الدور الأميركي - الإيراني في تأجيج الطائفية بالمنطقة
السبت 4 يناير 2014

 

 علي حسين باكير -  صحيفة العرب القطرية  17/12/2013

 

 

على عكس ما يبشّر به كثيرون من أنّ الاتفاق النووي بين واشنطن وطهران سيأتي بالخير والبركات للمنطقة، وسيخفف من التوترات والفتن المشتعلة في كل مكان في الشرق الأوسط، فمن المتوقع أن يترك الاتفاق انعكاسات سلبيّة جدا ليس أقلّها تأجيج الفتن الطائفيّة في العالم العربي.

إحدى أهم الأسباب التي تدفعنا إلى ترجيح ذلك هو أنّ نظام الملالي في طهران وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً عبّأ أدمغة أتباعه ومريديه بشعارات مثل «الموت لأميركا» و»أميركا الشيطان الأكبر»..إلخ من هذه الشعارات. ومع الانعطافة الحادّة والمفاجئة والتي انتهت بتوقيع اتفاق، أصاب المشهد هؤلاء الرعيّة بنوع من الصدمة، ولاستيعاب هذه الصدمة سريعا، شرع النظام الإيراني في إيجاد بديل يكمن في ما يسمّيه «التكفيريون»!

ولأن التهجّم على الولايات المتّحدة الآن قد يخرّب الاتفاق الأخير، وكذلك مهاجمة إسرائيل قد تؤدي إلى نفس النتائج، فإن مهاجمة ما يسمى «بالتكفيريين» أو «بالإرهابيين» ستكون له منافع كثيرة بالنسبة لنظام الملالي ليس أقلّها دفع عجلة التعاون بين طهران وواشنطن خطوة إلى الأمام على اعتبار أن طرح موضوع محاربة الإرهاب يعدّ دائما ورقة جيّدة للولوج إلى عقل وقلب الغرب!

في شهر أكتوبر الماضي، قامت طهران بحملة لإزالة اللوحات التي تعبّر عن العداء لأميركا من شوارع العاصمة، كما طلب عدد من الأئمة المصلّين بعدم رفع شعار المعتاد الموت لأميركا، وقام النظام الإيراني بإلغاء المؤتمر الدولي السنوي لمكافحة الصهيونيّة كبادرة على حسن سيرتها وسلوكها.

لكن في المقابل، قام الملالي بعقد مؤتمر تحت عنوان «المؤتمر الدولي لبحث مخاطر الحركات التكفيريّة»، وقد تزامنت هذه الخطوات المختلفة مع سيمفونيّة شيعيّة حول الحركات «التكفيريّة» من كل من لبنان والعراق وسوريا، ولم يشذ عن هذا النشار أحد ممن يعرفون بأنّهم أبواق لنظام الملالي في المنطقة العربية.

منذ ذلك الحين، لا يخلو أي خطاب مهم لأمين حزب الله حسن نصر الله ولرئيس الحكومة العراقية نوري المالكي وصديقهم الأسد وباقي الملالي في طهران من إشارة مباشرة إلى «التكفيريين» ومخاطر «التكفيريين» ومحاربة «التكفيريين». ومن الواضح أنّ المعني بالتكفيريين لدى هؤلاء الذين يصادف أنّهم شيعة الولي الفقيه، هم في حقيقة الأمر عامّة السنّة ممكن هم ليسوا معهم، فكل من يعارض الأسد من السنّة هو «تكفيري» حتى وإن كان علمانيا، وكل من يعارض المالكي من السنّة هو «تكفيري» أيضا، وكل من يعارض حزب الله ونفوذ إيران في المنطقة العربيّة من السنّة هو «تكفيري» أيضاً.

هذه القراءة وهذا السلوك من المحور الإيراني يشعل الطائفيّة في المنطقة ويعزز من رؤية بعض الجماعات التي تقول بوجود محور أميركي- إيراني ضد السنّة يهدف إلى بناء هلال شيعي، وهو مشروع تم البدء به منذ الإطاحة بنظام صدّام حسين في عام 2003، وصعود الشيعة إقليميّاً. بالنسبة إلى عدد من المتابعين، فإن ما كان يوما يسمّى «أسطورة» الهلال الشيعي، أصبح أمرا واقعا وحقيقيا اليوم خاصّة بعد اندلاع الثورة السورية، والاتفاق الأخير بين واشنطن وطهران هو لتشريع هذه الحقيقة، فحزب الله كان قد أعلن أنّه سيبقى في سوريا مهما كلّفة الأمر ومهما كانت التداعيات، وكان منذ بدء حملته العلنية داخل سوريا يسوّق تدخّله للغرب ولإسرائيل على أنّه تدخّل لمحاربة «التكفيريين».

أمّا المالكي فهو يقوم منذ أشهر طويلة بمحاربة السنّة تحت عنوان محاربة «التكفيريين»، وآخر تصريح له حول ضرورة العمل على محاربة «التكفيريين» في العراق وسوريا من العاصمة الإيرانية طهران، بل وحتى من يوصف بالرئيس المعتدل الذي يقود عملية التصالح مع واشنطن أشار في تصريح له مؤخرا إلى أنّ أخطر «إرهابيي» العالم يقاتلون اليوم في سوريا في إشارة واضحة إلى أنّ محاربة السنّة تحت عنوان «التكفيريين» أو «الإرهابيين» أو «المتطرفين» أصبح أجندة مشتركة للمحور الإيراني مع أميركا والغرب، وهو ما يعني أننا مقبلون على نزاعات أكثر دموية وموجات من التحريض الطائفي الإيراني في المنطقة والذي سيستجلب معه بالضرورة ردود فعل مدمّرة بدأنا نرى بعض أشكالها مؤخرا في لبنان، حيث قام –ولأول مرة- لبناني من منطقة صيدا التي شن حزب الله حربا فيها قبل عدّة أشهر ضد الشيخ الأسير وأتباعه والمدنيين في بعض أحيائها، بتفجير نفسه في السفارة الإيرانية.

باختصار، لم يثبت مطلقا أن مكافأة اللاعب السيئ السلوك من خلال إدماجه في المعادلة الإقليمية أو من خلال إشراكه في الترتيبات الأمنيّة أو من خلال الاعتراف بـ «شرعية» مصالحه ونفوذه هو عامل إيجابي. على العكس، فإن مكافأة اللاعب سيئ السلوك يشجعه على الأسوأ، هو ما سنراه على الأرجح في المنطقة، وخير دليل مكافأة إيران على سلوكها السيئ سابقا في العراق وبعدها في لبنان، والنتيجة ما تشاهدون اليوم لا ما تسمعون.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: