضراب؛ ترجع في أصولها إلى غياب المفهوم الذي يَبني هذه العلاقة ويُحركها كأمةٍ واحدة، وحدوث هوَّة آخذة في الاتساع بين الشعوب وقياداتها، وهذه - في حقيقة الأمر- تُشكل خطورةً قصوى على شرعيةِ الأنظمة استمرارا ووجودا، وهو الشرخ الذي تدخل منه أي قوة لها مشروعها الذي يُعيد تشكيل القناعات والمواقف والولاءات؛ مما يُلجئ الحكوماتِ إلى تأمين شرعيتها أمنيا وإعلاميا؛ فتتحول الدولة إلى عشيرةِ مُمَانعة هَشة لا مَنَعَةٍ واقية.
هناك اعترافٌ - بل قناعة- بوجود تأزم سياسي ومذهبي على ضفتي بحر الخليج، لكن لم تُحدد طبيعة هذا التأزيم، وهل هو إلى التصاعد أم إلى التلاشي أقرب؛ لكن الأخطر من هذه المسألة أن الطرف الغربي على بحر الخليج (دول مجلس التعاون) لم يُحدد موقعه من هذه المعادلة، هل هو في طور الوقوف بوجهه وفرض توازن الرعب، أم أنه يفضل عدم المواجهة (وهو الراجح)، لعدم تملكه القرار الإستراتيجي وانكشاف أمنه القومي لكل لاعب غيره، وفي كلا الخيارين عليه أن يحدد آليات التعاطي الإستراتيجية والتكتيكية.
إن هذه الدول منكشفة تماما أمام أمة عقائدية، تعتقد أنها تُمهّد لمقدم قائد عسكري أعلى، يناصب العرب العداء؛ وظيفته الأولى تطهير كل المعارضين للأئمة الإثني عشر وشيعتهم، فلن يخرج لاستتابة أحد أو التحاور معه، بل سيعتمد الوصيةَ التي جاءته عن جده رسول الله: "اقتل ثم اقتل ولا تستتيبنَّ أحدا"، فلن يعطيهم أي خيارات غير "السيف هرجا هرجا"([7]).
أليس يُرفع شعارٌ يتكرر في كل عام مرة أو مرتين، في كل مناطق الخليج العربي، بصورة متخيَّلة للإمام الحسين إما على حصانه أو صريعا مُضرَّجا بدمائه، وعليه عبارة: "يالثارات الحسين"، فعلى تلك الدول وشعوبها أن تتساءل: من هو صاحب الدم؟ وممن سيكون الثأر؟
إن هذه الدراسة محاولة متواضعة لفهم ثلاثي الأبعاد للمحركات السياسية الإيرانية: عقائديا وتاريخيا ومصلحيا، يمكن بها رسم الصورة في إطارها الشمولي، بعيدا عن التجزيئية أو الانتقائية التي لا تزيد الوضع المعرفي أو التحليلي إلا تعقيدا، يصلح أن تكون مقدمة لتحرك مبني على أسس متوازنة لا تقف عند المظاهر، وتنفذ إلى الدوافع الحقيقية، وستبقى قاصرة على الأمل المنشود، أو العاطفة الجوفاء، دون تضافر الجهود المؤسسية لكافة دول مجلس التعاون، لخلق توازن ومنعة مبنية على أصول معرفية شاملة.
 
 

[1]) انظر سيرة علي خامنئي على موسوعةwww.wikipedia.com
[2]) وهو مؤرخ وصحافي متخصص في الكتابة عن السياسة الأميركية تجاه إيران, ويبدي تعاطفا شديدا تجاهها، وانتقادا لاذعا للإدارة الأميركية لعدم التعاون معها وتنمية العلاقات المشتركة للبلدين, وهو أحد القلائل الذين اطلعوا شخصيا على الوثيقة، إلى جانب المتخصص في السياسة الخارجية الإيرانية في جامعة جون هوبكنز للعلاقات الدولية المتقدمة، تريتا بارسي.
[3]) يقول إفرايم كام، وهو أحد أشهر الخبراء في مجال الاستخبارات، والباحث في مركز جافي للدراسات الإستراتيجية في جامعة تل أبيب, في دراسة له أعدها بتكليف من وزارة الدفاع الإسرائيلية: "إن إيران من الناحية العملية، لا تعتبر إسرائيل العدو الأول لها، ولا حتى الأكثر أهمية من بين أعدائها... وعلى الرغم من الخطاب السياسي الإيراني المناكف لإسرائيل إعلاميا, إلا أن الاعتبارات التي تحكم الإستراتيجية الإيرانية، ترتبط بمصالحها ووضعها في الخليج وليس بعدائها لإسرائيل, وهي تبدي حساسية كبيرة لما يجري في دول الجوار "؛ ونقل معهد Omedia البحثي الإسرائيلي، في تقرير مهم له بعنوان "إيران بحاجة إلى إسرائيل"، للباحث زيو مائور، ما يلي: "إن إيران لا تشكل أي خطر على إسرائيل ولا تريد تدميرها, بل هي في حاجة لإسرائيل وتعتبرها مكسبا إستراتيجيا مهما حتى تظل قوة عظمى في المنطقة،...، وهي تستغل وتستخدم إسرائيل كذريعة لتحقيق أهدافها، ولدعم مكانتها الإقليمية، ولنشر مبادئ الثورة الإيرانية تحت شعار معاداة إسرائيل،...، وأما التصريحات الدعائية الإيرانية ضد الولايات المتحدة الأميركية، فهي من باب الاستهلاك الإعلامي فقط..."
