أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه
(الأول) في الأمّة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم
د.حامد الخليفة
خاص بالراصد
تبين في المقالين السابقين الكثير مما كان لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبي بكر الصدّيق، من الميزات والفضائل والمناقب؛ التي جعلت له القبول المبنيّ على المحبة والموافقة عند جميع الصحابة، تأكد ذلك في تسابقهم على بيعته يوم السقيفة؛ وما ذلك إلا لما شاهدوه من تقديم النّبي صلى الله عليه وسلم له، وحرصه على أن يكون ذلك التقديم معلوماً في الأمّة، فضلاً عمّا كانوا يرون ويعايشون من مؤهلات أبي بكر ومواقفه، التي تسر النّبي صلى الله عليه وسلم حتى بعد وفاته، وتقرّ عيون السابقين والتابعين لهم بإحسان، وتشرح صدورهم، وتزرع في نفوسهم الثقة وقوة التمسك بالسنّة النبوية، وما ذلك إلا لعلمهم بأنّ أبا بكر الصدّيق كان الأول في كل ما تم ذكره، وأنه:
أول الصحابة في العلم. قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا)([1]) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت كأني أعطيت عساً مملوءاً لبناً، فشربت منه حتى تملأت، فرأيتها تجري في عروقي بين الجلد واللحم، ففضلت منها فضلة، فأعطيتها أبا بكر) قالوا: يا رسول الله هذا علم أعطاكه الله، حتى إذا تملأت منه فضلت فضلة، فأعطيتها أبا بكر، فقال رسول الله: (قد أصبتم).
والأول في فقه وعلم مرامي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وفحواه فقد كان وحده الذي فهم ما يرمي إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله إن عبداً خيره الله من أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده... فقال أبو بكر: ( فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا )([2]).
وأول من دخل الإسلام ولم يسجد لصنم قط، وقد قارب الأربعين في الجاهلية([3]).
وأول من غضب له رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غائب حين صلى بالناس غيره فلما سمع تكبير الصلاة ( أَطْلَعَ رَأْسَهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ حُجْرَتِهِ ثُمَّ قَال: لا، لا، لا، لِيُصَلِّ لِلنَّاسِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، يَقُولُ ذَلِكَ مُغْضَبًا )([4])
والأول في المكانة والوجاهة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن يقدم عليه أحداً من أصحابه، ولم يكن يقبل أن يغضبه أحد، قال النبي صلى الله عليه وسلم محذراً من يخاصم صاحبه الصدّيق رضي الله عنه: ( فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي مَرَّتَيْنِ فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا )([5]).
وأول من شهد له النّبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان وهو غائب ليس موجودا ومعه عمر رضي الله عنهما، قال النّبي صلّى الله عليه وسلم: (بينما رجل يسوق بقرة أراد أن يركبها فأقبلت عليه فقالت إنّا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحراثة! فقال من حوله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله تكلمت بقرة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإني آمنت به وأبو بكر وعمر، وليس هما ثَم، وقال رجل بينما أنا في غنم إذ أقبل ذئب فأخذ شاة فطلبتها فأخذتها منه، فقال لي: كيف لها يوم السبع حيث لا يكون لها راع غيري قالوا: سبحان الله تكلم ذئب؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإني آمنت به وأبو بكر وعمر وليسا ثَم)([6]).
وأول صحابي أمر النّبي صلى الله عليه وسلم أن يبقى بابه وخوخته مفتوحين إلى المسجد بعد وفاة النّبي صلى الله عليه وسلم إشارة إلى خلافته من بعده، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلا سُدَّ إِلا بَابَ أَبِي بَكْرٍ)([7]) وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِد خَوْخَةٌ إِلاَّ خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ)([8]) فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أغلق كل باب وكل خوخة مفتوحة إلى مسجده صلى الله عليه وسلم، إلا باب وخوخة أبي بكر الصدّيق، فإنّ حال من يريد أن يغلق ما فتح رسول الله، ويفتح ما أغلق رسول الله صلى الله عليه سلم، واضحة بيّنة في قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) (النساء:115) فسحقاً للتائهين والمرتابين والمنتفعين، المصفقين والموادّين، لمن يحادّ الله ورسوله، ويتبع غير سبيل المؤمنين، ممن يرد خيار رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع المهاجرين والأنصار.
وأول من تنشق عنه الأرض بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمته، قال صلى الله عليه وسلم: (أول من تنشق عنه الأرض أنا، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم آتي أهل البقيع فتنشق عنهم، فأُبعث بينهم)([9]) فإذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم قادة الأمة ووزراء النّبي صلى الله عليه وسلم، وأفراد موكبه في الآخرة، كما كانوا في الدنيا، فأين يكون مكان من يتبرأ منهم؟!
وأول من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه يدخل من أي أبواب الجنة الثمانية شاء ([10]). وأول من يدخل الجنّة من أمّة النّبي([11]) قال صلى الله عليه وسلم: "أخذ جبريل بيدي فأراني باب الجنّة الذي تدخل منه أمتي، فقال أبو بكر: يا رسول الله وددت أني كنت معك حتى أراه، فقال النّبي صلى الله عليه وسلم: (أما إنك أول من يدخله من أمتي)([12]).
والأول والأَولى في قيادة الأمّة وخلافة النّبي صلى الله عليه وسلم، فحين كان قادة الصحابة، في حالة ذهول وصمت من هول الفاجعة، جاء القائد الأول في الصحابة الذي أُعد لمواجهة مثل هذه الساعة الحرجة، ثابت القلب والجنان وهو أشدّ منهم تألماً على فقد صاحبه صلى الله عليه وسلم، فأعلن وفاته ليقوم المسلمون بواجبهم تجاه رسالة النّبي صلى الله عليه وسلم وأمته دون تأخير، وهذا ما حصل في يوم السقيفة حيث تداول من حضر من الصحابة أمر خلافة النّبي صلى الله عليه وسلم، فكان الإجماع على بيعة أبي بكر الصدّيق خليفة للنّبي صلى الله عليه وسلم، وإماماً وقائداً للأمّة، ولم يتخلف أحد ممن كان في السقيفة عن بيعة أبي بكر، فإذا ذكرت بعض الروايات أنّ حواراً دار في السقيفة قبل البيعة – وهو ما سنفصله لاحقا-؛ فإنّ هذا ليس انتقاصاً لما حصل في ذلك اليوم، بل هو شهادة فخر على أنّ بيعة أبي بكر الصدّيق تمت بعد الحوار والمشاورة وتداول الرأي والاستناد إلى الدليل الشرعي العلمي، ثم الاتفاق على أنّ الصدّيق هو الأولى والأقدر على قيادة الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمشوشون على بيعة أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه يوم السقيفة إنّما هم أقوام أغاظتهم وحدة الأمّة، وسلامة عقيدتها، وأُلفة أبنائها، فلا زالوا يتحينون الفرص للطعن بعقيدتها وتفتيت وحدتها، مستعينين على ذلك بحملات الإفك والتزييف، والغدر والتحريف، والتحالف مع الغزاة والمعتدين على الأمة، مستهدفين إنجازات الصحابة في ذلك اليوم الذي تجلت فيه الشورى، وتألق الحوار، يوم السقيفة الذي جنت الأمة منه عامة النجاحات التي بنت عليها أمجادها، والثمار التي كونت مفردات حضارتها المشرقة.
وأول الصحابة في السياسة وإدارة الأزمات، تبين ذلك من سياسته وإدارته للأحداث المهولة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وارتداد العرب وامتناعهم عن أداء الزكاة، واختلال نظام الإسلام، واختلاف آراء الصحابة في قتال المرتدين، فلم يتزلزل أبو بكر رضي الله عنه أمام تلك الأحداث، وصمم على قتالهم وقال: "والله لو منعوني عقالاً لقاتلتهم عليه حتى ينفذ الله أمره" ولم يزل على ذلك حتى ردهم إلى الإسلام، ومثل ذلك يقال في إنفاذه لجيش أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وإبقائه له في مكانه أميراً وقائداً كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقي على ذلك حتى عاد من غزوته ظافراً منتصراً([13]).
وأول من قاتل أولي البأس الشديد من المرتدين والمجوس والروم، قال تعالى: (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً) (الفتح:16)، فالذي قاتل أولي البأس الشديد ممن ذكرتهم هذه الآية؛ هو أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، فهو الذي قاتل المرتدين الذين يقودهم مسيلمة الكذاب، وكانوا أولي قوة وأولي بأس شديد؛ حتى انهزموا أو استسلموا أو أسلموا، والله تعالى دعا المخلفين من الأعراب إلى القتال مع من يقاتل أولي البأس الشديد، ووعدهم بالأجر الحسن على ذلك، وهذا دليل على وجوب طاعة الصدّيق رضي الله عنه، فالنّبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتل مرتدين وإنما قاتل المشركين، وخليفة رسول الله قاتل المرتدين وكذلك الفرس والروم وجميعهم أولي قوة وأولي بأس شديد، وانتصر عليهم وأدخل الرعب في قلوبهم، فهو قد قاتل الفرس المجوس بجيوش نظامية من المسلمين، حتى كسر شوكتهم، ونزع هيبتهم، وهذا من أهم الأسباب التي جعلت أعداء الصحابة الموادّين للمجوس يشنون حرب الزيف والبهتان على يوم السقيفة والصدّيق رضي الله عنه، كما قاتل الروم لإدخالهم في الإسلام، أو إخضاعهم لأحكام الشرع، أو طردهم من بلاد العرب والمسلمين وتوفي رضي الله عنه وكانت جيوش الخلافة الراشدة تنشر النور والعدل والرحمة في بلاد الشام وما حولها.
فهل يستطيع أحد أن ينكر هذا النص القرآني الذي يشهد لسيد بيعة السقيفة أبي بكر الصدّيق بأنّه هو الذي قاتل أولي البأس الشديد، وأنّ هذا النص دعا إلى طاعة من يقاتل هذا الصنف وأكد على التعاون معه، وهؤلاء لم يقاتلهم إلا جند الصدّيق الذين تحقق على أيديهم موعود الله لعباده المؤمنين، وقد حذرت هذه الآية المخالفين الخارجين عن الطاعة بالعذاب الأليم، مما يطمس بهتان أعداء الصحابة ومن يتعاون معهم ممن لا زال يجتر باطلهم وبهتانهم؟ فأبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، هو:
أول المعنيين بعد وفاة النّبي صلى الله عليه وسلم، في قوله تعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج:41) فما إن استقام أمر الخلافة وعاد جيش أسامة حتى خاض أبو بكر حروب الردة التي انتهت بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة كما كان الأمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أي تغيير أو تأخير.
فالصدّيق رضي الله عنه هو الأول عند أمة الإسلام بلا منازع، وهو قائدها وإمامها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا ينكر هذا إلا من زاغت عقيدته، وضل طريقه، ومات ضميره، وأظلم وجدانه، ولقد علم أعداؤه بأنه الأول فهم حين يذكرونه يسمونه الأول على الرغم من كل أحقادهم التي تغلي في صدورهم عليه رضي الله عنه.
بـالله لا يـدرك أيـامه ذو مئزر حاف ولا ذو رداء
من يسع كي يدرك أيامه مجتهد الشدّ بأرض فضاء([14]).
فها هم أعداء الصحابة الذين حاربوا مرجعية الكتاب والسنّة، ورفضوا خلافة أبي بكر الصدّيق وافتروا الأكاذيب على يوم السقيفة، وتمنوا ولازالوا يتمنون لو أنّ مسيلمة الكذاب وجنده المرتدين انتصروا على الصحابة، لكي لا ترتفع راية التوحيد والفتوح وأمجاد المسلمين في العالمين، ولكي لا يسجل لهم التاريخ ما نشروه بين الناس من العدل والعلم والرحمة في أيام أبي بكر الصدّيق التي كانت أعظم ثمار يوم السقيفة، فأولئك الماكرون وعلى الرغم من كل أحقادهم على أبي بكر الصدّيق؛ فإنهم لا زالوا يسمونه: الأول فهو الأول عند الرافضة الحاقدين، الذين يسرهم التعاون مع المرتدين والغزاة المعتدين؛ لإسقاط خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم من قلوب المؤمنين، ولكنهم على الرغم من جحودهم لخلافته! فإنهم إذا ذكروه في كتبهم قالوا عنه الأول، وهم يقولون ذلك في الذم والشتم، وإذا ذكروا الفاروق قالوا عنه: الثاني، فالأول الصدّيق والثاني الفاروق رضي الله عنهما على ألسنة أعدائهم وفي أمهات كتبهم، وهذا مفصل في آداب زيارة عاشوراء عندهم، حيث يبالغون في شتم الشيخين رضي الله عنهما ويسمونهما الأول والثاني، لتشهد ألسنتهم على تناقضهم، وليتبين للناس أنّ الله تعالى أبى إلا أن يظهر زيفهم، ويوقعهم في شرّ مكرهم، فهم يقولون عن أبي بكر: الأول, ويعترفون بأنه الأول، لكنهم يصرون على انتقاصه وشتمه رضي الله عنه، وما ذلك إلا لأنهم ناصبوا الكتاب والسنة ومن نصرهما؛ حقداً وبغياً وظلماً وتزييفاً، (وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ) (البروج:20).
