عين على التقارب الإيراني مع حزب الشعب الجمهوري
الأحد 16 أغسطس 2015

محمد زاهد جول – شؤون خليجية 8/8/2015

 

في العرف السياسي تبقى مسألة تشكيل الحكومات الائتلافية من قضايا التنافس السياسي الداخلي بين الأحزاب السياسية الفائزة في الانتخابات البرلمانية على أساس حزبي، وهذا العرف عام بين كافة الدول في العالم، فالانتخابات مهما كان نوعها تعتبر من القضايا السياسية الخاصة بالمواقف الشعبية من الأحزاب السياسية العاملة داخل الدولة، وتتجنب الدول الخارجية التدخل في شؤون الانتخابات، أو التدخل في نتائجها مهما كان نوعها، لأنها انعكاس لآراء الشعب داخل دولته أولًا، وفي موقفه من الأحزاب السياسية التي صوت لها في الانتخابات، وهذا الحال ينطبق على الانتخابات البرلمانية الأخيرة في تركيا، والتي أفرزت تقدم حزب العدالة والتنمية بـ 258 نائباً، وحزب الشعب الجمهوري، بـ 132 نائباً، وحزب الحركة القومية بـ 80 نائباً، وحزب الشعوب الديمقراطي بـ 80 نائباً، وتمثل مجموع نواب البرلمان التركي البالغة 550 نائبًا.

وبحسب النتائج السابقة، واجهت تركيا صعوبة في تشكيل الحكومة التركية، فلم يتمكن أحد الأحزاب السياسية وبالأخص حزب العدالة والتنمية من تشكيل الحكومة بمفرده، حيث يتطلب تشكيل حكومة أغلبية أي 51 % من أصوات البرلمان، أي 276 نائباً لإقرار الحكومة بالثقة البرلمانية، وهو ما لا يملكه أحد من الأحزاب الفائزة كما أظهرت النتائج، ومع ذلك كلف رئيس الجمهورية التركية السيد رجب طيب أردوغان، رئيس حزب العدالة والتنمية السيد أحمد داود اغلو، بتشكيل الحكومة ابتداء من تاريخ 9-7-2015، وبحكم القانون فإن داود اغلو أمامه خمسة وأربعين يوماً لتشكيل الحكومة، فعليه أن يشكل الحكومة قبل تاريخ 15 آب/ أغسطس القادم، وهو الآن أمام عدة خيارات، وهي: تشكيل حكومة أقلية أولاً، أو حكومة ائتلافية مع أحد الأحزاب الفائزة ثانياً، أو خيار انتخابات مبكرة ثالثاً.

حكومة الأقلية تعني تشكيل حكومة من وزراء حزب العدالة والتنمية فقط، وبذلك فإن حزب العدالة والتنمية يحتاج إلى ثمانية عشر صوتاً من نواب الأحزاب الأخرى حتى يقر تشكيل الحكومة بأغلبية 276 نائباً، ولكن وحتى لو تم تشكيل حكومة الأقلية، وتم ضمان ثمانية عشر نائباً لدعمها، فإنها تبقى حكومة قلقة وغير مستقرة، ويمكن لأصغر عاصفة سياسية داخلية ان تطيح بالحكومة، لأنها ستكون حكومة لا يستطيع حزب العدالة والتنمية الدفاع عنها وحده، وسيبقى بحاجة أو تحت ضغوط أو ابتزاز النواب الذين يصوتون له لنيل الثقة من البرلمان، وهذا أمر سوف يوتر الحياة السياسية التركية كثيراً، وسوف يعيد تركيا إلى عهد الحكومات غير المستقرة، والتي أدت إلى ضعف الاقتصاد التركي، الذي كان يتأثر بتأرجح الحياة السياسية وتوافقات الحكومة غير المستقرة، فضلاً عن مخاطر الإضربات الأمنية المحتملة في تلك الظروف.

ولعل الأفضل من تشكيل حكومة الأقلية هو تشكيل حكومة ائتلافية، وذلك يكون بعقد اتفاق بين حزبين من بين الأحزاب الأربعة، وبعد تكليف داود اغلو فإن التحالف المنشود هو بين حزب العدالة والتنمية مع أحد الأحزاب الثلاثة المتبقة، وهنا لا بد من أخذ تصريحات زعيم حزب الحركة القومية دولة باهشلي، بعين الاعتبار، حيث أعلن في الأيام الثلاثة الماضية، عن ثلاثة مواقف سياسية متباينة، أولها أنه يفضل أن يكون في المعارضة الأم، وأنه يفتح المجال لتحالف بين حزب العدالة والتنمية مع حزب الشعب الجمهوري، مع رفضه المؤكد لدخول نواب حزب الشعوب الديمقراطي (الكردي) أية حكومة أقلية أو حكومة ائتلافية، والموقف الثاني أنه لا يمانع من عقد اجتماع ثان مع داود اغلو بشأن حكومة ائتلافية بعد عطلة العيد، والموقف الثالث والأخير إعلانه رفضه لتشكيل حكومة أقلية، وكأن هذه الحكومة تواجه صعوبات في التفاوض مع حزب الشعب الجمهوري، وقد يلجأ حزب العدالة والتنمية إلى حكومة أقلية، إذا ضمن تصويت نواب اكراد له من حزب الشعوب الديمقراطي، ودون ان يكونوا من وزراء الحكومة، وهذا الاحتمال يعني أن حزب العدالة والتنمية لا يريد أن يخضع لشروط قاسية من حزب الشعب الجمهوري التي يتفاوض عليها الآن، ولذلك أعلن باهشلي أنه يفضل انتخابات مبكرة على الموافقة على حكومة أقلية، لأنه يرفض حكومة يكون للأكراد يد في تشكيلها، ولو كانوا خارجها.

في هذا الخضم المقبول سياسياً بين الأحزاب التركية الفائزة، يأتي تصريح سياسي خارجي يتدخل في الحياة السياسية التركية ويؤيد تحالف حزب تركي على آخر، وهو أمر غريب ومستهجن، وقد يكون مرفوضاً من بعض الأحزاب السياسية التركية، ومن قطاعات كبيرة من الشعب التركي أيضاً، وقد يكون لغير صالح تشكيل الحكومة إذا تم التصريح به لوسائل الإعلام، ولم يبق من المشاورات السرية، وبالأخص أنه جاء من دولة عليها علامات استفهام كبيرة في التسبب في حالة عدم استقرار سياسي في كل المنطقة والعالم، هذا التصريح جاء من السفير الإيراني في تركيا السيد "رضا بيكديلي"، فقد صرح السفير الإيراني لدى تركيا علي رضا بيكديلي، بأنّ: "تشكيل حكومة ائتلافية تضم حزب الشعب الجمهوري في تركيا سيعود بالسلام على الشرق الأوسط"، وهذا بالرغم من إشارته الإيجابية في الحديث عن الاستقرار في الشرق الأوسط، ولكنه يأتي في سياق التدخل في شأن تركي داخلي، لأنه يقرر تأييدًا إيرانيًا لتحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب تركي آخر هو حزب الشعب الجمهوري، والدول الخارجية في العادة ليست طرفاً في تشكيل الحكومة الائتلافية، ولا في تحديد من هي الأحزاب التي تشكل هذه الحكومة الائتلافية، بل على الدول الخارجية الترحيب بأي حكومة ائتلافية، وإلا فإن الحكومة الإيرانية تصبح طرفاً في الاختلافات السياسية بين الأحزاب السياسية التركية، وهذا أمر مرفوض قطعاً، وليس لصالح حالة الاستقرار التي يتحدث عنها السفير الإيراني.

ولم يتوقف التصريح الإيراني على نوع التحالف لتشكيل الحكومة التركية، بل وأعطاها واجبات يأمل أن تقوم بها، أو أنه يحدد لها شروط تكليفها، وهي في مرحلة المفاوضات المفترض أن تكون مفاوضات داخلية بين الأحزاب التركية وحدها، فقال بيكديلي إلى زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كلجدار أوغلو، في حفل إفطار في 16 تموز/ يوليو الجاري، وهو يحاوره حول تشكيل الحكومة: إنّ "أي خيار لتشكيل الحكومة الائتلافية يضم حزب الشعب الجمهوري سيساهم كذلك في تسوية القضية السورية"، وهذه الاشارة على براءتها تعد تدخلًا صارخًا في طبيعة المفاوضات السياسية الجارية بين حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري، على تشكيل الحكومة الائتلافية، وكأن السفير الإيراني يطالب كلجدار أغلو أن يجعل الرؤية السياسية لحزب الشعب الجمهوري الموافقة للرؤية الإيرانية حول سوريا، من شروط تشكيل الحكومة الائتلافية، أي أن السفير الإيراني يتدخل في شروط تشكيل الحكومة الائتلافية، ويضع لها أهدافها ووظائفها المستقبلية، بدليل أن تاريخ هذه اللقاء بين السفير الإيراني وزعيم حزب الشعب الجمهوري كلجدار أغلو، جاء في نفس الفترة التي يجري فيها كلجدار أغلو مفاوضات تشكيل الحكومة الائتلافية مع داود اغلو الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة.

هذه المواقف السياسية من السفير الإيراني، التي تتدخل في الشؤون الداخلية الخاصة بالشعب التركي وتشكيل حكومته الائتلافية، لا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار أولاً، والحذر ثانياً، وبالأخص أن الحكومة التركية تعتبر إيران من الدول المساهمة أو المتسببة بحالة عدم الاستقرار في المنطقة، والداعمة أو المؤسسة للنزاعات الطائفية في العراق وسوريا واليمن وغيرها، وبذلك فإن التدخل الإيراني في الشأن التركي الداخلي والإعلان عنه يثير القلق بين أبناء الشعب التركي، وبين الأحزاب السياسية التي أعطاها الشعب صوته وأدخلها البرلمان بإرادته واختياره، فلو جاء حديث السفير الإيراني بعد تشكيل الحكومة مع حزب الشعب الجمهوري، وحثه على طرح الرؤية الإيرانية للحل السياسي في سوريا على الحكومة التركية، لكان هذا الأمر مقبولاً من باب أن حزب الشعب الجمهوري في ذلك الوقت يكون جزءاً من الحكومة التركية القائمة، ومن حقه أن يسمع ويفاوض ويشاور الأطراف السياسية المشاركة في الأزمة السورية، ولأنه سينقل نتائج هذا اللقاءــ والذي يتم بالعادة بعد موافقة الحكومةــ إلى جلسات الحكومة لأخذ رأيها فيه، فالتجاوز الإيراني جاء سيئاً في توقيته، ومخلاً في العلاقات التركية الإيرانية في الوقت الراهن، وهذا يتطلب أن تؤخذ هذه المفاوضات بعين الحساسية والحذر من التدخلات الإيرانية، التي ستكون أكثر في المستقبل لو فتح لها الباب أكثر أيضاً، فإيران في هذه المرحلة مطالبة بأن تكون طرفاً محايدًا بين الأحزاب التركية كلها، طالما هي في مرحلة تشكيل الحكومة الائتلافية التركية، وإلا فإن الأمور ستذهب في اتجاهات أكثر شبهة وتخوفاً في التمدد الإيراني في تركيا، مقارنة بالطريقة التي تمدد النفوذ الإيراني فيها في لبنان وسوريا واليمن، وما أسفر عنه من نتائج سيئة ومدمرة 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: