أهل السنة في البحرين
(1) بين العجز الرسمي والتشتت الشعبي
د. فاروق الشمري - خاص بالراصد
مقدمة:
أتاح المشروع الإصلاحي الذي دشنه ملك مملكة البحرين في فبراير 2001م بالتصديق على ميثاق العمل الوطني، وما أعقبه من تعديل دستوري وإعلان البلاد مملكة دستورية في فبراير 2002م، الفرصة أمام كافة التيارات الفكرية والسياسية البحرينية لممارسة نشاطها بشكل علني، والتعبير عن طموحاتها عبر المؤسسات المختلفة التي ظهرت كنتاج للإصلاح السياسي والاقتصادي الذي يشهده النظام السياسي البحريني.
إلا إن هذه الفرصة أثارت العديد من التحديات داخل المجتمع البحريني، وأخطر هذه التحديات هو بروز الصراع الطائفي بين السنة من جهة، والطائفة الشيعية من جهة أخرى، ويعود هذا الصراع إلى وجود أجندة غير معلنة لدى تيارات شيعية صفوية تسعى إلى السيطرة على كامل المجتمع البحريني، وقد تمتد طموحاتها لتولي مقاليد الحكم في البلاد.
وتزامن كل ذلك مع المتغيرات التاريخية التي تشهدها منطقة الخليج العربي من سقوط النظام العراقي السابق، وتمكن الشيعة من السيطرة على الحكم في العراق بدعم من الإدارة الأمريكية وحلفائها، وهو ما تزامن مع هزيمة التيار الإصلاحي في إيران في الانتخابات التشريعية التي أجريت في فبراير 2004م وسيطرة التيار المحافظ المتطرف، ثم هيمنته على مؤسسة الرئاسة بعد تولي الرئيس محمود أحمد نجاد مقاليد السلطة في طهران خلال شهر يوليو 2005م.
من هنا فإن تهميش السنّة وتراجع دورهم في البحرين هو جزء من مشكلة إقليمية أكبر، حيث يواجه أبناء الطائفة السنية في العراق المشكلة نفسها، مما يعني أن ثمة علاقة واضحة بين تهميش السّنة في بلدان الخليج، وتهميشهم في البحرين تحديداً. وبالتالي فإن هناك تحدياً خطيراً يواجهه المجتمع البحريني مع تزايد دور الشيعة وتراجع دور السّنة في النظام السياسي البحريني، خصوصاً وأن المشكلة تتعلق بالأمن الوطني للبلاد، واحتمال تغيير نظامها السياسي على المدى الطويل من خلال العلاقات القائمة بين شيعة البحرين، وكل من الشيعة في لبنان والعراق والمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية والكويت، والتي أطلق عليها ملك الأردن، عبدالله الثاني، اسم الهلال الشيعي ([1]).
أبعاد الخطر الصفوي على مملكة البحرين:
نستطيع أن نُجملّ الخطر الصفوي على مملكة البحرين في النقاط الآتية:
1 ـ إسقاط حكم آل خليفة.. (السُّني).
2 ـ إقامة نظام شيعي موالٍ للنظام الثوري الخميني في إيران.
3 ـ التخلي عن عضوية مجلس التعاون الخليجي، والارتباط بالجمهورية الإيرانية.([2])
4 ـ طرد أهل السنة من البلاد، أو تشييعهم بالقوة.
5 ـ جعل البحرين منطلقاً لتشييع بقية دول الخليج العربية، وإقامة دولة (البحرين الكبرى) الرافضية الصفوية.
هذه الأهداف الخمسة، هي ما تهدف إليها التيارات الصفوية في البحرين ومنطقة الخليج، وقد أعلن المدعو ياسر الحبيب، (الكويتي الهارب إلى لندن) عن بعض أهداف التيار الصفوي لصحيفة (الوطن) الكويتية، فقال: "تؤمن جماعة خُدام المهدي بفكرة (البحرين الكبرى)، وتنطلق جهودها الحركية بالعمل على إقامة هذا الإقليم. وفي هذا الصدد يقول ياسر الحبيب أيضا: لا شك أن أعادة مجد البحرين الكبرى، وذات الحكم الشيعي الممتد يشمل البحرين وساحل الخليج بدءاً من الكويت شمالاً وحتى جنوب عُمان هو بلا شك سيضيف وزناً عظيماً للخارطة الشيعية العالمية، وقد يكون هذا صعباً لكنه ليس مستحيلاً إذا علت الهمة، ولا أقل من تطبيق الربط الثقافي والبرمجة الفكرية والسياسية بين هذه الأوصال الشيعية المقطعة).([3])
ولا شك أن الصفوية الجديدة في البحرين تسعى بكل جد واجتهاد لتحقيق هذه الأهداف الخطيرة على مستقبل البحرين وأهلها.
كيف واجهت الدولة في مملكة البحرين هذا الخطر الصفوي؟
من أسفٍ أن مملكة البحرين وحكومتها ومؤسساتها المختلفة، اقتصرت في مواجهتها للخطر الصفوي على الجانب (الأمني).. والأمني فقط.. دون سائر المواجهات الضرورية الأخرى.
فمنذ قيام ثورة الخميني ونجاحها في الوصول إلى مقاليد الحكم والسلطة في إيران سنة 1979م، وامتداد خطرها إلى مملكة البحرين، والدولة في البحرين تواجه هذه الأخطار الصفوية بالأساليب الأمنية التي لا تقضي على أصل المشكلة أو تنهيها، وإنما تُسكتها.. وتُسكنها لفترة قصيرة ثم تبرز المشكلة من جديد.
فالأساليب الأمنية ـ وحدها ـ لا تكفي لمواجهة الأخطار الصفوية الرافضية (المتجددة) وعلى كل الأصعدة. فقد تغلغل الصفويون في كل مفاصل الدولة باعتراف شيخهم (علي أحمد سلمان) في قناة أبو طبي الفضائية عام 2006م.
نعم.. استطاعت الصفوية الجديدة التغلغل والامتداد لكل مفاصل الدولة وشرايينها ومؤسساتها.. بل وحتى لمؤسسات الدولة الأمنية ذاتها، من مثل الجيش والشرطة والحرس الوطني، إضافة إلى سيطرتها على (التعليم) و (الاقتصاد) و (الزراعة) و (الاتصالات) إلى آخره.
كما أصبحت المآتم و (الحسينيات) بأعداد ضخمة جداً حيث عدد المرخص منها بشكل رسمي (1122) حسينية! أما غير المرخص بصورة رسمية فحوالي (5000) مأتم وحسينية!! وهي تعد مراكز وبؤر تَهديد فعلي للدولة ولنظام الحكم السنّي في البحرين. فهذه الحسينيات مراكز (تحريض) دائم على الدولة، فمنها تخرج المظاهرات والاعتصامات، ومنها توزع المنشورات، وفيها يُخزن السلاح، كما لاحظت ذلك وكتبت عنه الكاتبة الشيعية (سميرة رجب).([4])
تعرضت الصفوية الجديدة في البحرين لضربات أمنية عديدة منذ السبعينيات، ولكن كل هذه الضربات لم تقض عليها، لأنها تغلغلت في مفاصل الدولة، كما قال الشيخ (علي أحمد سلمان).
أسباب عجز الدولة.. ومظاهره..
تعددت أسباب عجز الدولة في التصدي للخطر الصفوي الجديد، منها على سبيل المثال وليس الحصر:
أوّلاً: عدم وجود خطة استراتيجية مكافئة وقديرة وشاملة لمواجهة الخطط الصفوية.
ثانياً: السماح للصفويين الجدد بالتغلغل في مؤسسات الدولة ومراكز صنع القرار فيها.
ثالثاً: تجنيس أعداد ضخمة من الشيعة من إيران، والسعودية والعراق، في فترة الأربعينيات والخمسينيات والستينيات والسبعينيات والثمانينيات. وتفريغ البلاد من القبائل والعشائر العربية السنية، مما جعل الساحة البحرينية خلواً للعناصر الشيعية الرافضية تفعل ما تشاء طوال هذه العقود، وهي العناصر التي اعتمدت عليها الدولة في وزاراتها ومؤسساتها المختلفة و لم تظهر.. ولم تعرف الدولة خطورتها إلا في عام 1981، عندما قامت الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين بالإعداد والتخطيط لعملية انقلاب عسكرية.([5])
رابعاً: لم تستفد الدولة ولا المسؤولون فيها من النصائح الكثيرة التي قدمها المخلصون من أهل السنّة والجماعة في البحرين بضرورة التصدي لهذا الخطر الصفوي الداهم.. والقائم والذي يسعى لتقويض نظام الحكم، فكل صيحات (النصح) ذهبت أدراج الرياح.
خامساً: استخدمت الصفوية الجديدة (التقية السياسية) مع رجالات الحكم في البحرين لطمئنتهم.. وفي الوقت ذاته تسعى لإهلاكهم وإسقاطهم، وقد نجحت هذه السياسة المتلوّنه لحدٍ بعيد.
سادساً: لا تملك الدولة مشروعاً متطوراً للنهوض بالجبهة السنُّية في البلاد.
سابعاً: الخوف الدائم من (إيران)، والذي انعكس بدوره على سياسة الإرضاء.. والاسترضاء لكسب ودّ الرافضة.. والصفوية الجديدة وطابورها الخامس، حتى وصلت هذه السياسة إلى الافراج عن (القتلة).. والإرهابين، وتعويضهم مادياً ومعنوياً... مما جعل كاتباً صحفياً يقول: (أن يستمر أقطاب الحكم وأطرافه وأصحاب القرار في.. المملكة، بتوالي اللقاءات وتقديم الهبات والعروض والمناصب والمسئوليات على أشخاص يقال عنهم في العلن إنهم "زعماء الفتنة والتحريض" فيما يتم اللقاء معهم والتودد إليهم في السر بعرض العطايا والأموال والأراضي والفلل والمناصب العليا العامة (كنائب محافظ أو وزير أو غيرها من المناصب العامة)، فهذا تأكيد بأن أصحاب القرار والحكم في... المملكة يعتبرون الشعب... مجرد (ساسان ديفة)... كلمة هندية معناها الأدوات والأغراض أو الأشخاص العالطة والمعطلة ـ .... إن كان من يحرض على القتل والتحريض والتخريب وقلب نظام الحكم يكون ثوابه اليوم اللقاء معكم والجلوس عندكم واستلام العطايا والمناصب منكم... إن ما تقومون به أثار التساؤلات والاستفهامات والاستغرابات، مما يجعل بعض الشعب مضطراً لأن يطالب بإعادة ترتيب البيت والمستقبل بكم أو حتى بدونكم..!!).([6]) اهـ.
ولعل هذا الأمر (الخوف) من إيران أحد الأسباب الرئيسة التي تجعل أصحاب القرار في البحرين، من ملك ورئيس وزراء وولي عهد يعجزون عن اتخاذ قرار صائب ضد الصفوية الجديدة والحاقدة.
فكيف.. وقد انضم للخطر الإيراني.. الخطر العراقي الصفوي بعد سقوط النظام السابق ووصول الرافضة إلى سدة الحكم والسلطة؟!
القرار السياسي الرسمي العاجز.. لا يعكس إلاّ الفشل:
هذه السياسة الرسمية العاجزة، أدت إلى الفشل الذريع في حلّ الملفات الساخنة، وأهمها ملف (الطائفية).. وخطر الصفوية الجديدة، وجعلت الصف السنّي في البحرين يتساءل وباستغراب: لماذا يعجز القادة السياسيون في هذا البلد عن اتخاذ المواقف التاريخية الصائبة والسليمة في علاج هذه المسألة الخطيرة؟
هل لكونهم (عاجزين) أو أنهم غير (راغبين) في حل هذه القضية الخطيرة؟
إن شبح الحرب الأهلية الطائفية تطل برأسها على البحرين، وما يحدث في العراق بعد الاحتلال قد يحدث في مملكة البحرين، فكمية السلاح المهرب من إيران والعراق.. وأعداد الصفويين الجدد الذين تدربوا في إيران أو على يد حزب الله اللبناني، على استعمال هذا السلاح، وعن طرق ووسائل التجسس، وضروب المظاهرات والاعتصامات.. كل هذه المؤشرات تدل على أن الصفويين الجدد ينوون إشعال الحرب الأهلية.. والطائفية في هذه المملكة الصغيرة.
عجز أهل السنّة في البحرين وتشتتهم
يرجع عجز أهل السنُّة في البحرين وتشتتهم إلى عدة أمور.. منها:
أولاً: عدم وجود مرجعية دينية أو سياسية (سنُّية) تسعى للحفاظ على مصالحهم ومصالح ذراريهم من بعدهم. فلا يوجد اليوم عند السنة في البحرين (مرجعية) تتكلم بلسانهم وترفع قضاياهم وهمومهم للقيادة السياسية في البلد.
