ربيع حداد – موقع لبنان 360 27/12/2015
رحل القائد المجاهد وطالب العلم والخطيب والمعلم والأب والزوج الشيخ محمد زهران بن عبد الله علوش مخلفاً ثغرة عظيمة لن يكون من السهل سدها. جيش الإسلام أعلن عن تنصيب خليفة له هو أبو همام عصام بويضاني الذي شارك علوش تأسيس لواء الإسلام قبل أن ينمو ويتطور إلى جيش وكان رفيق دربه منذ بداية الثورة.
اغتيال الشيخ زهران سيكون حدثاً مفصلياً في مسار الثورة السورية كونه جاء نتيجة تراكمات بدأت باستشهاد قائد لواء التوحيد في حلب عبد القادر صالح الذي كان يحظى بمحبة واحترام شريحة واسعة من الأهالي والمقاتلين والقادة على حد سواء وقد تفكك لواؤه من بعده وانحسر دوره بشكل كبير. تلا ذلك اغتيال قيادات الصف الأول والثاني من حركة أحرار الشام التي كانت تشكل الفصيل الأقوى والأكثر انتشارا والأمتن تنظيماً في الشمال السوري وهو أمر لو أصاب دولة عظمى لأدى إلى انهيارها لكن الحركة تعافت من ذلك إلى حد بعيد واستطاعت أن تعيد تشكيل كوادرها وإن كان ذلك على حساب تراجع نفوذها وانحسار أعداد المنتمين إليها وبروز خلافات داخلية حول هوية الحركة ومناط نشاطها العسكري والسياسي. ضف إلى ذلك انحسار الدور التركي بسبب الانتخابات البرلمانية التي جرت أحداثها في الدورة الأولى بغير ما تشتهي سفن العدالة والتنمية ما أربك مسيرة الحزب الحاكم وأصابه بشيء من الجمود طيلة الفترة الممتدة بين الانتخابات الأولى والثانية.
كان من شبه المسلّم به قبيل إعادة الانتخابات أن تركيا ستعمد إلى إيجاد منطقة آمنة في الشمال السوري تسمح للمدنيين بالعيش فيها بمأمن من طيران بشار الأسد وبراميله المدمرة وتجعل الحدود التركية- السورية أكثر ضبطا وأمنا من تسلل داعش وغيره لكن التدخل العسكري الروسي جمد مخططات أنقرة وسحب زمام المبادرة من يدها وأصبح بوتين بذلك ضابط الإيقاع الرئيسي للأحداث في سوريا عسكرياً وسياسياً. العنوان الرئيس للتدخل الروسي كان "محاربة الإرهاب" المتمثل بداعش متذرعا ببعض الأعمال الإرهابية التي تبناها التنظيم. لكن داعش لم تحظ إلا بالنزر اليسير من غارات الروس التي تركزت على الفصائل الأخرى المناوئة لداعش والبيئة الحاضنة لها والتي كللتها روسيا باغتيال القائد زهران علوش بالأمس القريب. عملية الاغتيال جاءت بعد مؤتمر الرياض الذي شارك فيه جيش الإسلام عبر إيفاد ممثلين عنه كان أبرزهم أبو عمرو، محمد علوش وهو ابن عم زهران. وشارك جيش الإسلام -عبر مندوبيه- باللجنة العليا للتفاوض التي انبثقت عن مؤتمر الرياض في الوقت الذي انسحب فيه الأحرار من المؤتمر ورفضوا التوقيع على بيانه الختامي لما رأوه من دور كبير يمنحه المؤتمر لنظام الأسد.
كل ما سبق أسس لحالة من التخبط الميداني والسياسي في أوساط المعارضة السورية وكان هناك العديد من النقاط المتعلقة بالبيان ولجنة التفاوض التي تحتاج إلى جلاء وتوضيح لكن العالم لم يمهل المعارضة فصدر قرار مجلس الأمن بالإجماع مكرسا لمخرجات مؤتمر الرياض ومؤيدا ضمنيا للدور الروسي والإيراني في سوريا وتدخلهما السافر ميدانيا مما أطلق يد روسيا بشكل أوسع فكثفت من غاراتها على الأحياء السكنية وفصائل المعارضة وتوجتها باغتيال زهران علوش. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف علّق على اغتيال علوش قائلا بضرورة "تنقية" لجنة التفاوض من العناصر الإرهابية، الأمر الذي يشي بحقيقة تعاطي موسكو مع الملف وإصرارها على صناعة مستقبل سوريا بالشكل الذي يوافق رؤيتها ومصالحها بالتنسيق مع الأمريكان والناتو من جهة ومع الكيان الصهيوني من جهة أخرى. ولا يستبعد بعض المراقبين أن يكون اغتيال سمير القنطار واغتيال الشيخ زهران علوش جاء نتيجة تبادل معلومات استخباراتية بين الطرفين وتنسيق عسكري جوي اعترف به الطرفان مسبقاً.
الرسالة واضحة؛ لا مكان للفصائل الجهادية المسلحة في سوريا المستقبل بحسب الرؤية الروسية (يؤيدها في ذلك الناتو وإسرائيل) مهما كان توجهها ومهما بلغ اعتدالها. اغتيال زهران علوش وتوقيته يجب أن يفهم في هذا السياق. إزاحته ستضعف آخر الفصائل العسكرية الكبرى وتهدد تماسكه مما سيفسح المجال أمام فصائل عسكرية أخرى صنعت في غرف "الموم" (M.O.M) و"الموك" (M.O.C) ولم تتمكن من إحراز تقدم يذكر ميدانيا حتى اللحظة. تركيا من جهتها غرقت في أزمة إسقاط المقاتلة الروسية، الأمر الذي قطع الطريق على مشروع المنطقة الآمنة على حدودها مع سوريا وخلق مناخا من التوتر الإقليمي انعكس سلبا على الاقتصاد التركي وأشغل أنقرة بإطفاء الحرائق التي أشعلها بوتين في أكثر من عاصمة حول العالم ومع أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فاز في معركة السيادة والكاريزما، إلا إن كفته متساوية حتى اللحظة مع بوتين في ميزان السياسة والعلاقات الدولية.
أما التحالف العسكري الإسلامي التي أعلنت السعودية عن تشكيله من ٣٤ دولة وجعلت غرفة عملياته المشتركة في الرياض، والذي شكّل بصيص أمل عند البعض لم يبلور حتى اللحظة دورا يليق بحجم اسمه (عسكريا على الأقل) وتمنى هذا البعض أن لا يكون الإعلان عنه مجرد مناورة سياسية تخدم أهدافا مرحلية محدودة في الوقت الذي يمكن له -لو حظي باهتمام أعضائه المؤثرين- أن يشكل منعطفا حيويا فاعلا ونقلة نوعية استراتيجية لا يستهان بها.