معروف الداعوق – اللواء اللبنانية 31/12/2013
لم تقع جريمة اغتيال الدكتور محمد شطح، مستشار الرئيس سعد الحريري خارج سياق الأزمة السياسية والأمنية التي تسبب بنشوئها «حزب الله» ونظام الأسد الدموي لحظة إسقاط حكومة الوحدة الوطنية السابقة بلا مبرر منطقي مقبول ومحاولة حشر لبنان في صف المحور البعثي الإيراني بالقوة في المواجهة مع دول الخليج العربي بزعامة المملكة العربية السعودية خلافاً لرغبة وتوجهات معظم أبناء الشعب اللبناني، وأذكى نار هذه الأزمة مشاركة الحزب الواسعة في الحرب الى جانب نظام الأسد ضد أبناء الشعب السوري الثائرين ضده والمطالبين بالحرية والمساواة والديمقراطية.
وعندما لاحت بوادر التفاهمات الإقليمية والدولية مع النظام الإيراني في خصوص الملف النووي الإيراني والأزمة السورية مع «الشيطان» الأميركي والدول العظمى، وبدأت مرحلة سقوط شعارات المواجهة والعداء الكاذبة وانكشاف كذب وخداع النظام الإيراني، أطلق الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله شخصياً صافرة تصوير ما حصل وكأنه بمثابة إنتصار لمحوره على خصومه الداخليين وحلفائهم العرب الخليجيين، في محاولة مكشوفة لإرغامهم على الخضوع لشروطه وإملاءاته الترهيبية لصياغة نظام سياسي جديد يضمن تسلط سلاحه وإمساكه بالواقع السياسي والسلطوي بمعزل عن أي مساس بهذا السلاح وتحت أي صيغة كانت.
وعندما لم ينصاع خصومه السياسيين بالداخل اللبناني لمواقفه التهديدية والترهيبية، تناوب رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد على توجيه سيل جديد من التهديدات اكثر حدة وانزلاقاً لمستويات خطيرة اقل ما يقال فيها بأنها تعبر عن فقدان للصواب جراء استخفاف هؤلاء الخصوم بكل التهديدات السابقة، عندما تلفظ بعبارات غريبة كلياً عن لغة التخاطب والاختلاف السياسي في تاريخ لبنان، حتى في حمأة الحرب الاهلية التي شهدها لسنوات وسنوات في منتصف السبعينات وحتى اواخر الثمانينات في القرن الماضي عندما قال «سنقطع ايدي من يتطاول على المقاومة» ثم اردف قائلاً بوضوح انه لا يريد لبنان بنظامه الحالي، بل يريده حراً مستقلاً ولكنه لم يوضح للبنانيين كيف يكون البلد حراً وحزبه يتعامل مع ايران ويتزود منها بالسلاح والمال خلافاً للدستور ولرغبات معظم اللبنانيين وعلى حساب مصلحة الدولة كلها.
ولم يتوقف الامر عند هذا الحد، فما وصفه نصر الله بانتصار حزبه في سوريا، لم يتبلور عملياً على الارض، بل اظهرت الوقائع عكس ذلك تماماً مع توارد الاخبار عن تقهقر الحزب والنظام في المعارك الدائرة هناك وعدم قدرتهما على الانتصار على الثوار السوريين في مختلف مواقع القتال، بالتزامن مع تباطؤ المحادثات الجارية لانجاز اتفاق الملف النووي مع الدول العظمى بصيغته النهائية مع بروز خلافات واضحة بين مراكز نفوذ القوى التقليدية والحكام الجدد في ايران حول الاتفاق المذكور، في حين بدأت بوادر تفاهمات وتحالفات بين دول الخليج العربي ومصر مع دول كبرى تعيد خلط الاوراق وموازين القوى في المنطقة من جديد في مواجهة نتائج ومؤثرات الاتفاق الايراني مع الغرب.
ازاء هذه الوقائع المتسارعة، لم يكن امام الامين العام لحزب الله الا تصعيد لهجة تهديداته اكثر من السابق ضد خصومه السياسيين، وتلفظ خلالها بعبارات عكست ما يخالج حزبه من نوايا وتوجهات اظهرت بوضوح انه لن يتوانى عن ترجمة هذه التهديدات الى وقائع ملموسة لاخضاعهم وإرغامهم على الانصياع لشروطه في أي تركيبة سلطوية جديدة، ولم تكد تمضي أيام معدودة على هذه المواقف التهديدية التي جوبهت بالرفض كسابقاتها، وقعت جريمة اغتيال الدكتور شطح الارهابية، بنفس الأساليب والطرق التي استهدفت شخصيات وطنية وسياسية واعلامية من خط سياسي واحد يناهض الحزب وحليفه نظام الأسد طوال السنوات الماضية.
ولذلك، لا يمكن فصل هذه الجريمة الإرهابية عن مجرى الصراع السياسي الدائر في لبنان والمنطقة، مهما حاول البعض تجهيل الفاعل أو تحميل المسؤولية لأطراف آخرين خارج اللعبة.
فالجريمة الإرهابية الجديدة التي استهدفت الدكتور شطح، حصلت في مرحلة حسّاسة وخطيرة جداً، تشهد تحولات كبيرة وأتت موقعة بسيل التهديدات التي أطلقت سلفاً وفي مغزاها أكثر من رسالة، وهي حصلت فيما الاستعدادات جارية لبدء المحاكمات الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وهناك خمسة متهمين من «حزب الله» بارتكابها، وبالتزامن مع التحضيرات الجارية لتأليف الحكومة الجديدة التي تشهد مخاضاً صعباً ومعقداً بسبب الشروط التعجيرية والتهديدات التي يطلقها الحزب ضد رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، بينما التجاذب على أشده لعقد مؤتمر جنيف 2 لحل الأزمة السورية.
لا شك أن الجريمة الجديدة ستكون لها تداعيات سلبية على العملية السياسية وهي تبشر بمعاودة اللجوء إلى أساليب الاغتيال السياسي في هذا الوقت الضائع، ولكن هل تحقق هدفها باخضاع الخصوم وجلبهم إلى طاولة التنازلات بشروط «حزب الله» قبل حصول اتفاقات وتفاهمات المنطقة؟
يبدو أن الوقت قد فات لتحقيق مثل هذه المطالب التعجيزية وبالتالي فان هذه الجريمة قد تزيد من التعقيدات وتدخل لبنان في مرحلة أمنية مترجرجة وتداعيات سياسية خطيرة.