برهوم جرايسي – الغد 1/3/2014
أبرز النقاش الذي شهدته الهيئة العامة للكنيست، مساء الثلاثاء الماضي، بشأن السيادة على المسجد الأقصى المبارك، أوجه الخلاف العقائدي بين التيارات الدينية اليهودية، أكثر من الخلاف السياسي المعروف بين يمين ويسار صهيونيين؛ ما يؤكد مجددا أن ركوب الحركة الصهيونية على مزاعم دينية لدى نشوئها، إنما كان لأغراض استعمارية.
فقد كان المبادر إلى هذا النقاش الاستفزازي، النائب المتطرف الشرس موشيه فيغلين، من التيار "الديني الصهيوني" الذي يضع تفسيرات توراتية بما يخدم المشروع الصهيوني الاستعماري، ويحاول تبرير وجود الصهيونية "دينيا". بينما التيار الديني المتزمت "الحريديم"، ورغم المواقف اليمينية المتشددة لغالبية جمهوره في إسرائيل، يتمسك بما تنص عليه التوراة، ويناهض الصهيونية في تفسيراتها لها (التوراة).
تقول التوراة إن "مملكة اسرائيل" ستقوم حينما يأتي المسيح لأول مرّة إلى العالم، ويقيم "الهيكل الثالث". وهذا ما يتمسك به "الحريديم". لكن غالبيتهم في إسرائيل يتعاملون سياسيا ومدنيا معها ككيان عابر، يضمن على الأقل في هذه المرحلة وجود اليهود. إلا أنهم في الوقت نفسه يرفضون الحديث عن مشاريع بناء "الهيكل الثالث"، ويرفضون اقتحامات المسجد الأقصى، لأن هذا في نظرهم اعتداء على تعاليم التوراة، وفيه "تدنيس للآثار تحت الأرض". ويبرز الأمر في الفتاوى الدينية المتناقضة بين التيارين الدينيين.
وكما يبدو، فقد أوعز من أوعز لعصابات المستوطنين المتطرفة، التي منها فيغلين، باتباع الحذر في خطاباتهم في الهيئة العامة للكنيست، وأن لا يطلقوا دعوات واضحة لتدمير المسجد الأقصى وبناء "الهيكل" المزعوم، والاكتفاء بعبارة "إلى حين يأتي الخلاص"، ودعوا للسماح لليهود بتأدية صلوات يهودية في باحات الحرم القدسي الشريف، طبعا إلى جانب الدعوات بفرض ما يسمى "السيادة الإسرائيلية" على الحرم، ونزع الوصاية الأردنية عن الحرم والأوقاف الإسلامية في القدس. وانضم إلى هذه الجوقة المتطرفة نواب اليمين المتطرف العلمانيون؛ فهم يركبون المزاعم الدينية لأغراضهم السياسية.
في المقابل، فقد لاحظنا أن رئيس الكنيست دعا لإلقاء الخطابات نوابا من كتلة "الحريديم" الأكثر تشددا دينيا؛ "يهدوت هتوراة" التي تمثل "الحريديم" الأشكناز، أي اليهود الغربيين، والذين رغم تسجيل أسمائهم إلا أنهم غادروا القاعة قبل ذلك. وهذا ليس صدفة، بل لأنهم يرفضون أي مناقشة لمسألة بناء "الهيكل"؛ فهذه قضية "إلهية" من جانبهم. إلا أن زملاءهم "الحريديم" الشرقيين، من كتلة "شاس"، شاركوا في النقاش، وأبرزوا وجه الخلاف العقائدي. وليس هذا فحسب؛ بل أجرى عدد من نواب "شاس" حسابا عسيرا مع نواب التيار "الديني الصهيوني"، ليس من منطلقات سياسية، بل منطلقات دينية، وأبرزوا الفتاوى الرافضة لاقتحام الحرم القدسي الشريف، وقالوا إنهم يتلقون الفتاوى من كبار حاخاماتهم وليس من غيرهم. وقد قال أحدهم: "إن دراسة التوراة اليوم أهم من الانشغال في بناء الهيكل".
لكن الجانب الآخر لغضب نواب "شاس"، هو انخراط نواب التيار "الديني الصهيوني" في مبادرة فرض الخدمة العسكرية الإلزامية على شبان "الحريديم"، والذين يُمضون في غالبيتهم الساحقة، إن لم يكن كلهم، سنوات الشباب، بعد المرحلة الدراسية في مدارسهم الدينية، يدرسون التوراة في المعاهد الدينية، ويعتبرون الانخراط في الجيش مسّا بعقائدهم الدينية. ولهذا، سنرى في الأيام المقبلة مظاهرات ضخمة يستعد لها "الحريديم"، لمناهضة القانون الذي سيُفرض عليهم.
وإلى جانب الطروحات الدينية لرفض الانخراط في الجيش، فإن "الحريديم" وقياداتهم يتخوفون من أن الانخراط في الجيش سيكون فاتحة لانخراط أكبر في المجتمع العلماني. ومن هناك تكون الطريق أقصر لكثير منهم، للتخلي عن مجتمع "الحريديم" والانتقال إلى تيارات دينية أقل تشددا، أو الطلاق التام من عالم التدين.
في الجانب السياسي، كان واضحا الخلاف بين التيار اليميني المتشدد المهيمن على سدة الحكم، وبين تيار اليسار الصهيوني الذي "يُقرّ" بمزاعم أن الحرم القدسي الشريف قائم على ما يسمى "جبل الهيكل" المزعوم، لكن اقتحامات اليهود هي استفزاز للمسلمين والعرب، ولهذا فإنهم يعارضون الأمر.
على الأغلب، طوت إسرائيل الرسمية جولة جديدة من استفزاز مشاعر العرب والمسلمين في فلسطين والأردن والعالم. وكانت جولة حرّكها بجهاز تحكم عن بُعد بنيامين نتنياهو. وقد نشهد جولات أخرى مستقبلا، بتوقيت يختاره نتنياهو، ليخدم بها أجندته العدائية.