إنّ كل من يناهض بيعة السقيفة إنما هو من أنصار أعدائها المرتدين والمنافقين، ذلك أنّ الناس انقسموا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم تحت رايتين، راية أبي بكر التي ارتفعت ببيعة الصحابة لها يوم السقيفة، وراية مسيلمة الكذاب ومن تعاون معه من المرتدين المكذبين لرسالة النّبي صلى الله عليه وسلم، ومن هنا تأتي خطورة من يرفض خلافة الصدّيق رضي الله عنه، ذلك أنّه لا مكان لرافضي بيعة السقيفة إلا تحت راية مسيلمة الكذاب، فالباحث المتابع لا يجد بعد وفاة النّبي صلى الله عليه وسلم إلا رايتين! راية المخبتين المتواضعين المؤمنين، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وراية المفسدين الماكرين المتعالين على الناس، المحاربين للصالحين والمفترين عليهم الأباطيل والأوهام، قال تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص:83) وهذه العاقبة الطيبة هي التي تحققت لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، الذين أنجزوا بيعة السقيفة بكل أخوة وصدق وأمانة ووفاء، رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.
فلماذا يغيظهم يوم السقيفة ولولاه لاستبيحت المدينة على أيدي طلائع المرتدين من بني عبس وذبيان؟! ولماذا تغيظهم بيعة السقيفة ولولاها لما كان نصرٌ يوم اليمامة على مرجع الردة الأكبر مسيلمة الكذاب وجنده؟ ولولاها لما توحدت جزيرة العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؟! ولما كانت اليرموك وأجنادين وذات الصواري وفتوح الشام وما بعدها في الغرب؟ ولولاها لما كانت القادسية ونهاوند وتُستَر وما بعدها من فتوح في الشرق؟! ولماذا يغيظهم يوم السقيفة ولولاه ما كانت "بغداد ولا كابل" من بلاد المسلمين؟! ولماذا يغيظهم يوم السقيفة ولولاه لبقيت فارس تحت نير أكاسرة المجوس الظالمين؟!
ثم لماذا لا نحذر أعداء بيعة السقيفة ونحذر منهم ونتوجس منهم كلّ شرّ وغدر؟ ونرتاب بهم وبكل من له صلة بهم؟! كيف لا وهم شركاء في كلّ مصيبة ومأساة مسّت الأمة بنيرانها، فمن اغتال الفاروق في محرابه؟! ومن غدر بذي النورين بين أوراق مصحفه؟! ومن فتك بعلي على باب مسجده؟! ومن طعن الحسن بن علي في فخذه؟! ومن غرّر بالحسين وخذله وغدر به في كربلاء يوم مخرجه؟! ومن لا زال يجدد مأساته الرهيبة في كل عام مرات ومرات؟! فيزرع الضغينة ويبذر الكراهية، ليصنع من صديدها أفيون الحقد على أمّة الصحابة ومن تبعهم بإحسان! ومن لا زال ينشر الشك بالكتاب والسنّة؟ ويوقد الفتن بين المسلمين؟ ويفتري على أئمة الأمّة؟ ويزيف عقيدتهم؟ ومن لا زال يزرع الكيانات الطائفية؟ ويقيم الدويلات الطفيلية؟ داخل الدول والأوطان الأم؟! تمزيقاً للوحدة وتسعيراً للفتنة؟! إلى غير هذا من مساوئ ورزايا تتأجج شرورها على عامة أمصار الأمة وامتداداتها الجغرافية والعقدية! أليس كلّ من يفعل هذا وغيره الكثير من البلايا؛ هم أدوات الردة، ونواقيس الفتنة، ومطايا الغزاة والمعتدين، أعداء الصحابة الرافضين لبيعة السقيفة التي أشرق يومها على الأمّة أخوّة ومودة ووحدة وعزة وسلاماً؟! وللحديث صلة.
([3]) السيرة الحلبية: ح (1/453).
([4]) سنن أبي دواد (4042).
([8]) اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، 1/745.
([9]) الحاكم: المستدرك. ك. معرفة الصحابة. باب: أبو بكر الصديق. ح:4429. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
([10]) البخاري (1897).
([12]) الحاكم (4444) وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه.
([13]) مصنف عبد الرزاق (19372).
([14]) ابن عساكر: تاريخ دمشق، 2/218.