[4]) نشرت صحيفة أخبار الخليج البحرينية في 3/11/2008، مقالا مطولا ، علق فيه الكاتب سيد زهرة على هذه الصفقة بأن موافقة الإدارة الأمريكية على الصيغة الإيرانية المقترحة صعبة المنال؛ نظرا إلى أن الرغبة الإيرانية متفق عليها بين صناع القرار، لكن الأمر يختلف بالنسبة للإدارة الأمريكية، بتياراتها وتوجهاتها اليمينية واليسارية، ويختم بالقول: "على الأرجح من الممكن أن تجرب الإدارة القادمة فتح حوار مع إيران علىمستوى محدود من المسؤولين. أما التوصل إلى صفقة كبرى بالشكل والمضمون اللذينتتصورهما إيران، فهو من أصعب الأمور؛ ببساطة لأن الثمن الذي تطلبه إيران هو ثمنفادح لا يمكن لأي إدارة امريكية أن تدفعه..."، ويقترح عوضا عن ذلك على الحكومات الخليجية أن يكون لها دور المبادرة في أن يكون لها مقعد في هذا الحوار إن حصل: "اذا طرح مستقبلا وبشكل جدي التفاوض بين أمريكا وإيران، فإن دول الخليج العربية يجبأن تصر على أن تشارك في أي حوار أو أي تفاوض؛ ذلك أن الأمر هنا لا يتعلق بعلاقاتثنائية فقط بين أمريكا وإيران، وإنما يتعلق بأمن ومستقبل المنطقة كلها، وليس مقبولابأي حال أي حديث أو تفاوض في أي إطار عن مستقبل المنطقة في غياب الدول العربية".
[5]) يوم الأحد 23 نوفمبر 2008م
[6]) كشف وزير داخلية مملكة البحرين مؤخرا عن خلية إرهابية شيعية، مكونة من 14 عنصرا، أحدهم عنصر من وزارة الداخلية، تم تدريبهم في إيران وسوريا، كانت تنوي تنفيذ أعمال إرهابية نوعية وتفجيرات تتزامن مع احتفاليات عيدها الوطني (في 16 ديسمبر 2008). صحيفة أخبار الخليج/ الأحد 28 ديسمبر 2008، كما نشرت الخبر كل الصحف البحرينية.
54) فتحت إيران مجالها الجوي مدة شهرين ونصف لدك أفغانستان عام 2002، ونسَّقت مع المخابرات الأمريكية طرائق التعامل مع الميلشيات الموالية لها في الداخل، كما حمت قوات بدر الموالية والمدعومة من إيران ظهر القوات الأمريكية في أثناء تقدمها إلى بغداد عام 2003م، وكان التنسيق على الأرض يسير على قدم وساق بين أمريكا وإيران.
[7]) وهرجا هرجا، أي: قتلا قتلا. ويعلق الكوراني في تبرير أحاديث الإسراف والقسوة في قتل العرب بالقول: "لكنها في الواقع عملية جراحية ضرورية لتطهير مجتمع المسلمين ومجتمعات العالم من الطغاة والظالمين، وبدونها لا يمكن إنهاء الظلم من على وجه الأرض، وإقامة العدل خالصا كاملا، ولا القضاء على أسباب المؤامرات الجديدة التي سيقوم بها بقاياهم فيما لو استعمل الإمام معهم سياسة اللين والعفو؛ فالظالمون في مجتمعات العالم كالغصون اليابسة، بل كالغدة السرطانية لابد من استئصالها من أجل نجاة المريض مهما كلف الأمر." عصر الظهور/256. وبهدا المنطق يمكن للأمة كلها أن تلوم رسول الله ذاته على تركه المنافقين، وتلوم الخلفاء الراشدين على عدم مواصلة قتال أهل الردة، وتلوم كل أشكال التوازن الحضاري مع الخصوم التي انتهجتها الأمة ضد أعدائها، ومنهم الشيعة أنفسهم من وقت ظهورهم زمن علي بن أبي طالب وادعائهم ألوهيته.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: