جهود علماء العراق في الردّ على الشيعة
عبد العزيز بن صالح المحمود
القسم الرابع
الشيعة وتأسيس الدولة العراقية الحديثة
ملخص ما سبق:
في القسم الأول تناول الكاتب تاريخ تشييع بعض مناطق وعشائر الجنوب والوسط في العراق، وأسبابه.
وفي القسم الثاني تناول ثلاث مسائل:
- سبب إهمال هذا التراث في الرد على الشيعة وعدم ذيوعه وانتشاره.
-عرض لمؤتمر النجف الذي عقد برعاية حاكم إيران آنذاك نادر شاه، ونتائجه الإيجابية للعراق، إلا أن يد العجم الغادرة لم ترد لهذا المؤتمر النجاح، فقامت بإغتيال نادر شاه، وأجهضت جهودا قيمة، ولله الأمر من قبل ومن بعد .
- جهود جل علماء العراق في الفترة من بداية نشوء الدولة الصفوية وحتى تكوين الدولة العراقية الوطنية الحديثة سنة 1921م، ذاكراً أسماءهم ومؤلفاتهم والإشارة لكونها مطبوعة أو مخطوطة.
وفي القسم الثالث تطرق الكاتب إلى وضع الشيعة والتشيع في العراق في نهاية الدولة العثمانية وأثناء احتلال الإنكليز للعراق لغاية بدايات تكوين الحكومة العراقية سنة 1921م .
وفي هذه الحلقة يواصل الكاتب استعراض أوضاع شيعة العراق في مرحلة بداية الدولة الحديثة وجهود الحكومة الملكية في العراق تجاه الممارسات والقوى الطائفية الشيعية.
القسم الرابع
أحوال الشيعة في بداية تأسيس الحكومة العراقية وموقف السُنة منهم:
ذكرنا سابقا أن ثمة صراعاً برز بين العلماء والمراجع الشيعة أنفسهم الإيرانيين والعرب، مارس فيه كل فريق منهم تشويه الآخر، واستطاع مراجع الشيعة العرب كسب تأييد رؤساء العشائر العربية، حين تضررت مصالح العشائر الريفية في نفس المرحلة نتيجة للضريبة الحكومية الجديدة على بعض المحاصيل الزراعية، فطلبوا من المراجع الوقوف معهم لتخفيف حجم الضريبة، فأيدهم المراجع العرب ورفض المراجع الإيرانيون وغير العرب ذلك بحجة أن العشائر لم تقف معهم في محنتهم عند إبعادهم إلى إيران.
توثقت العلاقة بين المراجع العرب والعشائر لا سيما المرجع أحمد كاشف الغطاء، وأصبحت له منزلة عالية عند القبائل والعشائر، إلا أن وفاته سنة 1926م قلبت الأمور ضد العشائر العربية وعادت السيطرة الإيرانية وغير العربية من جديد([1]) .
لعبت حكومة الملك فيصل الأول دورا ذكيا في تقوية المراجع العرب، فدعمت المرجع العربي الشيعي محمد حسين كاشف الغطاء (ت: 1954م) ومحمد علي بحر العلوم (ت: 1936م) وكان كاشف الغطاء مرشحا للوصول إلى زعامة المرجعية الشيعية، ومحاطاً بعناية الملك فيصل حتى بعثه ممثلا للعراق في مؤتمر القدس سنة 1931م، وعين بحر العلوم عينا من أعيان الحكومة، وقويت الصلات بين الحكومة ومراجع العرب الشيعة (([2].
كانت الحكومة العراقية تشعر بخطر المجتهدين الإيرانيين وغير العرب على العراق عامة وشيعة العراق خاصة؛ لذلك قامت بإبعاد المراجع الإيرانيين وغير العرب([3]) الذين شكلوا مصدر قلق لاستقرار العراق بسبب تعلقهم ببلدهم الأصلي إيران وارتباطهم بمصالح إيران لا العراق.
من جهة أخرى سعت الحكومة العراقية بعد ذلك للحد من نفوذ مجتهدي الشيعة العرب بين عشائر الجنوب بوسائل سلمية ونافعة لعموم المجتمع الشيعي والعراقي نذكر منها:
1 ـ إدخال التعليم المدني المعاصر، وليس الديني الذي كان هو التعليم الوحيد في مناطق الجنوب، مما رفع حالة الجهل والقبول بالخرافة والبدع. وارتبط العمل في أجهزة ودوائر الدولة العراقية بالتعليم غير الديني حيث كان لابد من سلوك التعليم المدني للوصول للوظيفة، وكان العمل في أجهزة الدولة هدفا لكل العراقيين.
وساعد تثقيف وتعليم أهالي الجنوب على تقليل سلطة (السادة) ورجال الدين الشيعة (الموامنة) الذين كان لهم دور في تشيع الجنوب وفي بقاء التشيع قوة اجتماعية بين العشائر. وأصبحت الدولة ودوائرها الرسمية هي البديل عن هؤلاء في عقود الزواج وفي حل المشاكل العشائرية، وهو الدور الذي كان يضطلع به السادة والموامنة .
2 ـ إقامة علاقة قوية بين شيوخ العشائر والدولة كحافز اقتصادي، إذ أصبح أكثر شيوخ العشائر ملاكا لأراض زراعية واسعة في الجنوب، مقابل ذلك كان شيخ العشيرة هو من يحفظ الأمن والاستقرار في منطقته مع منحه صلاحيات واسعة في منطقته .
3 ـ إعطاء بعض رؤساء العشائر سلطة سياسية سواء في الحكومة أو في البرلمان، كما أن الأشراف (السادة) في العراق لم تكن لهم في العراق قدرة اقتصادية أو سياسية ، فأصبحت طبقة شيوخ العشائر هي الداعم الاقتصادي والسياسي للأشراف ([4]) .
وهذا الجهد الملكي في تحجيم التشيع في العراق لم يُنتبه له أغلب الباحثين، فجهود مقاومة التشيع لم تكن محصورة عند أهل الدين والعلماء والدعاة والمفكرين السُنة، بل كانت هناك جهود أعم من ذلك وأشمل لمقاومة التشيع وخطر المجتهدين الإيرانيين وغير العرب، الذين استخدموا التشيع لخدمة دولة إيران، وأرادوا تسخير كل طاقات العراق لمصلحة إيران، كما يفعل اليوم.
وهذه السياسة الملكية تجاه العشائر الجنوبية كانت أنجح بكثير من السياسة التي طبقها العثمانيون والقائمة على نظرية التفريق بين العشائر، فقد تقوت العشائر الجنوبية ولكن قوتها كانت داعما للدولة وليس أداة هدم لها، في حين أن سياسة العثمانيين تشبه سياسة شاه إيران المتمثلة في ضرب القبائل وشيوخها بعضهم ببعض وتحطيمهم (فرق تسد).
وخلاصة جهود الدولة في المرحلة الأولى تتلخص في أمرين :
1- منع سيطرة المراجع غير العراقيين وغير العرب على الشيعة، ولعل سبب هذا الاتجاه هو الفرق بين سلوك كل منهما فالمرجع العراقي أو العربي لا يحمل حقد الشعوبية التي تنظر إلى العرب نظرة دونية، كما أن العادات العربية تمنعه أحيانا من بعض السلوكيات المشينة التي يأباها العربي مثل زواج المتعة وغيره، إضافة لبعض المثل العربية؛ مثل النخوة والشهامة والكرم والتي هي صفات عربية أصيلة، إذا في المعادلة أو المشكلة الشيعية عنصران ديني وعرقي (قومي) ومن لم يفهمها لا يفهم كثيرا من السلوكيات الإيرانية، فمحرك العنصر الإيراني هو قومي وديني (التشيع) فمن نجا من الأول بقي فيه الثاني، ومن نجا من الثاني بقي فيه الأول.
2- محاولة إبعاد سيطرة المراجع العرب على العشائر واعطاء دور للعشيرة في السيطرة على الجنوب .
ونتج عن هذه السياسة ضعف نسبي في نفوذ رجال الدين الشيعة، وصعود نفوذ رجال العشيرة، وأصبح التشيع وانتشاره محدودا إن لم يتوقف في العراق بعد تشكيل الحكومة العراقية سنة 1921م.
