خيار التفريغ الديني ..ومغازلة الإلحاد !
الأربعاء 27 أغسطس 2014

 د. حسام عقل – المصريون


 

 (إن موجة إلحاد عاتية ستجتاح مصر في الفترة القادمة). العبارة الدرامية الهادرة بالرعود ليست لي، ولا لممثل مخضرم ينشد انتزاع التصفيق، ولكنها للاستشاري النفسي (د. ماهر صمويل)، جهر بها نصاً في ندوة (المتغيرات الفكرية والنفسية بعد الثورة)، وهي الندوة التي نظمها (المركز الثقافي القبطي) (في الثامن والعشرين من مارس ٢٠١٣). وإذا جاز لنا أن نستخلص دلالة، أو حزمة من الدلالات، من باب تفريع حاشية ضرورية علي متن مثير للجدل، فبمقدورنا القول إن ضيف الإلحاد، الذي حل بما يشبه الاستحياء، في مطالع القرن الماضي علي المشهد المصري، بمكوناته الدينية الموروثة الصلبة، فتصدي له رجل بوزن (الأفغاني) في كتابه: (الرد علي الدهريين)، نقول إن هذا الضيف الذي استتر في زحمة الداخلين وجلبتهم، دون إن نأنس له صوتاً نافذاً، يطالب الآن بوضوح بحق صاحب البيت في الملكية وحيازة الحق العقاري، كاملا غير منقوص، بعد أن ظهرت الصدوع في كمرات البيت وسقوفه! فالضيف يتجاوز، ميدانياً، مرحلة (الضيافة) إلي مرحلة (توطين الذات)، دستورياً وإعلامياً ونيابياً! وقد تعني عبارة د صمويل، من بين ما تعني، أن تغول (الموجة الإلحادية) واندياح دائرتها بالاتساع التدريجي، أصبحا هاجساً إسلامياً / مسيحياً علي السواء ! وقبل تسفيه هذا المنطوق والغض من قيمته، بحكمة مدعاة أو رصانة  مفتعلة، أدعو إلي تأمل أو تجميع ضفيرة من المؤشرات والشواهد الدالة التي تكدست في جسد مصر الطافح بالمحن السياسية الدامية، بعد الثالث من يوليو (في الأشهر الماضية تحديداً).  ففي مجلة (أنا أفكر)، التي صدر منها ما يربو علي اثني عشر عدداً، يتساءل رئيس التحرير (أيمن جوجل) (وهو بالتأكيد اسم مستعار) في مقالته الافتتاحية تساؤلا ضخماً يعنون به مقاله: (لماذا نعادي التدين ؟) وعلي الدرب نفسه يمضي الكادر القيادي الشهير بحركة (تمرد) ليصف القرآن الكريم، في مقطع (يوتيوب) ذائع ، دون تثريب، بأنه (أصل الكارثة) ! وفي الخندق ذاته يروعنا أن نكتشف أن المنسق الجماهيري لحملة مرشح رئاسي سابق، هو نفسه مدير صفحة (الملحدين المصريين) علي الفيس بوك ! ولا يبعد عن هذه الدائرة (خ. ش) الكادر القيادي الأشهر بحزب سياسي كبير، حيث يغرد علي (التويتر)، معقباً علي مرض السرطان ومخاطره: (ادعوا ربنا لو كان بيسمع أصلا أو حتي موجود !) ولا تنتهي المفاجآت بالإعلامية الغندورة (ه . ط ) في تغريدة لها علي التويتر إذ تقول، بما تظنه دعابة: (إن مخترع الغسالة الأوتوماتيك ..أفاد البشرية أكثر من الأنبياء !!) وتكتمل عناصر الصورة بتناثر مدونات تتغلغل تدريجياً في فراغ المشهد المأزوم، من قبيل (ملحد وأفتخر) و (ناكح الآلهة) و(وهم الإله). ولا تنتهي عملية التمدد الإلحادي أو (التفريغ الديني) الممنهج - كما أسميه - بتدشين إذاعة (الملحدين العرب) التي تنشر حلقاتها (كل أسبوعين) يوم الجمعة في تمام التاسعة مساء ! أو بعبارات صاعقة ترد علي ألسنة بعض الضيوف أو في مقاطع درامية - بتعمد مكشوف - في فضائيات الدفع الرباعي التي تصوغ وعي المرحلة الراهنة، فتخلط بين (السياسي) و(الديني) بفجاجة، وهو المسلك الذي تأخذه علي خصومها لتكون أول من يباشره ! ومجدداً أقول، لسنا بإزاء موجة عفوية يفرزها جوف الأوطان، في مراحل الثورات، لكننا أمام عملية تفريغ ديني ممنهج مقصود، تهيمن عليه الظلال والاستثمارات السياسية الرديئة، فشريحة من النخبة تغذيه بصورة براجماتية غير مسئولة، لإزاحة الخصم السياسي التاريخي ذي القاعدة الجماهيرية، أياً ما كان الثمن، وبعض المنتسبين للعمل الدعوي أسهموا بالقطع في تأزيم الموقف بفتح صنابير الادعاء والضحالة والفتاوى الموتورة، والإدارة المصرية الحالية انقادت، فيما يبدو، للاستشارات الأمنية السائبة ضيقة الأفق، التي أغرتها من باب (تجفيف المنابع) بتوسعة الإجراءات الأمنية ، تأثراً بمفهوم (الاستئصال)، الذي تحول تدريجياً إلي استئصال (ارتجالي) ربما نجح في إزاحة بعض المنابر المتشددة إلي حين، لكنه أزاح إلي جوارها، في كارثة تاريخية، ثلاثة أرباع المنابر المؤهلة المعتدلة ! وهيأ، من ثم، للموجة الإلحادية فرصة تاريخية غير مسبوقة، فانتعشت بتوحش  ربما نلمس - بإذن الله - بعض مظاهره ومخاطره في المقالة القادمة.

 

 

 

 

مغازلة الإلحاد .. التوظيف السياسي والمخاطر !

د. حسام عقل – المصريون 25/8/2014

تراكمت تعليقات كثيرة دالة، وأكثرها مفيد دون شك، حول مقالي السابق: (خيار التفريغ الديني ومغازلة الإلحاد). بل وصلتني مكالمات هاتفية من الجزائر وقطر، تبدي اهتماماً بالقضية وتشاطرني جزءاً من مخاوفي المبررة التي تزكيها شواهد ومؤشرات ليس من الحصافة غض الطرف عنها بادعاء الحكمة الفارغة، بعد أن أفصحت خارطة الإلحاد في مصر عن مساحة هائلة من تضاريسها ومكوناتها ورموزها. ولم يفطن كثيرون، برغم أنني أبرقت بوضوح، إلي أن مغزي مقالي ليس الرصد الآلي لظاهرة الإلحاد، التي شهدت تنامياً هائلا، كماً وكيفاً، في الأعوام الثلاثة التي أعقبت ثورة يناير، بل في الأشهر الماضية تحديداً، بعد عمليات الاستعداء الهائلة ضد الظاهرة الدينية، وهي العمليات التي كثفها الإعلام الأمني بوتيرة هستيرية، غير مبال بالآثار والنتائج الجانبية التي سممت شريحة من ولاءات الرأي العام وأرخت كثيراً من خيوط هويته (ولا أقول: مزقتها !) أقول إنني لم أكن في مقالي السابق معنياً بمجرد رصد ظاهرة الإلحاد، أو الإجابة عن سؤال الوقت: هل مازالت الظاهرة دائرة في الحدود الآمنة أم أنها تمددت، سرطانياً، باستفحال خطير، في الفراغ السياسي المأزوم الذي خلفه صراع المؤسسة العسكرية والتيارات الإسلامية في مصر في آفاقه التطورية الدامية. وإنما كنت معنياً، في المحل الأول، بظاهرة (التوظيف السياسي) للإلحاد، والمسعي اللحوح من قبل بعض أجنحة السلطة لمغازلته ومنحه أوزاناً نسبية كبيرة (ليست له في واقع الأمر!) لمجرد كسر حدة (الظاهرة الدينية) وإضعاف ممثليها وضرب جماهيريتها العريضة، لتثبيت عناصر العملية السياسية الموروثة من حقبة (مبارك) دون تغيير جذري، حتي لو اقتضي ذلك التورط في توطين ظاهرة الإلحاد ودعمها في مساحة بكر لم تجر العادة أن نشهد فيها إلحاداً أو (تعطيلاً) كما يسمي في أدبيات الفكر الإسلامي. ومن هنا فإن الاندفاع الوجداني الخطابي بالقول، وفق الكليشيهات  والعبارات المصكوكة، (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) أو (لستم رقباء  علي الضمائر !) أو (لن يكون للإلحاد في مصر المؤمنة سوق رائجة ) أو نحو ذلك من العبارات الموروثة الملقنة، أقول إن هذا الاندفاع يؤكد أن بعض المتلقين لم يفهم، علي الوجه الأتم، المغزي العام لمقالي وفكرتي المطروحة علي السواء، فقد كانت عيني فيما أكتب علي الاستثمار السياسي للظاهرة منذ البداية وخطورة ذلك في