وسبب إنعدام المرجعية السنية هي الدولة التي حرصت ومنذ عقود متطاولة على عدم بروز أو ظهور أي من القيادات السنية. وكلما ظهرت مرجعية دينية أو سياسية عند أهل السُّنة يتم ضربها أو إجهاضها، أو تهميشها وإبعادها من الساحة السنية.. أو عن البلد كله.
حدث هذا في فترة الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم. وحتى هذا اليوم لا يُسمح بظهور قيادة سنية.. أو مرجعية سنية، سياسية كانت أو دينية. لتبقى المرجعية هي الدولة.. هي الأسرة الحاكمة.
ثانياً: اعتقاد عموم أهل السنُّة في البحرين بأن نظام الحكم مادام سُّنياً فلا خوف عليهم. وهو اعتقاد خاطئ من أساسه وفي أصله. فالأمور دول ـ كما يقال ـ ونظام الحكم السنّي في البحرين يهتز.. ويتزلزل بفعل الضربات الصفوية الدائمة والقوية.. والوطن على كف عفريت، ولا ندري ـ والعلم عند الله ـ هل يبقى الحكم في يد أهل السنّة.. أم يسقط في قبضة الرافضة والصفوية في المستقبل القريب وليس البعيد؟
ثالثاً: والسبب الأخطر عدم وجود (قضية) عند أغلب سُنّة البحرين، في الوقت الذي يؤمن الرافضة والصفوية الجديدة (بقضاياهم) وهمومهم ويسعون لتحقيقها وتطبيقها على أرض الواقع.
فإذا كان الموقف الرسمي في البحرين عاجزاً، فإن الموقف الشعبي السنّي أصبح مشتتاً وضائعاً، بسبب عدم وجود قضية يلتف حولها، أو يعيش من أجلها.
رابعاً: كما أن أهل السنة في البحرين لا يوجد لديّهم جمعيات أو منظمات مكافئة لجمعيات ومنظمات الرافضة التي تتلقى الدعم المباشر وغير المباشر من إيران (الثورة) وإيران (الدولة).
فأقوى التنظيمات السنية في مملكة البحرين هو (الإخوان المسلمون) الذين تمثلهم (جمعية الإصلاح) وجناحها السياسي (المنبر الوطني الإسلامي)، وعدد من ينتسب إلى الإخوان المسلمين أو من يناصرهم ويشايعهم لا يزيد عن خمسة آلاف إنسان.
هذا في الوقت الذي استطاعت (جمعية الوفاق الوطني الإسلامية) أن تضم لصفوفها ما يربو على سبعين ألف منتسب، وهي جمعية شيعية واحدة من عددٍ من الجمعيات والمنظمات الرافضية.
خامساً: وأحد مظاهر العجز والتشتت عند أهل السنُّة، يتمثل بدعوة بعضهم للهجرة والهروب إلى خارج البحرين، إلى الدول الخليجية العربية الأخرى، أو الهروب والهجرة إلى كندا واستراليا وإلى الدول الاسكندنافية، مما يعطي انطباعاً على عدم ولائهم للأرض التي ولدوا فيها.. وعاشوا عليها.. ودفن آباؤهم وأجدادهم في أحشائها.
كما يدل.. على الضياع والتشتت.. والضعف الذي يعيشه عموم أهل السُّنة في مملكة البحرين، وضياع (البوصلة) والهدف عندهم.
أما علاج هذه القضية، وبقية القضايا.. فسوف نتركه للمقال القادم إن شاء الله.
[1]) ) ـ دراسة مقدمة للقيادة السياسية في البحرين بعنوان: (تصور للنهوض بالوضع العام للطائفة السُنّية في مملكة البحرين).
[2]) ) ـ علي الصادق، ماذا تعرف عن حزب الله، ص 37ـ 38، بتصرف.
[3]) ) ـ انظر: د. هارف الشمري، الخطة الخمسينية السرّية لآيات قم وانعكاساتها على واقع مملكة البحرين، ص 68، نقلاً عن صحيفة (الوطن) الكويتية، يوم الجمعة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2006م.
[4]) ) ـ سميرة رجب، صحيفة (الوطن) البحرينية، 12 إبريل 2008م.
[5]) ) ـ د. هارف الشمري، مرجع سابق ، ص44.
[6]) ) ـ محميد المحميد، صحيفة (أخبار الخليج) البحرينية، يوم الثلاثاء 22 إبريل 2008، بعنوان: الشعوب ليست.. سامان ديغة.