وهذا التحول الاقتصادي والسياسي لشيوخ العشائر حوّل بوصلتهم نحو العاصمة بغداد وليس إلى كربلاء والنجف اللتين كان يدار فيهما كل شيء للعشائر، ومع توقف الزيارات الخارجية وتقليل مجيء الإيرانيين قلّ وضعف نفوذ مدينتي النجف وكربلاء. بل إن انتماء رؤساء العشائر للأحزاب السياسية في وقتها كحزب الاتحاد الدستوري وغيره قرّب رؤساء العشائر ببغداد والنخب السياسية، وأبعدهم عن رجال الدين الشيعة بشكل ملحوظ.
هذا من جانب، ومن جانب آخر مهم لم تعد هناك رغبة قوية لدى شيوخ العشائر بتكوين قوى مسلحة، وأصبح التنافس السياسي للوصول للسلطة هو الهدف الأول لهم، مما أضعف فكرة القيام بثورة أخرى يستغلها مراجع الشيعة سواء كانوا عربا أم إيرانيين .
كما عملت الحكومة بشكل ذكي على تشكيل قوة السراكيل (الموظف المراقب لشؤون العمل الزراعي) وهي طبقة من الناس تدير بشكل مباشر شؤون العشيرة الزراعية، وقوة لحفظ الأمن بدل شيخ العشيرة؛ الذي أصبح موجودا في بغداد لمتابعة التعاملات السياسية والاقتصادية، لذا تولدت قوة جديدة، وهي أيضا بديل عن قوة مراجع الشيعة .
وقوة السراكيل كانت موجودة في عهد العثمانيين ولكنها كانت قوة موظف همّه جمع الضرائب، أما في العهد الملكي فتغيّرت وأصبحت قوة فاعلة على الأرض.
النجف وكربلاء
هاتان المدينتان ليستا مدنا مقدسة عند الشيعة فحسب، بل هما مدينتا المؤامرات الشيعية على العراق، وفيهما تحاك كل المشاكل لمنع استقرار البلد حتى يكون العراق بلدا شيعيا، وإليهما يدخل الإيرانيون وغير العرب للعراق بحجة الزيارة وتعقد المؤامرات، ومنهما انطلقت المعارضة العراقية بعد سنة 1980م ومن يومها تشكلت بؤر شيعية ساعدت على احتلال العراق وقيادته أسوأ قيادة في تاريخه.
وحتى يظل الحال على ما هو عليه من سيطرة المراجع على زمام الجنوب، فإن الأمر يحتاج إلى بقاء هذه المدن بؤرة اقتصادية مالية قوية لجذب كل رؤساء وشيوخ العشائر إليها. لذلك فبقاء هذه المدن قوية هو ضعف للعراق ، وضعف هذه المدن هو استقرار للعراق، وهذه قاعدة مهمة لمن أراد أن يفهم وضع العراق.
كانت هذه المدن تستمد قوتها الاقتصادية من الزيارات الدينية الشيعية من جميع أنحاء العالم، وهذا يتحول بدوره إلى قوة اقتصادية للمراجع، وكلما أصبح النفوذ المالي للمراجع أقوى، أصبحت قدرتهم على تحريك الشارع الشيعي أكبر .
لقد كانت هذه المدن بؤرة لتواجد الإيرانيين في العراق، ففي إحصاء سنة 1919م كان عدد الإيرانيين في كربلاء 80 ألف إيراني، وهذا يعني أنهم يشكلون 75% من سكان المدينة. أي أن مدينة عراقية ثلاثة ارباع سكانها ليسوا منها، بل ليسوا عراقيين!!
وليس هذا فحسب بل كان كل من يريد التهرب من الخدمة العسكرية ينكر جنسيته العراقية ويعد إيرانياً!!
لقد كان في كربلاء عدد كبير من المدارس الإيرانية والموظفين الإيرانيين العاملين في القنصلية الإيرانية لإدارة شؤون رعاياها من قبل الإيرانيين وغير العرب، كما وجد عدد من التجار. وبعد كل ذلك كان يوجد كم كبير من المخبرين ورجال المخابرات الإيرانية. كما أن تواجد الإيرانيين والشيعة غير العرب في النجف أقل من كربلاء، وكذلك في مدينة الكاظمية وفي مدينة سامراء .
تولدت لدى الحكومة العراقية الملكية رغبة قوية بتحجيم الوجود الفارسي أو الأصح الوجود غير العربي في هذه المدن، لذا أصدرت الحكومة سلسلة من القرارات في سنة 1924م لحصر حملة الجنسية العراقية، فقد خُيّر حملة الجنسية الإيرانية سواء كانوا من أصل إيراني، أو عراقي حملوا الجنسية الإيرانية بغرض التهرب من الخدمة العسكرية إبان الحكم العثماني، خيّر كل هؤلاء بين أن يصبحوا رعايا عراقيين بتخليهم عن الجنسية الإيرانية ، أو اعتبارهم إيرانيين ، و التعامل معهم كمقيمين وليسوا كعراقيين.
وكان ثمة قانون آخر وهو منع تشغيل من يحمل جنسية غير عراقية في دوائر الدولة، سيما ممن لا يجيدون التكلم باللغة العربية و كان هذا سنة 1927م.
كما أن تطورا آخر حصل سنة 1935م بقانون منع مزاولة العمل في العراق لغير العراقيين، وشمل هذا عشرات المهن التي كان الإيرانيون يزاولونها في العراق([5]).
كانت هذه القرارت تهدف إلى تحجيم التواجد الإيراني الذي شكل مصدر ازعاج وقلق للعراق. كما نتج عن هذه القوانين كسر احتكار وسيطرة الإيرانيين على سوق العمل في كثير من مجالات العمل داخل العراق واستبدالهم بطبقة عاملة عربية عراقية.
وشملت القوانين أيضا رعاية الأضرحة في النجف وكربلاء، ففي سنة 1948م صدر قانون بمنع سيطرة الإيرانيين وغير العرب عليها وأنيطت أمورها لوزارة الأوقاف. كما سيطرت الحكومة على الأموال الموجودة في الأضرحة والتي كانت عصب قوة المراجع الشيعة.
كل هذه القوانين والإجراءات تمت ليس بهدف سيطرة السنة على الشيعة – كما يدعي الشيعة اليوم – بل لمنع النفوذ الإيراني، ومنع سيطرة العمائم الإيرانية والموجهة من داخل إيران لضرب استقرار العراق؛ وهذه الخلفية التاريخية تفسر لنا بوضح تام السبب الذي يجعل الساسة العراقيين الشيعة يركزون على تعزيز مكانة رجل الدين، وعلى تعظيم كربلاء والنجف، وحرصهم اليوم على إقامة مطار قربهما، وتفعيل جباية الخمس وزيارة المراقد ، ذلك أنها تشكل طرقا مختلفة لعودة الهيمنة الإيرانية والشيعية على العراق.
ونستطيع القول: أنه كلما انتعشت هذه المدن (كربلاء والنجف) اقتصاديا، كثرت المؤامرات على العراق، وكلما بقيت هذه المدن بحجمها الطبيعي استقر العراق أكثر وأكثر .
كما يعطينا هذا تفسيرا لهذا الزخم الإعلامي لتضخيم هذه المدن؛ فهي توصف بالمقدسة، كما توصف النجف بالأشرف دائما على لسان كل مسؤول ، وتوجه لها الإنظار في كل مناسبة دينية عند الشيعة، وهذا كله مدروس لإعطاء هذه المدن دورا متميزا غرضه ما ذكرنا آنفا .
لقد اربكت هذه الإجراءات والقوانين التي سنّتها الحكومة العراقية كثيرا من مجتهدي الشيعة، الذين أحسوا مبكرا بأن سياسة الحكومة آنذاك خطر على وجودهم، مما جعلهم يشكون لوزير الخارجية الإيراني فيروز عندما زار العراق سنة 1920م[6] من أن وضعهم في العراق قلق، وأن مستقبل التشيع العراقي في خطر، كما ازداد قلق المراجع بسبب خشيتهم من تأثير هذه الإجراءات الحكومية على مواردهم المالية في العراق (وهي ضخمة)، مما يعرض موقعهم الديني والإجتماعي المرموق بين شيعة العراق للزوال.
لقد شكّل تأسيس الدولة العراقية مشكلة للمراجع وتقييدا لنفوذهم في العراق لذا وقفوا ضده وحاربوه بكل السبل. وعندها بدأت إيران بإيجاد بديل عن النجف وكربلاء داخل بلادها وكان هذا أوان ظهور مدينة قم كمركز ديني جديد للشيعة في عشرينيات القرن المنصرم، لتكون تحت سيطرتها التامة.
كان هناك دافع آخر (اقتصادي) لدى الحكومة الإيرانية لتهيئة بديل عن كربلاء و النجف، وهو إيقاف الهبات المالية (الخمس) وغيرها من الذهاب للعراق، وتحويلها إلى قم([7])، وبذلك تضاربت مصالح علماء الشيعة في العراق وإيران بعد اختلاف المركزين (قم – النجف وكربلاء).
إيران والحكومة العراقية الجديدة:
تعد قوة العراق - سواء كانت اقتصادية أو سياسية- أمراً مزعجاً لإيران دائما؛ لأنها تعيق تحقيق حلم إيران بالسيطرة على العراق أو إضعافه على الأقل، ولتحقيق هذا تستخدم إيران ورقة التشيع، فلو ترك شيعة العراق لوحدهم – وهيهات – لهان الخطب وكان الأمر أيسر، لكن بين العراق وإيران تاريخ مر، يجب أن يعرفه كل دارس لتاريخ وواقع العراق اليوم:
* فعندما تشكلت الحكومة العراقية الملكية سنة 1921م رفضت إيران الإعتراف بها، سيما وأنها فشلت في ثورة العشرين (الثورة الشيعية التي كان هدفها تحويل العراق لبلد شيعي كما سبق توضيحه).
* وفي عام 1924م ربطت إيران إعترافها بالعراق بثلاثة أمور:
1- اعفاء مواطنيها من الخدمة العسكرية (لأن العراق فرض عليهم الخدمة إذا بقوا فيه).
2- أن يتولى القنصل الإيراني إدارة شؤون الإيرانيين في العراق وأملاكهم.
3- أن يحاكم المتهمون الإيرانيون بقضايا جنائية أومدنية أمام محاكم خاصة، وليس أمام المحاكم العراقية.
وجراء الضغط الدولي على إيران للإعتراف بدولة العراق، قلّلت إيران من شروطها، وذلك سنة 1928م، بعد أن كانت رفضت الاعتراف بالعراق كدولة، لأن هدفها- كما ذكرنا - هو إضعاف العراق وحكومته بعد أن شعرت بأن سيطرة المراجع بدأت تتقلص شيئا فشيئا.
وكردة فعل، حاولت إيران أن تزعزع العراق اقتصاديا من خلال تحريض القوى الاقتصادية والدينية الدائرة في الفلك الإيراني داخل العراق على مغادرة العراق مع سحب رؤوس أموالها الضخمة، لا سيما بعد ظهور قانون الجنسية الجديد الذي حجّم دور الإيرانيين، فتناقصت نسبة الإيرانيين في كربلاء حتى وصلت سنة 1957م إلى 12% ([8]).
الشيعة وتأسيس الجيش العراقي:
بسبب أوضاع المنطقة الشمالية غير المستقرة، ومحاولات تركيا فصل الموصل عن العراق، وظهور مطالب الاكراد بالانفصال وتكوين دولة مستقلة، وبسبب الجنوب العراقي غير المستقر لأكثر من 500 سنة مضت، وتدخلات المراجع الشيعة في شؤون العراق، كل هذه الأمور وغيرها دعت الحكومة العراقية إلى تشكيل جيش من الشعب العراقي لحفظ الأمن والاستقرار، والعمل على الاستقلال التام ([9])، فقد أعلن عن تشكيل الجيش العراقي بتاريخ 6 كانون الثاني سنة 1921م وكان أول فوج تشكل هو فوج موسى الكاظم كنوع من تودد الحكومة الجديدة للشيعة بعد ثورة العشرين، ومن الطبيعي أن تكون نواة الجيش من بقايا العسكر والضباط العثمانيين وغالبيتهم من السنة سواء كانوا عربا أو أتراكا.
والذي لا يصدق أن الشيعة ليس لهم انتماء لأوطانهم – وأقصد المراجع ومن يسايرهم – فليتابع معي موقف الشيعة من الجيش في بداية تكوين الحكومة العراقية وهذا الموقف تداوله كل الشيعة (المراجع العرب وغيرهم والمثقفين) :
* تحجج الشيعة في الجنوب بأنه لا داعي لتأسيس الجيش، وأن ما ينفق على الجيش الأفضل إنفاقه على اعمار الجنوب، وأن من الممكن الدفاع عن البلاد بدون جيش على حد تعبير بعض الكتاب الشيعة في الصحف([10].)
إن روح التمرد هذه وعدم الإنضباط رغبة شيعية بحتة، ومصداقا لما أقول انظر اليوم ماذا يفعل جيش المهدي بالعراق، حتى وصل به الحال أنه يحارب حكومته الشيعية، لأنه يريد أن تبقى الأمور غير مستقرة دائما .
وهناك أمر آخر وهو أن العصيان على قانون التجنيد الإلزامي اتخذ عند الشيعة ذريعة لمساومة الحكومة على مطالب أكثر كما عبر عن ذلك أكثر من سياسي شيعي ([14]).
فقدت الثقة بين السنة والشيعة بسبب المواقف الشيعية من الدولة والجيش، وأصبح أهل السنة لا يثقون بأي حاكم شيعي بسبب تبعيته للإيرانيين من جانب، وبسبب رغبة الشيعة في العيش كمعارضين أو أن يكون الحكم لهم وحدهم، ومن يتمعن فيما جرى للعراق عندما حكمه الشيعة بعد الاحتلال الأمريكي في 9/4/2003 و ما يفعله الشيعة اليوم في البحرين ولبنان يدرك صدق ما أقول.
هذا الشعور تجاه الشيعة لم يكن عند المتدينين السنة فحسب بل عمّ جميع الوطنيين من التيار القومي والعلماني، مما يوضح أن ظاهرة الشيعة وعدم صلاحيتهم لحكم أي بلد هي ظاهرة أدركها كل العراقيين السنة ولكنها ومع مرور الزمن غابت عن ذهنية الفرد العراقي فوقع في شرك الوحدة الوطنية الزائفة وتناسى العقلية الشيعية، حتى سقط العراق بيد الأمريكان وظهر للجميع حقيقة مقاصد الشيعة .
وضع الشيعة في عام 1927م ومحاولة تقسيم العراق:
على إثر الازمات بين الشيعة والحكومة اجتمع في سنة 1927م كبار الساسة الشيعة والمجتهدون في النجف للإستعانة بالبريطانيين وبالذات المندوب السامي البريطاني هنري دوبس لتغيير الحكومة، أو المطالبة بتقسيم البلاد وتشكيل حكومة شيعية في مناطق الجنوب منفصلة عن العراق، إلا أن عوام الشيعة في الجنوب رفضوا مقترح الانفصال؛ لأنهم عشائر حديثة عهد بالتشيع ولا يزال هناك ثمة رابط بينهم وبين أقربائهم السنة، إضافة لروح العروبة وحب العراق كوطن لهم منذ مئات السنين.
تصاعدت اعتراضات وقلاقل الشيعة في مناطق عدة كما تصاعدت مطالبهم بتمثيل أكبر في الحكومة، بيد أن عددا لا بأس به من ساسة الشيعة مثل جعفر أبو التمن فضح توجهات المراجع وقال: إن المراجع هم مَن منع الشيعة بفتاوى من الدخول في الحكومة فلما قامت الحكومة واستقرت طالبوا بمطالب، وكذلك لما قامت الحكومة ادّعوا أن الإنكليز وراء الحكومة فلما ضاقت عليهم الأمور استعانوا بالانكليز ضد حكومتهم العراقية!!
إضافة لذلك لم تكن عند الشيعة قيادة سياسية موحدة وكان بعض الشيعة يرفض قيادة المجتهدين، لما سببوه من مشاكل للشيعة بسبب فتاواهم ، وكانت رؤية بعض الشيعة سلوك مسلك البرلمان باعتباره الطريق الصحيح للحصول على الحقوق([15]).
إن محاولات تقسيم العراق اليوم من قبل عبد العزيز الحكيم وابنه ليست وحيدة أو جديدة أو وليدة، بل إن الشيعة منذ عشرينيات القرن الماضي وهم يسعون لهذا! لذلك لا يثق أي عراقي شريف (من أي اتجاه كان) بالتوجهات الدينية الشيعية، والعتب كل العتب على المؤرخين العراقيين الذين لم يوضحوا لشعبهم في العراق ولا خارجه الطموحات الحقيقة للمراجع الشيعة، منذ محاولات التهديد بالإنفصال سنة 1927م، وهي خير دليل على ما نقول.
ثورة 1935م الشيعية :
أعلن استقلال العراق في عصبة الأمم سنة 1932م وقد نظر الشيعة بتوجس لهذا الإستقلال؛ لأنهم احسوا بقرب انتهاء النفوذ البريطاني على العراق والذي كانوا يعولون عليه لنيل مطالبهم كما هو حالهم اليوم، يسبون الشيطان الأكبر ومن ثم يتحالفون معه!!
فبكل وقاحة ودون حياء كتب شيعة من العراق ولبنان في عدة مجلات باسماء مجهولة منها مجلة العرفان البيروتية مطالبات بحماية الشيعة؛ منها مقال بعنوان (الشيعة في بلادهم) بتوقيع (عربي) ومقال (اضطهاد الشيعة في العراق) بدون توقيع، وكتب ابن الرافدين مقال (الشيعة في العراق) كل هذه المقالات باسماء غير معروفة، تحرض وتخوف من استقلال العراق قبل صدور الإستقلال ([16]) وتشكلت لجنة شيعية تحت اسم (اللجنة التنفيذية لشيعة العراق) ورفعت مطالبها للهيئات الأجنبية في العراق، ونشرت في مجلة العرفان البيروتية العدد 23 سنة 1932م، واثيرت اضطرابات تبين استعدادهم للعنف من اجل تحقيق ما يصبون اليه، ووصفوا الحكومة العراقية بإنها حكومة احتلال .
ازدادت المعارضات الشيعية في البلد مع دخول سنة 1935م، وكان التجار والسياسيون الشيعة يتسابقون في تمثيل المكون الشيعي لنيل مكاسب ذاتية، وكانت الهوسات (رقصات الحرب في الجنوب العراقي) منتشرة في الجنوب، وهي ارهاصات ابتداء الحرب والإستعداد لها، وكان بعض السنة العرب- مع الأسف - يؤيدون هياج الشيعة لإسقاط الحكومة للحصول على مكاسب خاصة، بيد أن هذا التهيج للشيعة فتح شرا على البلاد وثورة عارمة ندموا عليها فيما بعد.
ومرة أخرى زجّ التجار الشيعة بورقة المرجعية لتوجيه الشيعة، فاجتمع عبد الواحد سكر بمجتهدي الشيعة العرب (محمد كاشف الغطاء وعبد الكريم الجزائري وجواد الجواهري) وجرت مشاورات واجتماعات بين التجار والمرجعيات لتقديم مطالبات والضغط على الدولة، بل على رأس الدولة الملك غازي، وهذا الأمر لم يحظ بقبول كل الشيعة سيما الذين بقوا في البرلمان؛ لأن هذا الأمر منح التاجر الثري عبد الواحد سكر صفة تمثيل الشيعة، لذلك لم يقفوا معه، لكنهم خافوا أن يفقدوا مكانتهم بين الشيعة بسبب عدم وقوفهم مع سكر، فتوجهوا إلى كاشف الغطاء مبدين استعدادهم للإستقالة من البرلمان ما لم تتحقق مطالب الشيعة، والذين تقدموا بها هم مجموعة من المحامين الشيعة المعروفين في بغداد.
كانت مطالب الشيعة مطالب دينية للطائفة، مثل أن يدرس الفقه الجعفري في الجامعات، وقيام محاكم شرعية وفق مذهب الشيعة وغيرها من المطالب التي تخص جنوب العراق، وأيد هذه المطالب الجانب البريطاني الذي كان منزعجا من استقلال العراق، وفي نفس الوقت خائفا من النفوذ الأمريكي المتصاعد([19]) .
هذه المطالب أيدها التجار الشيعة المعادون لسكر؛ لذا رفض سكر هذه المطالب لأنها تثير فتنة طائفية، بيد أن المطالب قدمت من قبل كاشف الغطاء لرئيس الوزراء ياسين الهاشمي، ثم من أجل الضغط بشدة على الحكومة أصدر كاشف الغطاء فتوى تحرم على الشيعة المشاركة بأي حزب سياسي، بيد أن الهاشمي رفض هذه المطالب[20] ووعد كثيرا من رؤساء العشائر في الجنوب بتمثيل أكبر في البرلمان، كما عطلت الحكومة أحزابا مهمة _ تحوي سنة وشيعة _ من العمل لأنها لعبت دورا في زعزعة الأمن من أجل غايات سياسية تضر بالبلاد، بيد أن التجار الشيعة اعتبروا أن هذه الإجراءات دلالة على ضعف الدولة فأصروا على مطالبهم .
هدأت الأوضاع وكشفت الثورة أن ثمة مصالح بين الشيعة انفسهم لإستغلال الجنوب الشيعي باسم التشيع؛ فمرة يستغله المراجع، ومرة التجار، ومرة يستغلونه لإسقاط الحكومة، وهكذا لعب قادة وساسة وعلماء الشيعة بالعراق بلعبة المطالب الشيعية ليحولوا الجنوب العراق إلى منطقة غير مستقرة ومتخلفة وفقيرة دونا عن مناطق العراق الأخرى، وهذا كله بسبب غياب القائد الشيعي المخلص لأبناء الجنوب، ونفس الاتجاه: المرجعية ترتع بأموال الخُمس بينما الفقراء في جنوب العراق يتضورون جوعا وفقرا وحرمانا، لذلك شعر بعض عقلاء الشيعة بهذه الحركات ورفضوا هذه الثورات، ومن هؤلاء التاجر والسياسي جعفر أبو التمن، والأديب محمد رضا الشبيبي واعتبروا هذه الحركات دعوات طائفية مخلة بالمواطنة، وأن المطالب الشيعية لها طرق غير الثورة.
إنّ حِرص المراجع الشيعة العرب على موقع الممثل والمؤثر السياسي، جعل من اتباعهم ورقة يلعبون بها فيهيجون الجماهير ويوردونهم المهالك حتى يبقوا هم دائما في سدة الحكم والقيادة، وهذا ما يفسر اليوم كثرة مطالبة آل الحكيم وجميع الأحزاب الشيعية بدور المرجعية وأهميتها حتى وضعوا لها فقرة خاصة في الدستور العراقي الجديد .
وانتقد كثير من الشيعة كاشف الغطاء، الذي استخدم الثورة والعنف المسلح، مستغلا رؤساء العشائر لذلك.
الفترة بين سنة 1935 – 1958 م:
في هذه المرحلة ازداد عدد الشيعة المتعلمين، وتقلد بعض الشخصيات الشيعية وزارات حساسة مثل وزارة المعارف التي تقلدها عبد الكريم الأزري ومحمد فاضل الجمالي، وهما من الشيعة العلمانيين، وظل هذا المنصب حكرا على الشيعة منذ سنة 1931م ولغاية 1943م .
أدى انتشار التعليم الحديث في أوساط الشيعة إلى الحد من سيطرة العمائم السوداء والخضراء والبيضاء على عقول الشيعة وأصبح لدى الشيعة فئة مثقفة دخلت في كل الأحزاب الشيوعية والعلمانية والعروبية وتخلصت من دياجير الخرافة والظلمات الشيعية لأن هذه الأحزاب تتبع الفكر المادي العقلاني بعكس التيار الشيعي المغرق بالخرافة والأسطورة، وإن لم يكن هذا التخلص كليا إلا أن التحول كان كفيلا بخلط الشيعة مع السنة العراقيين ودمجهم، بخلاف ما كان يريده مراجع الشيعة من عزلهم عن شركائهم في الوطن بحجة مغايرة المذهب.
واتخذ صراع الشيعة مع السنة شكلا من الرقي بعيداً عن وسائل الهمجية والثورة، التي يتبعها المراجع سواء كانوا إيرانيين أم عربا([26]).
وحين استقل العراق، ابقت فيه بريطانيا قواعد عسكرية لها، وكانت بريطانيا تضع العراق تحت المراقبة وتتدخل في سياسته، وقد حاول الملك غازي التخلص من ذلك الوضع لكنه لم يتمكن، فقتل بمؤامرة سنة 1939م ووضع ابنه فيصل الثاني ملكا على البلاد، ولأنه كان صغيرا وضع خاله عبد الإله وصيا عليه، وكان عبد الإله هو حاكم البلاد الفعلي وكان عميلا انكليزيا صرفا، لذلك قام نفر من الضباط والساسة السنة بمحاولة انقلاب عسكري، سمي بثورة مارس سنة 1941م بقيادة رشيد عالي الكيلاني ومجموعة من الضباط الأحرار السنة كصلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد وغيرهما، وحاول السنة إشراك الشيعة معهم بالثورة ضد بريطانيا والتخلص من الوصي عبد الإله وتشكيل حركة وطنية شاملة، فعرضوا على (محمد الصدر) وهو شخصية شيعية سياسية معروفة تولي الوصاية على الملك، لكنه رفض بحجة أنه كان صديقا لعبد الإله، وكان مجلس الأمة جاهزا لقرار عزل عبد الإله، وهكذا وقف الشيعة مرة أخرى ضد المصلحة الوطنية.
فرح الشيعة بفشل ثورة مارس وهروب رشيد عالي الكيلاني، لأن الكيلاني كان قاسيا عليهم عندما كان وزيرا للداخلية في حكومة الهاشمي، فهو أعرف الناس بالشيعة ومكائدهم، ولذلك نقده الشاعر الشيعي عبد الحسين الأزري بقصيدته المعروفة ([27].)
عاد البريطانيون بعد انتهاء الثورة إلى السيطرة على العراق، وتم اعدام بعض قادة الثورة الذين لم يتمكنوا من الهرب، واستغل الشيعة هذا الوضع فطلبوا من البريطانيين زيادة مشاركتهم في الحكومة والبرلمان، فاجتمع محمد الصدر رئيس مجلس الأعيان مع( سي جي ادموندس) المستشار البريطاني لوزارة الداخلية العراقية، لتبليغه باستياء الشيعة في الجنوب وقال عن السنة يومها: (ليس في عروقهم حب حقيقي للعراق) ([28]) واشتكى للبريطانيين من السنة وتكلم عن الوطنية !! أقول : سبحان الله! يصطاد الشيعة دائما في الماء العكر ، وعند كل جرح يصيب الأمة كما فعلوا إبان الحصار (1990 -2003م) وإبان دخول المحتل، فبينما يريد العراقيون السنة خروج البريطانيين من بلادهم يشتكي الشيعي للبريطاني من السنة!
والسؤال المطروح : هل للشيعة وطن يحبونه ؟ كلا والله بل هم لا يحبون إلا أنفسهم وطائفتهم، ولولا التقية لخرجت أحقادهم للعيان كما فعلوا في حكومتي الجعفري والمالكي في الوقت الحاضر.
حصل الشيعة على مكاسب إضافية في الدولة العراقية، فقد عين الشيعي صالح جبر رئيسا للوزراء سنة 1947م بعد أن كان وزيرا للداخلية في سنة 1941م بيد أن صالح جبر كان من حزب نوري سعيد السني، وكان جبر شديد العمالة للأنكليز- ويعرف ذلك كل العراقيين - وبدأ جبر يكثر من الخبراء البريطانيين في الدولة العراقية وحاول عقد معاهدة مع البريطانيين، إلا أن مظاهرات صاخبة خرجت في بغداد تصرخ (يسقط الرافضي) كناية عن حكم صالح جبر وذلك سنة 1948م وأدت المظاهرات إلى استقالة جبر، فقام الشيعة بثورة لصالح جبر وليس لصالح الوطن([29]) ،بيد أن جبر سقط ، ثم حاول أن ينشئ كيانا سياسيا مستقلا عن نوري سعيد يحظى بتأييد النواب الشيعة سيما نواب مناطق الفرات الأوسط، واستطاع جبر اسقاط حكومة نوري سعيد، وقامت حكومة توفيق السويدي التي عين فيها صالح جبر وزيرا للداخلية، وحصل الشيعة على وزارات الداخلية والمالية والإقتصاد، وخططوا للسيطرة على وزارة المعارف، وبدأت مؤامرات وحملات شيعية لإبعاد السنة من الحكومة، وكان طائفية صالح جبر واضحة فعمل علانية للسيطرة الشيعية على العراق بواسطة تعيين الشيعة في المناصب العليا في الدولة، وازداد التوتر العام بين السنة والشيعة خلال السنتين 1950 – 1951م وبلعبة سياسية ذكية من نوري سعيد أقيمت انتخابات جديدة سنة 1953م وشعر جبر بأن البساط سحب منه فقرر مقاطعة الإنتخابات وخسر أتباعه، وفاز نوري سعيد وشجب الشيعة تصرف جبر لأنه أفقدهم الشيء الكثير، ومات جبر كمدا من ذكاء نوري سعيد سنة 1957م.
الشيعة والحزب الشيوعي:
ظهر الحزب الشيوعي في العراق في أواخر العشرينيات من هذا القرن، إلا أن مرحلة الأربعينيات والخمسينيات شهدت قمة نشاط الشيوعية، وكان أكثر من ينتمي لهذا الحزب هم الشيعة، ولعل السبب وراء هذا الإنتماء هو:
أن الشيوعية والشيعة كلاهما نظام متمرد على الواقع المجتمعي.
وكلاهما يؤمن بالدم والثورة.
وكلاهما ينطلق من عقدة اضطهاد.
وكانت الشيوعية تقاوم المد القومي وتحاربه لأنها فكرة أممية، والشيعة يعادون العروبة من وجهة نظر شعوبية.
وكان السنة هم من يدافع عن العروبة ويريدون التوحد ضمن كيان عربي في حين وقف الشيوعيون والشيعة بوجه أي انتماء عربي.
وفي نفس الوقت شعر المراجع الشيعة المجتهدون في إيران والعراق بقلق تجاه انتشار الشيوعية في اوساط الشيعة في البلدين، لذلك تشجع المجتهدون لمحاربة الشيوعية ، وكان المجتهدون في العراق يوصون الحكومة العراقية بتتبع خطى الشاه رضا بهلوى في محاربة الشيوعية .
أصبح هناك رغبة شيعية وإيرانية وبريطانية في محاربة الشيوعية في الخمسينيات، و تعززت الرغبة في عودة المدارس الدينية للعراق لمواجهة المد الشيوعي، فتعززت سلطة النجف وكربلاء من جديد، وقام المجتهدون ببث الأفكار الشيعية مثل زيارة الأضرحة، وسُمح لمهدي الخالصي بالعودة للعراق لتشجيع هذا الدور، ولأن الشيوعية أصبحت خطرا بالنسبة للكيان الغربي الرأسمالي، شجعت بريطانيا كل الجماعات الدينية في الشرق (سنية أو شيعية) للوقوف أمام التمدد الشيوعي .
وأصبح للشيعة موقفان، فمن ينتمي للحزب الشيوعي دوافعه مختلفة عمن يحارب الشيوعية، وكلاهما ينطلق من منطلق يختلف عن الآخر .
هذه هي خلاصة التحركات الشيعية في العراق منذ سنة 1920 م، سنة تأسيس الدولة العراقية الحديثة وتكوين الملكية العراقية إلى ظهور الجمهورية العراقية سنة 1958م.
ولا يسعني في نهاية هذا القسم إلا أن أذكر كلمة لعلامة العراق محمود شكري الألوسي وردت في مجلة المنار بحق وضع العراق وشيعته، إذ يقول:
"ومن العجب أنّ الرافضي – محسن الأمين العاملي - ادّعى أنّ فرقته أطوع الناس للحكومة مع أن سيفها لم يزل على رقابهم، ولم يمض يوم من الإيام إلا والحرب معهم قائمة على ساقها، فكم ألجأوا الحكومة الى خسائر ونفوس، وجميع القبائل الذين ترفضوا – تشيعوا – هم أعدى الناس لدولة الإسلام.