ظل تراجع الحريات. وبرغم أن التنامي (الديموجرافي) للظاهرة حقيقة مؤكدة تزكيها الدراسات الجادة، حيث وصلت مؤسسة (بورسن مارستلير) بنيويورك بعدد الملحدين في مصر إلي ثلاثة في المائة (وفقاً لاستطلاع جامعة ميتشجان الأمريكية وبيانات معهد جالوب)، ويزكيها، بالقدر ذاته، ما لمسته في أوساط بعض الشباب من تردد عقدي، بما حدا بي، مع ثلة من الأكاديميين الجادين، إلي إنشاء تجربة (منتدي الفكر الإسلامي) في مصر هذا العام لتكريس برامج الرد علي الملحدين، بأسس عقلية لا نقلية، في محاضرات معمقة، وقد فوجئت بأب مصدوم يصطحب ولده الملحد، في إحدي المحاضرات ويجهش أمامنا باكياً! بمثل ما فوجئت بمكالمات هاتفية متوترة غامضة تتقاطر علي هاتفي فجراً، كانت إحداها من محافظة البحيرة من متصل ملحد أطلق علي نفسه (مايكل) في بعض المكالمات، و(حسن) في بعض المكالمات الأخري، مراهناً فيما يبدو علي ضعف ذاكرتي السمعية! أقول، برغم ذلك، فإن مكمن الخطورة ليس وجود الظاهرة بذاتها، وإنما في المناخ الفاشي القامع للحريات، وهو المناخ الذي يصادر (منابر الرد) ويقمعهابرعونة وتبلد لمصلحة (الحسابات السياسية). وبوضوح فإن ازدهار الحريات ليس خطراً علي العقيدة، فيما أري، وإنما يكمن الخطر كله في تكميم الأفواه وإلجام المنابر الرصينة، أو مطاردتها حتي الحدود ! بقيت ملاحظتان، أولاهما أن الإلحاد المصري ليس من نمط الإلحاد (الفكري) الشائع في الفكر الأوروبي الحديث تأثراً بفلسفة (بخنر) صاحب كتاب (القوة والمادة)، وهو إلحاد ملتحم بالفكرة الديمقراطية إجمالاً، ولكن الإلحاد المصري في حدود ما خبرته قائم علي الضحالة والجهل والعدوانية الدامية التي تؤمن بفكرة الاستئصال!

والملاحظة الثانية مؤداها أنني لا أستبعد تماماً بصمات العامل الخارجي (الأمريكي تحديداً) في ظل إعادة صياغات المنطقة العربية إثنياً وطائفياً وفكرياً، إذ يبدو غريباً أن تتماثل إجراءات غلق المساجد وملاحقة الجمعيات ومصادرة أموالها في مصر التي شهد فيها المسار الثوري إخفاقات واضحة، مع إجراءات شبيهة في أقطار نجح فيها المسار الثوري إلي حد كبير، علي شاكلة ما قامت به حكومة (مهدي جمعة) في تونس مستهلة بغلق واحد وعشرين مسجداً ومائة وعشرين جمعية علي خلفية أحداث (الشعانبي) وتشكيل ما سمي بـ (خلية الأزمة) ! لقد كان الهدف من مقالي واضحاً: أعطونا حرية للجميع وارفعوا عن المشهد هراوة الحكم الشمولي لتتعدل الموازين ..كل الموازين  !!

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: