لماذا حزب الله في مصر؟
علي حسين باكير*
بعيدا عن الادّعاءات الساذجة والشعبوية من انّ وجود حزب الله في مصر وعمله على الأراضي المصرية متعلّق بدعم الفلسطينيين، لا بدّ لنا من انّ ننظر إلى الأبعاد الإستراتيجية لتواجد حزب الله في مصر وأيضا من زاوية الصراع الإقليمي على النفوذ في المنطقة ووظيفة حزب الله الدائمة كرافعة للدور الإيراني وهو الأمر الذي لم يعد خافيا على احد.
يغفل كثيرون عن النتائج الإستراتيجية لحرب تموز 2006 التي قامت بها إسرائيل في لبنان وعن التداعيات التي خلّفتها على المستوى المحلي والإقليمي، فقد غطّت السحب الدخانية التي تركتها طبول الانتصار الإلهي لحزب الله على إسرائيل على هذه التداعيات بحيث فشل عدد كبير عن رؤية الإطار الواضح لهذه التداعيات التي توارت خلف مكبرات "النصر الإلهي".
لقد غيّرت حرب تموز جزءا من قواعد اللعبة التي كانت سارية المفاعيل حتى حينه بين إسرائيل وحزب الله، صحيح أنّ الحزب كان يشكّل تهديدا في مكان ما بحجم ما لإسرائيل، لكنّه في المقابل كان يشكّل سدّا منيعا أمام الفوضى على الحدود الإسرائيلية- اللبنانية والتي تشكّل العنصر الأكثر خطورة على إسرائيل من أي طرف كان في ظل ضعف الدولة اللبنانية ومؤسساتها السيادية.
وقد اعترف بطبيعة هذا الدور لحزب الله على الحدود: العديد من القادة الإسرائيليين الرفيعي المستوى، وأيضا أول أمين عام لحزب الله، صبحي الطفيلي (يمكن مراجعة كتاب: حزب الله تحت المجهر .. رؤية شمولية مغايرة للعلاقة مع إيران وإسرائيل)([1])، ولا داعي لأن نؤكد ذلك أصلا في ظل الممارسات على أرض الواقع حيث كان يصار إلى اعتقال وتحويل كل من يريد مقاومة إسرائيل في هذه المنطقة من دون المرور بحزب الله إلى المخابرات السورية ليسجن ويعذّب ويعاقب على نيّته "مقاومة إسرائيل"!!.
وعندما تضخّم حجم حزب الله الوظيفي على الحدود مع إسرائيل ودوره العضوي كرافعة إقليمية لإيران، قررت إسرائيل استغلال "قضية خطف جنودها" من اجل تغيير قواعد اللعبة، وقد نجحت في إبعاد حزب الله عن الحدود حتى الليطاني وتمّ نشر قوات اليونيفيل في الداخل اللبناني على الحدود مع إسرائيل وتمّ تكبيل حزب الله بمفاعيل القرار 1701 الذي اضطر إلى الموافقة عليه نتيجة لدمار بيئته الشيعية الحاضنة له وكافة البنى التحتية التي يرتكز إليها في الحرب.
ونتيجة لذلك أقفلت الجبهة مع إسرائيل، وانتهى دور حزب الله الخارجي في الحدود معها وبالتالي فقد حزب الله دوره الوظيفي الأساسي كرافعة لإيران وسوريا في مواجهة إسرائيل عبر الجبهة اللبنانية، فالجبهة مغلقة والدور معطّل. وقد ادّى هذا التغيّر الاستراتيجي الذي طرأ على وضع ودور حزب الله إلى توجهه نحو الداخل اللبناني، فانخرط بقوّة غير مسبوقة وعمل بطرق لا تختلف عن الطرق التي استعملها ضد إسرائيل في محاولة منه لاسترجاع الوضع الذي كان عليها قبل حرب 2006، عبر انقلاب داخلي يتيح له ولحلفائه الإحكام على مراكز صنع القرار اللبناني المؤثرة على أمل أن يؤدي ذلك مستقبلا إلى تغيير شيء من الواقع الذي أفرزته الحرب.
كان الحزب يريد التقاط أنفاسه وإعادة بناء ما تدمر في حرب 2006، ولذلك فهو أعطى إسرائيل وعدا بعدم خوض حرب معها من خلال تأكيده أن لا جولة ثانية من الحرب مع إسرائيل خلال مقابلة أمينه العام حسن نصر الله التلفزيونية على تلفزيون الجديد في 27/8/2006 والتي قال فيها: "لسنا متوجهين إلى جولة ثانية من الحرب مع اسرائيل" (ولاحظوا صيغة الجمع في الخطاب حيث لا يقصد انّ إسرائيل لا تريد حربا اخرى بل هو أيضا لا يريد)، وعمل في نفس الوقت على الداخل اللبناني محاولا عكس مفاعيل القرار 1701 وما قام بالالتزام به تجاه الدولة اللبنانية في ظل الحرب.
ورغم أنّ الحزب فشل مع حلفائه عبر الفوضى الخلاقة التي قام بها في الداخل اللبناني وعبر الاعتصامات والتظاهرات والتعطيل والعرقلة وإقفال المجلس النيابي وقيام حلفائه المعروفين بسلسلة عمليات اغتيال سياسية واستخدامه لسلاحه في الداخل اللبناني بشكل بشع وفظ لا يختلف عما سبق لإسرائيل أن فعلته من تحقيق هذه الأهداف، الاّ أنّه نجح في وضع نفسه على السكّة الصحيحة للقيام بذلك بعد الانتخابات المقبلة.
فحسابات الحزب تقول أنّه حال نجاحه وحلفائه في ضمان الأكثرية النيابية المقبلة فسيضع أهدافه موضع التنفيذ الفعلي دون أية عواقب، أمّا في حال فشل في حيازة الأغلبية فهو يبقى قادرا على تكرار ما فعله سابقا ومنع الأكثرية من ممارسة سلطتها وبالتالي عرقلة تحركها وضمان الحد الأدنى من مطالبه.
لم ينتظر الحزب حتى حصول الانتخابات للبدء بمرحلة جديدة، وتوارت إسرائيل عن واجهة خطاباته في هذه المرحلة الممتدة بين حرب تموز 2006 والعدوان الإسرائيلي على غزة في عام 2008، حتى أنّ الحزب لم يخش أن تستغل إسرائيل انخراطه في الداخل اللبناني وتقوم بحرب ثانية عليه تقضي عليه نهائيا في الوقت الذي يكون هو يحارب الأطراف اللبنانية الداخلية حيث لن يكون التضامن معه مضمونا.
وتمّ استبدال إسرائيل بالدول العربية، حيث تركّز هجوم حزب الله خلال هذه الفترة على الدول العربية ولاسيما مصر. ولم يأت ذلك بطبيعة الحال باجتهاد ذاتي من الحزب نفسه، وإنما بناءً على توجيهات إيرانية كانت ترى أنّه في ظل إقفال الجبهة اللبنانية مع إسرائيل، يمكن استخدام حزب الله كرافعة إيرانية في وجه الدول العربية هذه المرّة ولاسيما مصر والسعودية.
ولمّا كانت المواجهة مع السعودية تنطوي على مخاطر كبيرة لاسيما فيما يتعلق بموضوع الحساسية السنّية – الشيعية، حيث كان باستطاعة السعودية في حال أرادت إيران المواجهة عبر حزب الله أن تستخدم هذا الموضوع للإضرار بموقع الأقليات الشيعية في العالم العربي والإسلامي، وكان ذلك لينعكس بشكل مؤثر على موقع إيران وحجمها الإقليمي. لذلك اختارت إيران مواجهة مصر عبر حزب الله. وقد كانت المقومات التي يمتلكها حزب الله تؤهله للعب هذا الدور خاصة في ظل انغلاق الجبهة اللبنانية مع إسرائيل، وكانت حجّة المقاومة جاهزة وامتدادات حزب الله الإقليمية موجودة وبالتالي لا ينقص الاّ اتخاذ القرار السياسي.
وجاء جهد حزب الله في العمل بالداخل المصري مترافقا مع حملة إيرانية شنّتها طهران على القاهرة وتمّ استخدام مختلف الوسائل المتاحة فيها لمحاصرة مصر وتحجيم نفوذها الاقليمي الى اقصى حد ممكن قبل الشروع في مفاوضات ايرانية- أمريكية تمهّد الطريق لطهران لتسيد المحيط العربي والشرق أوسطي.
وبدأت الحملة الايرانية على مصر بشكل فج منذ سنوات عبر محاولات تغلغل تحت ستار "العتبات المقدّسة الشيعية في مصر"، وقد نظّمت حملة مطالب عبر صحف إيرانية ناطقة باسم الحكومة تطالب بتعيين الشيعة لإدارتها، كما جنّدت عددا من المرتزقة الصحفيين الذين أخذوا يقوّضون الأمن الاجتماعي بالغمز واللمز لعقيدة المسلمين والطعن في عائشة ومعاوية وإثارة القلائل والبلبلات ثمّ انتقلت إلى ركب موجة المقاومة في محاولة لاستغلال تعاطف الإخوان المسلمين الذين تشدّهم العاطفة كثيرا كما شرائح أخرى من المجتمع المصري، ثم انتقلت بعد ذلك لحملة تجنيد إعلامية لصالحها في الداخل المصري لدرجة وصلت الى أنّ بعض الصحف المصرية المخترقة كانت تسمح بانتقاد الرئيس علنا لكنها لا تسمح بتناول الخامنئي بكلمة!! وقصة الصحفي المصري فراج إسماعيل وجريدة الدستور معروفة.
ارتقت ايران بعد ذلك سلّم التخريب الديبلوماسي حيث قوّضت الجهد المصري في غزّة وأصدرت أيضا فيلم "34 طلقة للفرعون" والذي اثار سخط المصريين، عمدت المخابرات الإيرانية بعدها إلى تنظيم التظاهرات ضد مقر البعثة الديبلوماسية المصرية في إيران، وبلغت الأمور ذروتها وتخطت حدودها الحمر في الحرب الإسرائيلية على غزّة، حيث قررت إيران استخدام حزب الله بدلا من أن تقوم هي بذلك، وهذا لأنه سيكون من الأسهل النيل من مصر عبر حزب الله مستغلّة مسألة المقاومة وتحت شعار دعم الفلسطينيين وذلك بغرض إثارة الانشقاق في صفوف المصريين على المستوى الشعبي وإحداث حرج وضغط على القيادة السياسة "تحت ذريعة انها تحاكم من يدعم المقاومة" وهو الأمر الذي سيختلف في حال كانت الخليّة إيرانية صرفة. وادعاء أنّ حزب الله هنا كان يعمل على مساعدة الفلسطينيين مسألة فيها تضليل كبير وضخم، وهو ما سنوضّحه في مقال مستقل لاحقا.
باحث في العلاقات الدولية من لبنان.*
1- وهو الكتاب الثاني في سلسلة كتب الراصد، يتوفر على الرابط التالي
: http://alrased.net/_files/باكير%20نهائي.pdf