محمد زاهد جول – أخبار تركيا 15/8/2014
وضع الإنسان في الفكر النهضوي التركي في قلب المشروع النهضوي وفي مركز جميع سياساته، انطلاقًا من فلسفة “أحيي الإنسان كي تحيا الدولة “، التي أطلقها حزب العدالة والتنمية، ويرى أن كافة الحريات المدنية والسياسية وعلى رأسها حريات الفكر والتعبير والاعتقاد والتعليم والتنظيم وتأسيس العمل العام مبني على وعي الإنسان، في بناء ذاته وبناء وعيه بالمشروع الجماعي الذي ينتمي إليه، ويتمتع بكافة حقوقه فيه، ويؤدي كافة الواجبات عليه، وفي مقدمة هذه الحقوق حرية الإنسان في فكره وثقافته واعتقاده، فهذه الحريات شروط حتمية لجعل تركيا أملاً عظيماً يثق فيه الكل من أجل غد أفضل.
لقد بنيت رؤية حزب العدالة والتنمية للنهضة التركية المعاصرة على تفعيل دور الإنسان التركي بكامل طاقته الكامنة، وتفجير كافة طاقته المبدعة، وتوفير كافة عوامل نهضته اللغوية والثقافية والقيمية والتاريخية، على أساس أن الحقوق الأساسية والحريات هي مكتسبات حازتها كافة شعوب العالم المتقدم، وأصبحت تعد هذه المكتسبات مؤشرا على تقدم تلك الدول والمجتمعات، ولذا كان لا بد ان يأخذ الإنسان التركي دوره الكامل في بناء ذاته أولاً وبناء مجتمعه بحرية كاملة، بحيث تصبح رسالة النهضة هي رسالة المواطن والمجتمع والدولة معاً، وهذا لا يتوفر حتى يشعر المواطن التركي بأنه حاضر بالقوة والفعل في ميادين النهضة، وبأنه محل عناية واحترام وتقدير من مجتمعه، وان مجتمعه ينظر له بعين الجدارة والرضا والتقدير ، لقد كانت قناعات حزب العدالة والتنمية الذي قاد النهضة في العقد الأخير بان الشعب التركي يتمتع برجاحة في العقل وقدرة على اختيار الأصوب، ومع ذلك فقد عمل على تثقيف الشعب بما يلزمه من معارف ومعلومات وثقافة نهضوية، وبالأخص في جانب حقوق المواطن ودوره في المشروع النهضوي، وتزويده بكل ما يلزم لبناء الإنسان الذي يقوم بما يوكل إليه من واجبات على معرفة وعلم وتقنية كافية، وتعليم جامعي أو تخصصي للقيام بما يقوم به بكل ثقة واقتدار.
إن أهم عنصر من عناصر الثقة في المجتمع هو إيمان الأفراد الذين يعيشون فيه بان حقوقهم وحرياتهم مصانة، فهذا الإيمان يمثل القوة الأساسية المحركة لكافة الديناميات الاجتماعية والاقتصادية، وفضلاً عن ذلك فإن احترام حقوق وحريات الأفراد شرط أساسي من اجل تقبل المجتمع للنظام السياسي الديمقراطي، ومن اجل إقرار السلام والاستقرار الاجتماعي.
لقد وفر الحزب ثقافة متوازنة لكل إنسان تركي من أجل بناء الثقافة الاجتماعية المتوافقة حول أسس الأمن الاجتماعي، فالدولة التي تؤكد في دستوريها بأنها دولة علمانية، مطالبة أن تثقف مواطنها بالقيم التي ينص عليها الدستور، وحتى يقوم المواطن بدوره على أكمل وجه، ولقد تم تعميم حق كافة الموطنين في الوصول إلى المعلومات والتعبير عن أفكارهم بحرية، ودون تجريح لمشاعر المتدينين، وأن منعهم من ممارسة حقوقهم الدينية يعتبر أمراً معارضاً للديمقراطية ومنافياً لحقوق الإنسان وحرياته، وفي نفس الوقت نشر ثقافة التسامح بين المواطنين.
ومن أجل تفعيل دور المواطن في المشروع النهضوي فقد أكتسب حق تأسيس صحافة حرة وضمنت الحكومة حريتها سواء كانت صحافة مكتوبة أو مسموعة أو مرئية، وكذلك حرية تأسيس الأحزاب السياسية بوصفها مؤسسات مدنية تترجم الرغبات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها، وجعل مهمة الأحزاب السياسية هي نقل قضايا الشعب إلى جدول أعمال الهيئات التشريعية والتنفيذية، والهدف من ذلك تثقيف المواطن التركي بثقافة سياسية واضحة، من مهمتها بيان ان السياسة هي إرادة مجتمع ما في بناء مفهوم حاضره بالقواعد والطرق الصحيحة والتخطيط لمستقبله بشكل سليم، ومن أجل جعل إرادة الأمة هي منطلق كل فعل، وأن أي ممارسة لا تعكس إرادة الأمة لا يمكن التسامح بشأنها.
إن التأكيد على حق المواطن بالعمل الحزبي السياسي هو من أسس بناء المشروع النهضوي لأي امة، وهذا يشمل التأكيد على حرية وحق المواطنين وأعضاء الأحزاب في الانتخابات والترشح لها، سواء في انتخابات بلدية أو برلمانية أو رئاسية، وحث المواطنين على ممارسة هذا الحق الانتخابي، فهو الذي يمد مؤسسات الدولة السياسية التشريعية والتنفيذية بالدماء الجديدة، والكفاءات الشبابية المتعلمة، ويجدد حيوية الدولة، وهو الذي يبعد العناصر التقليدية والقديمة والتي استنفذت قواها في العمل السياسي القديم والضعيف، ويشعر جميع المواطنين بأنهم شركاء في بناء الوطن وإدارته أيضاً، مما يستدعي باستمرار إتباع سياسة حازمة ضد جميع المحاولات الرامية إلى تضييق نطاق الممارسة السياسية، أو التقليل من هيبتها واحترامها، فالهدف العام هو إعطاء الدور الأكبر للمواطنين للمشاركة الديمقراطية، لزيادة التأثير الشعبي في المشروع النهضوي والعملية السياسية، ومن أجل جعل وعي الإنسان بأنه مواطن تركي يمثل أساس وحدة مجتمعه وتماسكه، وأساس تقدم تفكيره، ومواصلة نجاحه وازدهاره
إن محور نجاح التنمية في التجربة التركية هو النمو في الإنسان، وان يكون عائد النجاح على الإنسان وعلى الناس، سواء في التعليم أو الصحة أو مستوى المعيشة والدخل السنوي، أن يكون في رقي وارتفاع مستمر، فإقامة مؤسسات العمل سواء كانت رسمية أو مدنية أو صناعية هي تقديم الخدمة للإنسان وللمواطنين، وما يوضع من قوانين هو تحقيق العدالة مع التنمية، فخطط الخدمات أن تشمل الجميع ، فإذا شملت الجميع دون ظلم ولا فساد فهذا هو العدل الذي يقنع المواطن، بغض النظر عن مستواه الاجتماعي إن غنياً أو فقيراً، فالمهم ان يشعر المواطن بحرية وانه محل اهتمام حكومته التي ينتخبها.
إن الدول العربية قادرة ان تنجز ما قامت به حكومة العدالة والتنمية في تركيا، وأول ما ينبغي القيام به عمل استطلاع رأي عن حاجات المواطن العربي، والبحث عن أولوياته، وأين تقع عنده الحرية أو النمو الاقتصادي وأين مفهوم العدالة، أي أن على الدول العربية أن تتوجه إلى مواطنيها لتسألهم عن أولويات حاجتهم وما الذي ينقصهم، ووضع الخطط على أساس هذا الاستفتاء، ووضع البرامج التي تستجيب لحاجة المواطن، وان يكون هناك قوى تعمل بجد لتحقيق هذه الحاجات والأهداف، سواء كانت عن طريق الأحزاب السياسية أو الحكومات التي تنتمي إلى الشعب ولا تنتمي إلى السلطة فقط.
إن هذه السياسات هي التي مكنت حكومة العدالة والتنمية من قيادة الشعب التركي والجمهورية نحو النجاح والرقي والتقدم الدولي، وأمام العرب تجربة غنية بالدروس والقيم والمشاريع، ينبغي التفكير بها جميعها، وعدم حصر قراءة التجربة في مجال معين أو على سبب معين فقط، والاستفادة من التجربة التركية والتعاون مع الأتراك لا ينبغي أن يخالطه مخاوف من العثمنة ولا العلمنة، لأن المطلوب الاستفادة من التجربة وليس نقل التجربة، ولا تسليم مشروعها لأيدي تركية، فهذا لن يحقق شيئاً.
إن مفهوم الدولة الحديثة ينبغي ان يساوي بين المواطنين كافة بكل قومياتهم وأفكارهم ورؤاهم السياسية، وان يكفلا حقوق أتباع الديانات كافة، فالحقوق للجميع والواجبات على الجميع بالتساوي وبما يكفله القانون، وإلغاء قسم من المواطنين أو إهدار حقوق سيكون سبب انقسام المجتمع وضعف الدولة، فالدولة كمؤسسات دستورية لا ينبغي ان تتبنى رؤية عقدية دينية، وغنما هي منظم لأفكار ومعتقدات المواطنين دون ظلم ولا عدوان.
إن تركيا دولة تمتلك زخما من الإمكانات والطاقات الكامنة المادية والمعنوية يأتي على رأسها كتلة سكانية شابة مفعمة بالحيوية والنشاط، وهذا متوفر عند العرب، فهم كتلة سكانية أكبر من الأتراك، والمنشود أن يصبح من هموم الدول والجمهوريات القائمة تطوير الإنسان العربي، حتى يثق المواطن بدولته، وبأنها دولة كافة المواطنين وبحكم القانون وليس بحكم العطف والمنة التي يمنحها الحاكم للمواطن، وإنما بموجب الدستور والقانون والحقوق والواجبات.
لقد كانت الدولة القانونية من أهم المكاسب التي حصل عليها الشعب التركي في تاريخه الحديث، وميزتها الأساسية احتكامها للدستور والقانون في التعامل مع الموطنين، والعكس صحيح، ويعتقد حزب العدالة والتنمية بان المسافة التي قطعتها الجمهورية التركية إلى الآن في مسار التحول إلى جمهورية ديمقراطية ورغم الجهود المبذولة والتطور ليس كافياً، لذا يستهدف بكل البرامج التي يضعها والسياسات التي يرسمها والمقترحات التي يتبناها بصدق، إلى إيصال الجمهورية التركية إلى بنية ديمقراطية تقوم على سيادة القانون وحقوق الإنسانية وحريته.