وفي هذا الإسبوع ورد تلغراف يخبر عن هجوم جمع منهم على شطرة المنتفق([30])، وقتلهم جمعا من الضباط وعددا كثيرا من الأفراد .
وحروبهم في العمارة شهيرة، وكذلك قبائل الديوانية، والنجف، والسماوة، وكربلاء، ولم يزالوا قائمين على ساق الحرب مع الحكومة، واختلال العراق دائما إنما هو من الأرفاض – الشيعة - فقد تهرّى أديمهم من سمّ ضلالهم، ولم يزالوا يفرحون بنكبات المسلمين حتى أنهم اتخذوا يوم انتصار الروس على المسلمين عيدا سعيدا، وأهل إيران زينوا بلادهم يومئذ فرحا وسرورا .
ولو بسطنا القول في هذا الباب وذكرنا حروبهم ومخازيهم لاستوجب إفراد مجلد كبير، والمنكر لذلك كالمنكر للشمس رأد الضحى" ا.هـ
خلاصة هذا القسم (القسم الرابع) ونتائجه:
هذا جزء من تاريخ شيعة العراق مليء بالمؤامرات والثورات، مرورا بثورة العشرين، وبأول محاولة للإنفصال سنة 1927م وبثورة سنة 1935م، وبمحاولات صالح جبر السياسية، والدور السيء الذي لعبته المرجعية الإيرانية، وكذلك المرجعية العربية، وقد مرّ بنا موقفهم من تأسيس الجيش العراقي، ومن استقلال العراق، وكيف ارهقوا العراق ومنعوا استقراره، قبل قيام الدولة العراقية الحديثة كما تجلى ذلك أيام الدولة العثمانية، وبعد قيام دولة العراق سنة 1921م .
ولقد سمعنا مرارا مطالب الشيعة في العراق بحقوقهم كشيعة، سمعنا هذا من قبل المراجع والمتدينين، والعلمانيين وعامة الشيعة وأريد تسليط الضوء على هذه المطالب:
* يطالب الشيعة بحقوق دينية كشيعة، والسؤال ماهي حقوق الشيعة كدين أو كمذهب ؟
يريد الشيعة من السنة اعتبارهم مذهبا كبقية مذاهب السنة، ولكنهم في نفس الوقت ينفصلون كليا في عبادتهم، فمساجدهم مستقلة عن مساجد السنة، وهم لا يقفون خلف السنة، وصلاة الجماعة شبه منعدمة عندهم، وصلاة الجمعة ظلت متوقفة إلا عند جماعة الخالصي، فأي وحدة يريدون وهم في واد، والمسلمون السنة في واد آخر، وكل أتباع المذاهب المنتشرة في أرجاء المعمورة سواء كانت زيدية أو إباضية يصلون مع أهل السنة في مساجد واحدة، إلا الشيعة الإمامية فهم يريدون أن ينفصلوا عن السنة ثم يطالبون بالوحدة معهم، ومازال الشيعة في العراق لهم مساجدهم وحسينياتهم ولم تحاسبهم حكومة العراق السنية على ذلك، ولقد ادركنا الجنوب العراقي وفيه مناطق كاملة لا يوجد فيها أي مسجد شيعي، فإذا سعى السنة لبناء مسجد في تلك المناطق هبت العمائم لبناء حسينيات خوفا من انتشار التسنن!
ثم ثبت بمرور الوقت أن الحسينيات ومساجد الشيعة هي أوكار مستغلة لتهييج الشيعة ضد استقرار وأمن العراق، وقد ذكرنا آنفا كلام علامة العراق الألوسي الذي يبين كيف أنهك شيعة العراق بلاد العراق، وكيف أن مساجدهم إنما تخرج كل حاقد معمم.
*كما أن من مطالب الشيعة الغراء! ترسيخ وحماية المراسم الحسينية من لطم وضرب بالقامات والسلاسل، وشتم الصحابة وقراءة الأغاني واللطميات في رثاء الحسين رضي الله عنه في شهر محرم، ولقد اهتم الشيعة بهذا الجانب أكثر من الصلاة والصوم والزكاة بكثير، بل أن الشيعي يتعلم الزيارة وآدابها وأقوالها أكثر مما يتعلم الصلاة. ولعلّي لا أبالغ إذا قلت أن نسبة المصلين بين أهل الجنوب متدنية جدا، بينما كل الشيعة يعرفون الزيارة وهي عندهم أهم بكثير من العبادات والعقيدة.
إذاً فقضية اللطميات هي من كبرى مطالب الشيعة في العراق. وعلى حكومة العراق أن تحتفل وتعطل في العام أكثر من شهرين لوفاة ومولد كل إمام، كما على الدولة العراقية أن تدخل حالة الإستنفار والطوارئ للمنع والحد من أي نشاط معاد للزوار الشيعة حتى لا تثور فتنة ؟!
* كما يطالب الشيعة بانشاء محاكم شرعية وفق المذهب الجعفري ! وهذا أمره يسير جدا ، وقد عمل به من زمن البعثيين .
* كما يطالب الشيعة بتمثيل سياسي أكبر، وأقول لقد ثبت لكل العراقيين أن الشيعة لا يمكن الركون لهم في قيادة البلاد، ففي مرحلة من تاريخ العراق حرّكتهم مراجعهم الدينية الإيرانية لمصالح إيران، وفي مرحلة أخرى حركتهم أحقادهم للإنفصال من العراق([31])، وتعاونوا من كل مستعمر ضد بلدانهم، فكيف يُطمأن لهم بعدُ ذلك، فها هو أمثلهم طريقة حسن نصر الله زعيم حزب الله يحطم بلده لبنان من أجل هدف إيراني.
وهاهم شيعة العراق أودوا بالعراق الى الهاوية لأنهم أرادوا الحكم، فقد ثبت لكل عاقل أن هم الوطنية يحمله السُنة، وهمّ تحطيم البلاد يحمله الشيعة .
والشيعة من أبعد الناس عن الحس الوطني والعروبي القومي، فميلهم لإيران واضح وولاؤهم في العراق ولبنان والبحرين والكويت هو لإيران فقط .
وهذا الحكم هو الغالب سيما لمن تديّن منهم، أما العلمانيون والشيوعيون والمثقفون فبعضهم لم يتأثر بالتشيع فأبقت فيه فطرته وثقافته غير الشيعية بعضا من النبل والوطنية وحب البلاد وصيانتها، وهذا قليل قليل، والنادر لا يقاس عليه. والله من وراء القصد.
أما الجهود الفردية والفكرية فسنتطرق لها في القسم الخامس بإذن الله ، والحمد لله رب العالمين .
الملحق:
خرافة أكثرية الشيعة في العراق
الكثير من المواقع الرسمية الغربية والعربية المختصة بالتوزيع السكاني والجغرافي في العالم تشير إلى أن السنة هم الأكثرية في العراق، وليسوا الأقلية ،مثل :
* موسوعة (Wikipedia)، التي ورد فيها إن السنة العرب يشكلون (35 %) من سكان العراق. ومع الأكراد السنة فيكونون أكثر من الشيعة !
* أما موقع وزارة الخارجية الأمريكية، ووكالة المخابرات الأمريكية وموسوعة (frontier world) فإنها تجمع على أن نسبة السنة العرب في العراق تتراوح بين ( 32 % - 37 % )، كما يشير قاموس الشرق الأوسط الخاص بدول الشرق الأوسط ، إلى إن نسبة العرب السنة تتراوح مابين ( 32 % - 37 % ) من سكان العراق.
* كما نشرت وكالة (قدس برس) للأنباء ثلاثة إحصائيات وصفتها بأنها عالية الدقة والحياد في تقرير لها بتاريخ ( 28 / 1 / 2004 م ) .
الأولى: إحصائية المنظمة الإنسانية الدولية ( هيوما نيتارين كورد ينيو فور ) التي وضعت أصلاً لتوجيه العمل الإنساني في العراق في ظل الحصار الدولي الذي كان مفروضاً عليه من (1990) حتى (2003) ، تظهر الإحصائية إن عدد أبناء السنة العرب يزيد على الشيعة في العراق بـ ( 950 , 819 ) ألف نسمة .
الثانية: تستند إلى البطاقة التموينية لعام ( 2003 م) وإحصائيات وزارتي التجارة والتخطيط في عهد النظام السابق، وإلى إحصاء سلطة الحكم الذاتي لإقليم كردستان العراق في الشمال، إذ تؤكد الإحصائية أن عدد السنة هو ( 377 , 922 ,15 ) مليون نسمة ، وذلك بنسبة ( 58 % ) من أجمالي سكان السنة من العرب والأكراد ، أي أن السنة العرب يشكلون ( 40 % ) من سكان العراق ، والأكراد يشكلون (18 % ) في حين عدد الشيعة هو ( 347 , 946 , 10 ) ملايين نسمة وذلك بنسبة ( 40 % ) بينما يشكل غير المسلمين ( 2 % ) .
الثالثة: إحصائية أعدت بالاستناد إلى معطيات التقرير السنوي للجهاز المركزي للإحصاء العراقي بنسخة دائرة الرقابة الصحية التابعة لوزارة الصحة العراقية .
وكذلك استندت إلى دراسة الأكاديمي العراقي ( د . سليمان الظفيري) ، حتى توصلت الإحصائية الثالثة إلى أن نسبة السنة العرب والأكراد من مجموع سكان العراق المسلمين تبلغ ( 53 % ) في حين تبلغ نسبة الشيعة ( 47 % ) .
هذا وإن كتاب ( مختصر جغرافية العراق) المطبوع سنة (1922 م) يؤكد أغلبية السنة ، وأنهم يمثلون نسبة ( 48,8 %) .
كما هو واضح في دراسة الكاتب الانكليزي (البرت منتشاشفيلي) في كتابه (العراق في سنوات الانتداب البريطاني) والذي ذكر أن أغلبية سكان العراق هم من السنة التي تمثل نسبة (52 %) .
وفي دراسة للدكتور (طه الدليمي) تعتمد على مقاربة عددية لإحصاء رسمي جرى عام (1996 م) وعلى عدد الحصص التموينية التي كانت توزع على جميع سكان العراق قبل الاحتلال ، توصل بعد إحصاء دقيق لجميع محافظات العراق إلى أن عدد أهل السنة هو (11) مليون، وعدد الشيعة هو (9) ملايين ، أي أن عدد أهل السنة يزيد على عدد الشيعة في العراق بمقدار مليونين ، هذا يعني أن نسبة أهل السنة في العراق هي بين (52 % - 54 %) ، ونسبة الشيعة في العراق هي بين (42 % - 45 %) ، ونسبة الأقليات في العراق بين (3% - 4%) وعلى هذا فإن نسبة أهل السنة في العراق تبلغ (53 %) ونسبة الشيعة في العراق تبلغ (43 %) ونسبة الأقليات (4%).
وهذا ما كشفته الانتخابات البرلمانية حسب الأرقام والنسب المعلنة في انتخابات عام 2005 كما نشرته مجلة (الحوار، العدد 32 / آذار / 2005 م) بقلم (أحمد المشهداني) .
وقد قامت مؤسسة (الرائد) الإعلامية في بغداد بإعداد فريق عمل خاص لإعداد إحصائية محايدة تكون أقرب ما يكون للواقع والحقيقة، فتوصلت إلى أن مجموع الشيعة هو (396 , 478 , 11) مليونا، أي أن نسبتهم ( 41 %) وإن مجموع أهل السنة هو ( 593 , 182 , 15) مليون نسمة ، أي أن نسبتهم (56 %) وأن مجموع غير المسلمين هو (178 , 814) ألف نسمة ، فيكون نسبتهم في العراق هو (3%).
هذه كلها صورة لأعداد أبناء الطائفتين ونسبتهما، من بين الشعب العراقي بالاعتماد على إحصاءات ومؤشرات عديدة، فإن هذه الإحصاءات اقتربت من الحقيقة إلى حد كبير وتساهم في إزالة ما استقر في ذهن الكثير من الناس داخل العراق وخارجة. وتقريبهم إلى الحق والواقع والحقيقة والدقة ، بعيداً عن المبالغات والتهويل والافتراء، وتهزم دعاة الفتنة والطائفية .
مستند هذه الخرافة:
بعد أن تبين لنا أكذوبة الأقلية السُنّية والأكثرية الشيعية بقي أن نعرف ومن وجهة نظر موضوعية: هل استندت هذه الأكذوبة على دراسة أو إحصائية معتبرة، الجواب بالتأكيد: لا ! .. وبعد البحث والتمحيص بما يصلح أن يكون مستنداً لها نجد أن هناك مصدرين غير معتبرين يمكن أن يُحتج بهما وقد خالفا الكثير من الدراسات والإحصائيات السابقة واللاحقة لهما:
الأول: مشروع تعداد متعجل قامت به قوات الاحتلال البريطاني عقب احتلاها للعراق سنة 1917م ذُكر فيه أن الشيعة يشكلون أغلبية سكان العراق وبأنهم يمثلون 55% من سكانه بينما العرب السُنّة يمثلون 19% والكرد 18% والطوائف الأخرى بنسبة%8 .
الثاني: دراسة لرجل يهودي يُدعى "حنا بطاطو" في كتابه " العراق الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية" وبطاطو كان أحد أساتذة الجامعة الأمريكية في بيروت ما بين (1963 - 1967) حيث زعم أن الشيعة أغلبية كبيرة في العراق .. ولم يعطِ أي دليل على هذا الزعم وكان استقراؤه غير علمي خالف فيه الكثير من الخبراء الاجتماعيين العراقيين والعرب وحتى الأجانب، بل خالف الدلائل والأبحاث والإحصائيات التي جرت في العراق والتي تشير إلى عكس النتيجة التي ذكرها.
وبنظرة موضوعية يسيرة يمكن إسقاط هذين المصدرين من الاعتداد إذا علمنا أن المصدر الأول خالفه إحصاء نفوس العراق سنة 1920م والذي اُجري في ظل حكومة الاحتلال البريطاني نفسه ونشر في كتاب "مختصر جغرافية العراق" المطبوع سنة 1922م والذي يؤكد أغلبية السُنّة وأنهم يمثلون نسبة (48.8%)، كما يناقضه أيضاً ما جاء في دراسة الكاتب الانكليزي "البرت منتشاشفيلي" في كتابه "العراق في سنوات الانتداب البريطاني" والذي ذكر أن التركيب الطائفي لسكان العراق بأغلبية سُنّية تمثل (52%) وهذا إذا استبعدنا النية المبيتة في سياسة الاحتلال البريطاني بتضخيم الأقليات وإعطائها ثقلاً وحجماً أكبر ضمن سياسة (فرق تسد) المعتمدة لديهم.
أما المصدر الثاني فمع مخالفته ما ذكرنا والإحصائيات اللاحقة التي سنذكرها فهو لم يعتمد على أية وثيقة تثبت زعمه وإنما اعتمد الاستقراء وما يسمعه في مقابلاته الشخصية (عن مجلة الرائد العراقية /العدد 21).
[1] - شيعة العراق لإسحاق النقاش (159).
[2] - الفوائد الرجالية لمحمد مهدي بحر العلوم (1/160).
[3] - ثمة قضية مهمة لابد من أن توضح لكل باحث في الشأن الشيعي وهي:
أن علماء الشيعة في إيران منذ ظهور الدولة الصفوية ولغاية حكومة الشاه محمد رضا بهلوي ارتبطوا مع حكامهم سياسيا واقتصاديا ومصيريا، وأصبحت إيران كدولة تعتبر الفكر الشيعي أحد أدواتها، والعكس كذلك أُعتبرت الدولة الإيرانية إحدى أدوات الفكر الشيعي. وهذا الأمر مضى عليه أربعة قرون حتى غدا عرفا بين الجهتين. وفي بداية القرن العشرين نشأ تحالف بين مراجع إيران وحكامها كان الغرض منه مواجهة المد الشيوعي داخل إيران والذي أخذ بالانتشار والزيادة على يد حزب تودة الشيوعي الإيراني المعروف، وفي المقابل كانت الحكومة توفر الحرية لرجال الدين الشيعة فتضمن سكوتهم عن كثير من المعاهدات والتحالفاتِ مع الأجنبي دون أي اعتراض.
هذا الوضع كان مختلفا بالعراق فكانت صلاحية المراجع الشيعية محدودة التصرف:
إذ العراق – سيما الجنوب - حديث عهد بالتشيع أولا .
ولم تتولد علاقات قوية بين الحكومة والمراجع ثانيا .
كما أن العراق لم يصبح بلدا شيعيا في كل تاريخه ثالثا .
[4] - هذه النقاط اخذت من مصادر عدة منها: كتاب حنا بطاطو، وكتب علي الوردي ، وشيعة العراق، وغيرها من الوثائق البريطانية .
[5] - هذا أخذناه من قوانين الدولة العراقية.
[6] - كما جاء في وثائق المخابرات الإنكليزية في وقتها.
[7] - وهذا يذكرنا بسلوك الحاكم الصفوي المعروف الشاه عباس عندما منع الحج على الإيرانيين حتى لا تعطى ضريبة للدولة العثمانية، انظركتاب (عودة الصفويين) لراقم هذه السطور.
[9] - من ابجديات الدول أن تكون لها جيوش، ورغم أن الانكليز كانت لهم رغبة بتشكيل الجيش العراقي لتخفيض نفقات قواتهم المتواجدة في العراق، فإن ذلك لا يعيب فكرة تكوين الجيش العراقي، أقول ذلك لأن كاتبا مشبوه المقاصد والنوايا وظيفته نشر وتوظيف الطائفية - حسن العلوي - كتب في كتابه المسموم (الشيعة والدولة القومية) (ص176) : أن الجيش العراقي أسس لضرب شيعة الفرات الأوسط، ثم ادّعى بعد ذلك أن الجيش توسع ليضرب الأكراد في الشمال.
هذا الجيش الذي شهد له القاصي والداني بوطنيته ودفاعه عن قضايا الأمة، هذا الجيش سر قوة العراق والذي طالما حلمت اسرائيل بالتخلص منه، والذي ما ان احتلت امريكا العراق حتى أمرت بحله في 23/5/2003 بأمر وبتواطؤ من الشيعة، على يد بول بريمر الحاكم المدني للعراق.
[10] -جريدة النهضة 1090 في 2/10/1927م ، وثائق المجلس التاسيسي (ص162).
[11] - طه الهاشمي ( 1888 - 1961), عسكري وسياسي ومتخصص بالجغرافيا البشرية في العهد الملكي في العراق. تولى عددا من المناصب والمهام منها منصب رئيس الوزراء لمدة شهرين فقط من 1 شباط 1941 إلى 1 نيسان 1941 ثم خبيرا في وزارة المعارف حيث الف عدداً من الكتب المنهجية لمدارس الثانوية العامة . عين طه الهاشمي رئيسا للوزراء من قبل الوصي على العرش عبد الإله بن علي بن حسين بعد اقصاء حكومة رشيد عالي الكيلاني ذي التوجهات المناهضة للهيمنة البريطانية على سياسة العراق. انتهت ولاية طه الهاشمي عندما هرب عبد الاله خوفا من ان يغتال باوامر من رشيد عالي الكيلاني
[12] - "المجتمع والدولة في المشرق العربي" لغسان سلامة، مركز الدراسات الوحدة العربية ، وتاريخ الوزارات العراقية لعبد الرزاق الحسني (2/104).
[13] - بالضبط كحال العراق اليوم .
[14] - الافكار السياسية للأحزاب العراقية في عهد الانتداب لحسين جميل (27) ، تاريخ الوزارات (2/100)
[15] -الافكار السياسية (29) ، شيعة العراق لاسحاق النقاش ( 216-217) نقلا عن تقارير دوائر المخابرات البريطانية .
[16] - مجلة العرفان اللبنانية الأعداد ( 20،21،22) لسنة 1930-1931
[17] - لم يكن الشيعة في يوما ما أكثرية في العراق ولتفصيل هذا الموضوع انظر الملحق في آخر المقال.
[18] - ياسين الهاشمي، توفي سنة 1937 أحد السياسيين في العراق ابان العهد الملكي حيث شغل منصب رئاسة الوزراء مرتين. كان ضابطا في الجيش العثماني قبل الانتداب البريطاني على العراق. شغل منصب رئيس الوزراء لمدة 10 أشهر واصبح عبد المحسن السعدون رئيسا للوزراء من بعده. شغل مناصب حكومية مختلفة لمدة عشر سنوات حتى اصبح رئيسا للوزراء للمرة الثانية عام 1935 . اشتهر ياسين الهاشمي بكونه أول رئيس وزاء عراقي يتم الاطاحة به عن طريق انقلاب عسكري حيث قام بكر صدقي بانقلابه الشهير عام 1936 . نتيجة لهذا الانقلاب هرب الهاشمي إلى سوريا ومكث في دمشق إلى ان وافاه الاجل بعد شهرين من هروبه.
[19] - تاريخ الوزارات (4/ 84- 86 ).
[20] - كان الهاشمي ذا نظر بعيد ، فالحكومة إذا استجابت للشيعة فإنهم سيطمعون بمطالب أكثر إضافة إلى أنها كانت تخطط لإزاحة المرجعيات من واجهة القرار في العراق، وإذا استجابت لتدريس الفقه الجعفري فمعناه جلب المرجعيات الى الجامعات العراقية علنا .
[21] - هذا هو تاريخ الشيعة في العراق: زعزعة الاستقرار في كل زمان ومكان وجدوا فيه بدءا من : ثورة العشرين، وثورة 1927م، وثورة 1935م، وانتفاضة 1991م ، أوضاع العراق عند الحكم الشيعي منذ الإحتلال لساعة كتابة هذه المقال ، فكلما وجدوا فرصة ثاروا وخربوا ونهبوا وسرقوا، كما يفعل الصدريون وجيش المهدي اليوم في الجنوب العراقي.
[22] - تلفظ باللهجة العراقية المنتفج ، بالجيم الفارسية.
[23] - أقول بذكاء لأن كل عمل يقلل من الثورات وعدم الإستقرار هو لصالح العراق بأكمله وهو نوع من استيعاب الشعوب وخير من المواجهات الدامية.
[24] - تفاصيل هذه الأحداث متوفرة في المراجع العراقية والأجنبية.
[25] - ذلك أن سلطة المراجع بدأت تعود للشيعة في العراق للمرجعيات عندما ظهرت الأحزاب الدينية مرة أخرى.
[26] - فكلاهما ينهل من ثوروية الفكر الشيعي الرافضة لكل فكر ودين سوى دينها ، وأنها ما أن تتمكن حتى تسلك مسلك اجتثاث الآخرين كما فعلوا في إيران وحاولوا فعله اليوم في العراق ويحاولون في الكويت والبحرين واليمن ولبنان ، إن عدم الإستقرار مطلب لكل الشيعة المتدينين كي يتسنى لهم الوصول الى مآربهم الدموية، ومن يراجع أوصاف مهدي الشيعة وما يفعله إذا حل بالبلاد قتلا وسفكا ودمارا وحرقا فإنه سيفهم حقيقة دموية الفكر الشيعي، وصدق صديقنا الدكتور طه الدليمي عندما قال إن الشيعة ينطلقون من عقدة وليس من عقيدة تشبه عقدة اليهود بالإضطهاد والتظلم .
[27] - الشيعة والدولة القومية لحسن العلوي (193).
[28] -شيعة العراق (229 ).
[29] - كل الوطنيين العراقيين كانوا يقاومون من يتواطأ مع المستعمر سواء كانوا سنة أم شيعة ، فقد كانت التظاهرات شعارها سواء من السني والشيعي ):نوري سعيد – سني – القندرة وصالح جبر – الشيعي – قيطانه ) وهذا دلالة على ان الشارع ينظر بمنظار غير طائفي. لكن شيعة الجنوب اعتبروا إخراج جبر لا بسبب مواقفه المشينة، بل اعتبروه ضربا للشيعة، رغم أن المظاهرات كانت تدين السني نوري سعيد!
[30] - من المدن التابعة اليوم لمحافظة واسط .
[31] - هذا في سنة 1927م ، وأعيدت الكرة اليوم .